جاء ذلك في كلمة ألقاها دوران خلال "حفل توزيع جوائز أخبار وكالة الأناضول"، الذي أقيم في قاعة الاحتفالات بالبرلمان التركي، برعاية رئيس البرلمان نعمان قورتولموش.
وأوضح دوران أن وكالة الأناضول، التي تأسست بتوجيهات من مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك خلال حرب الاستقلال، اضطلعت في سنواتها الأولى بمسؤولية استراتيجية تمثلت في إيصال قضية الشعب التركي العادلة إلى العالم.
وأضاف أن الوكالة تحولت، بفضل محتواها وخطها التحريري اللذين يزدادان قوة يوما بعد يوم، إلى واحدة من أعرق المؤسسات الإعلامية في تركيا.
وأشار إلى أنها باتت تتمتع اليوم بقدرات عالمية، وأصبحت خلال السنوات الأخيرة صوتا قويا للحقيقة وذاكرة توثق الأحداث في تركيا والعالم.
وقال دوران: "أؤمن من صميم قلبي بأن الكفاح الذي خيض قبل 106 أعوام لإيصال صوت قضية شعبنا العادلة، يتواصل اليوم بمسؤولية رفع صوت الحقيقة في مواجهة التضليل والتلاعب".
ولفت إلى أن المنصات الرقمية حلت إلى حد كبير محل التلفزيون والصحافة المكتوبة، غير أن الجهات الفاعلة عالميا لا تزال تنظر إلى الإعلام بوصفه أداة لتوجيه الجماهير نحو اتجاه واحد، رغم تغير الوسائل.
وأوضح أن المعلومات التي كانت تعرض عبر التلفزيون في فترات سابقة كان الرأي العام يتلقاها باعتبارها حقائق مطلقة، فيما كانت المصالح المتعارضة والأولويات الأيديولوجية تقدم أحيانا على أنها الحقيقة ذاتها.
وأشار إلى أن الإعلام العالمي تحول، مع تشكل عالم أحادي القطبية بعد الحرب الباردة، إلى منصة لتبرير التدخلات العسكرية.
واستشهد بالتغطية المباشرة والمتواصلة التي قدمتها شبكة "سي إن إن" الأمريكية لحرب الخليج عام 1991، واصفا إياها بأنها كانت منحازة وأحادية الجانب.
وذكّر بأن المفكر الفرنسي جان بودريار ظهر على شاشات التلفزيون خلال حرب الخليج، ووصف ما يجري بأنه "استعراض للقوات الخاصة"، مشيرا إلى أن الحرب تحولت بالنسبة إلى المشاهدين أمام الشاشات إلى عرض.
وأضاف أن المدن كانت تتعرض للقصف، بينما يتابع الناس ذلك العرض دون أن يفقدوا شهيتهم أو يؤرقهم النوم، وفق تعبيره.
وتساءل دوران عما إذا كان الإعلام لا يزال قادرا اليوم على تشكيل المجتمعات وصناعة التصورات العالمية بالطريقة الأحادية نفسها، مجيبا بالنفي.
واستشهد بكتاب "عن الحرب" للمفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز، الذي يتناول تطور أساليب القتال عبر التاريخ، معتبرا أن المنصات الرقمية أحدثت تحولا مماثلا في طبيعة إنتاج المحتوى، رغم تأثير الخوارزميات وما وصفه بـ"الفاشية التقنية".
وقال دوران إن الإعلام الذي أسهم، عبر صور مزيفة، في تبرير قصف بغداد خلال حرب الخليج وصناعة قبول شعبي به، لم يتمكن من صناعة القبول نفسه تجاه ما يجري في قطاع غزة، مشيرا إلى دور الصحفيين ووكالة الأناضول في ذلك.
وأضاف مخاطبا صحفيي الوكالة: "منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول 2023)، أسهمتم من خلال تغطياتكم المتواصلة بلغات عديدة، ووجودكم في مناطق الحرب، والمعلومات التي نقلتموها من الميدان، وكتب مثل الدليل والشاهد والمتهم، في تحطيم الرواية السائدة".
وتابع: "لم تبثوا الموت على الهواء مباشرة، بل كشفتم القتلة على الهواء مباشرة. وحطمتم جبهة دفاعية موحدة كانت تجعل الضحايا والمظلومين مادة للاستعراض، دون أن يفقد المشاهدون نومهم".
وأردف: "إذا تعددت الروايات اليوم وتسربت الحقيقة إلى البيوت والقلوب، فإن ذلك يعود إلى الصحفيين المتفانين".
وأكد دوران أن أشخاصا ظلوا لسنوات يتجاهلون الحصار غير القانوني المفروض على غزة، ونقاط التفتيش التي حولت حياة الفلسطينيين إلى جحيم، وأنشطة المستوطنين الإسرائيليين، بدأوا اليوم يرون الحقيقة.
وقال: "أشكر صحفيينا على إيصال صوت كل مظلوم كنتم صوتا له"، مستذكرا الصحفيين الذين قتلتهم إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، ولا سيما قطاع غزة.
وفي سياق مكافحة التضليل الإعلامي، أوضح دوران أن مركز مكافحة التضليل يعمل بالتعاون مع جميع المؤسسات العامة للكشف السريع عن المحتوى المزيف وتقديم المعلومات الصحيحة.
وشدد على أن تعزيز الوعي الإعلامي لدى المواطنين وإكسابهم المهارات اللازمة للتحقق من المعلومات لا يقلان أهمية عن مكافحة التضليل.
وأشار إلى استمرار البرامج والمشروعات التدريبية في هذا المجال، موضحا أن الهدف الأساسي يتمثل في تعزيز التواصل السليم وتقوية منظومة الاتصال في تركيا، بما يتماشى مع رؤية "قرن تركيا".
ونقل دوران عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوله: "في نظام إعلامي تتزايد فيه ضبابية الحدود بين الحقيقة والشائعة، وبين الواقع والتصور، تؤدي الصحافة دور البوصلة للمجتمع".
وأضاف: "في هذا السياق، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى الدور التوجيهي للصحافة".
وأكد دوران أن جوائز أخبار وكالة الأناضول تؤدي دورا مهما في تشجيع الصحافة النوعية وتقدير الإنجازات المهنية، وتعزز الأمل في استمرار دعم الصحافة الساعية إلى الحقيقة والمتمسكة بالمبادئ المهنية.
وقال: "نتابع في دائرة الاتصال عن كثب مشكلات الصحفيين، ونعمل على تحسين ظروف عملهم وتطوير إمكاناتهم المهنية. وسنواصل الوقوف إلى جانب صحفيينا والمؤسسات الإعلامية ودعم الصحافة النوعية والمسؤولة".
وأعرب عن أمله في أن يظل مستقبل الصحافة مشرقا، مؤكدا ضرورة العمل من أجل تحقيق ذلك.
وفي ختام كلمته، هنأ دوران الصحفيين الفائزين بالجوائز، وأشاد بجهود القائمين على تنظيم المسابقة وأعضاء لجنة التحكيم ووكالة الأناضول.
كما شكر رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش على رعاية الحفل واستضافته في مقر البرلمان.




















