وتأتي هذه التطورات في سياق توسع الاحتلال العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
إذ احتلت القوات الإسرائيلية مواقع استراتيجية إضافية، أبرزها قمة جبل الشيخ، في تحركات أعادت رسم المشهد الأمني على الحدود الجنوبية، وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن حدود الوجود العسكري الإسرائيلي وأهدافه بعيدة المدى.
وفي مواجهة هذه التحركات، تتمسك دمشق برفض الانتهاكات الإسرائيلية لسيادتها ووحدة أراضيها، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك لوقفها وإلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي والاتفاقات القائمة، مع مواصلة الرهان على المسارات السياسية والدبلوماسية لتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة.
وبين المخاوف المحلية من التضييق على السكان ودفعهم تدريجياً إلى مغادرة أراضيهم، والتفسيرات المتباينة للدوافع الإسرائيلية، يسلط هذا التقرير الضوء على أبعاد التصعيد في الجنوب السوري، وما إذا كانت تل أبيب تسعى إلى تكريس منطقة نفوذ أمني دائمة، أم توظيف الضغط العسكري لانتزاع مكاسب تفاوضية من دمشق، فضلاً عن دور الحسابات السياسية الداخلية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل المنطقة في ظل استمرار التوتر.
حسابات نتنياهو والتحولات الأمنية
يرى خالد خليل، الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية، في حديثه لـTRT عربي، أن تصاعد التوغلات العسكرية بعد سقوط نظام الأسد يرتبط بفقدان إسرائيل حالة الاستقرار النسبي التي وفرتها قواعد الاشتباك المعروفة على الحدود السورية طوال العقود الماضية.
ويوضح أن الجبهة السورية كانت من أكثر الجبهات هدوءاً، وأن النظام السابق حافظ على قواعد اشتباك مضبوطة، حتى إن بعض التوصيفات الإعلامية كانت تشير إلى دوره بوصفه "شرطي الحدود"، الأمر الذي جعل سقوطه يمثل تحولاً في البيئة الأمنية التي اعتادت عليها إسرائيل.
ويشير خليل إلى أن السياسة الإسرائيلية الحالية لا يمكن فصلها عن التحولات التي طرأت على العقيدة الأمنية بعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما رافقها من تآكل صورة الردع، إذ اتجهت تل أبيب نحو إنشاء أحزمة أمنية ونقل المواجهات المحتملة إلى أراضي الخصوم، في إطار ما تسميه منع تكرار هجمات السابع من أكتوبر.
ورقة ضغط على دمشق
وعن احتمالات استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، يستبعد خليل أن يكون الانتشار الحالي دائماً بالضرورة، معتبراً أن الهدف الأساسي يتمثل في استغلال المرحلة الانتقالية السورية لفرض شروط تفاوضية جديدة.
ويوضح أن لدى دمشق وتل أبيب ملفات استراتيجية معلقة، وأن إسرائيل تسعى إلى استخدام وجودها العسكري للحصول على مكاسب في المفاوضات، والاحتفاظ بأوراق ضغط يمكن توظيفها في أي تسوية إقليمية مستقبلية.
ويشير إلى أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل للتحالفات وموازين القوى، بالتزامن مع ظهور ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة، ما يدفع الأطراف الإقليمية إلى محاولة تعزيز مواقعها.
ويرى أن عودة سوريا إلى محيطها الإقليمي والدولي، وتنامي علاقاتها مع واشنطن، يشكلان عاملين يحدان من قدرة نتنياهو على فرض شروطه، وخصوصاً في ظل الاهتمام الأمريكي باستقرار دمشق ومنع اتساع المواجهات.
كما يشير إلى أن سوريا أصبحت تُطرح بوصفها طرفاً محتملاً في ترتيبات أمنية واقتصادية إقليمية، بما فيها مشاريع النقل وممرات الطاقة، وهو ما يضيف بعداً جيوسياسياً جديداً إلى الحسابات الإسرائيلية.
ويؤكد أن تحقيق المصالح الأمنية يمكن أن يجري من خلال تفاهمات متبادلة بدلاً من التوغلات العسكرية، مشيراً إلى تصريحات أمريكية وإسرائيلية تحدثت عن تقدم في مناقشة ترتيبات أمنية بين الجانبين.
لكنه يستبعد التوصل إلى اتفاق خلال الأجواء الانتخابية الحالية، معتبراً أن نتنياهو يفضل استمرار التوتر لأنه بات يعتمد الحرب إحدى أهم أدواته السياسية.
دمشق تراهن على الدبلوماسية
وفي تقييمه لاستراتيجية دمشق، يرى خليل أن الحكومة السورية تواجه معضلة أمنية مركبة، نتيجة استمرار الاعتداءات خلال مرحلة تتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة وتثبيت الاستقرار الداخلي.
ويوضح أن دمشق وجهت منذ الأيام الأولى لسقوط النظام السابق رسائل طمأنة إلى دول الجوار، وأكدت عدم رغبتها في الدخول في صراعات إقليمية، مع إعطاء الأولوية لإعادة بناء الداخل السوري.
ويشير إلى أن الحكومة اختارت المقاربة الدبلوماسية بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، وعملت على توسيع شبكة علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية، بما أتاح لها حشد مواقف داعمة لسيادتها ووحدة أراضيها.
ويعتبر خليل أن دمشق استطاعت نقل جانب مهم من المواجهة مع إسرائيل، من الميدان العسكري إلى ساحة الشرعية الدولية، مستفيدة من قرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار 497 الذي يعتبر فرض القوانين والإدارة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل باطلاً وملغياً.
كما يشير إلى أهمية المواقف الحقوقية الدولية التي انتقدت الاعتداءات على الأراضي السورية، وإلى المظاهرات الشعبية التي شهدتها مناطق عدة تضامناً مع أهالي القنيطرة ودرعا، معتبراً أن الرفض الشعبي يمثل عاملاً إضافياً في الحسابات الأمنية والسياسية.
ويؤكد أن دمشق تدرك طبيعة الدوافع السياسية التي تحرك حكومة نتنياهو، ولذلك تعتمد ضبط النفس لتجنب الاستجابة لاستفزازات قد توفر ذريعة لتوسيع المواجهة، مع مواصلة استخدام المفاوضات والعلاقات الدولية للضغط من أجل وقف الاعتداءات.
ويخلص خليل إلى أن نجاح المسار الدبلوماسي يبقى مرتبطاً بتطور الظروف السياسية داخل إسرائيل والضغوط الأمريكية والإقليمية، معتبراً أن الوصول إلى اتفاق مستقر سيكون صعباً ما دامت حكومة نتنياهو تستخدم التصعيد العسكري أداة لتحقيق أهدافها السياسية.
مخاوف من تغيير ديموغرافي
من جانبه، يرى المحلل السياسي باسل معراوي، أن التوغلات العسكرية في الجنوب السوري لا يمكن فصلها عن تحول أوسع في طريقة إدارة إسرائيل للأراضي التي تحتلها، يقوم على تقليص الاحتكاك بالسكان المحليين والسعي إلى الاحتفاظ بالسيطرة على الأرض من دون تحمل أعباء إدارة المجتمعات الموجودة فيها.
ويعيد معراوي في حديثه لـTRT عربي، جذور هذه المقاربة إلى عام 2000، عندما انسحبت «إسرائيل» من جنوب لبنان خلال حكومة إيهود باراك، بعدما وصلت، وفق تحليله، إلى قناعة بصعوبة بناء علاقات مستقرة مع السكان المحليين في الأراضي المحتلة.
ويشير إلى أن هذا التوجه تكرر عام 2005، عندما سحب رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون القوات والمستوطنين من قطاع غزة، بينما استمرت «إسرائيل» في توسيع المستوطنات بالضفة الغربية، والاعتماد على السلطة الفلسطينية في إدارة الشؤون المدنية بالمناطق المأهولة.
ويعتبر أن هذه التطورات تعكس سعياً إلى الاحتفاظ بالأرض مع تقليص الأعباء المرتبطة بالسكان، وهو توجه أصبح أكثر وضوحاً بعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويوضح أن الحرب على قطاع غزة وما رافقها من تدمير واسع للبنية التحتية ومقومات الحياة، إلى جانب العمليات العسكرية في جنوب لبنان، تعكس، وفق قراءته، سياسة تؤدي إلى إضعاف قدرة السكان على البقاء في مناطقهم أو العودة إليها.
ويرى أن هذه المقاربة تُطبق حالياً في المنطقة العازلة ومحيطها جنوبي سوريا، من خلال التضييق على السكان وتجريف الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار وتقييد وصول المزارعين والرعاة إلى مصادر رزقهم.
ويضيف أن احتجاز بعض المزارعين والرعاة ثم الإفراج عنهم يساهم في نشر الخوف بين السكان ودفعهم إلى تجنب الاقتراب من أراضيهم، ما يهدد استمرار النشاط الزراعي والرعوي الذي تعتمد عليه المجتمعات المحلية.
ويعتبر معراوي أن إزالة الأشجار وتجريف الأراضي المحيطة بالمواقع العسكرية يهدفان أيضاً إلى إنشاء مساحات مكشوفة، تقل فيها المباني والمواقع التي يمكن استخدامها مستقبلاً لتنفيذ عمليات ضد القوات «الإسرائيلية».
ويؤكد أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى تغيير ديموغرافي تدريجي، حتى في غياب قرارات تهجير معلنة، نتيجة تراكم الضغوط الأمنية والاقتصادية وفقدان مقومات الحياة.
ويرى أن «إسرائيل» لا تسعى إلى تكرار تجربة الاعتماد على تشكيلات محلية حليفة، كما حدث مع جيش أنطوان لحد في جنوب لبنان، بل تفضل إقامة مناطق قليلة السكان يسهل إخضاعها للرقابة والسيطرة العسكرية، انطلاقاً من مخاوف تكرار هجوم شبيه بالسابع من أكتوبر/تشرين الأول على حدودها الشمالية.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الجنوب السوري
ويطرح معراوي ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الأوضاع في الجنوب السوري، في ظل استمرار التوغلات العسكرية وغياب تسوية أمنية نهائية بين دمشق وتل أبيب.
ويتمثل السيناريو الأول في التوصل إلى اتفاق أمني سوري «إسرائيلي» بعد الانتخابات «الإسرائيلية» وتشكيل حكومة جديدة، بضغط أمريكي يهدف إلى منع استمرار التوتر على الحدود.
ويقول إن المفاوضات قطعت، وفق المعلومات التي يستند إليها، شوطاً كبيراً، مقدّراً أن نحو 90% من الترتيبات المقترحة أُنجزت، لكن الخلافات السياسية والظروف الانتخابية تعرقل الإعلان عن اتفاق نهائي.
ويرى أن واشنطن تمتلك مصلحة مباشرة في منع اندلاع توتر جديد بين سوريا و«إسرائيل»، وخصوصاً في ظل انخراطها في ملفات إقليمية مرتبطة بإيران، ورغبتها في تجنب صدام بين أطراف ترتبط معها بعلاقات وثيقة، وفي مقدمتها سوريا وتركيا و«إسرائيل».
أما السيناريو الثاني، فيرتبط باستمرار حكومة نتنياهو في السلطة واحتفاظها بنهجها الحالي، ما قد يدفع دمشق إلى مواصلة تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، مع تعزيز صمود المجتمعات المحلية المتضررة من التوغلات.
ويعتبر معراوي أن دعم السكان ومساعدتهم على البقاء في قراهم وأراضيهم يمثل عاملاً أساسياً في مواجهة الضغوط التي قد تؤدي إلى النزوح، مشيراً إلى احتمال ظهور أشكال من المقاومة المحلية للاحتلال، بما يزيد تكلفة استمرار التوغلات.
ويؤكد أن أي تحرك محلي يجب النظر إليه في إطار حقوق السكان والقانون الدولي، معتبراً أن «إسرائيل» لا ينبغي أن تستخدمه ذريعة لتوسيع الحرب على سوريا.
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في خروج التوتر عن السيطرة واندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين سوريا و«إسرائيل»، نتيجة حادث ميداني كبير أو تصعيد متبادل يصعب احتواؤه.
لكن معراوي يستبعد أن تسمح الولايات المتحدة بوصول الأوضاع إلى هذا المستوى، نظراً إلى التداعيات المحتملة لأي مواجهة على مصالحها الإقليمية والاستقرار في المنطقة.




















