لم تعد مخيمات النزوح في قطاع غزة مجرد خيام مؤقتة فرضها النزوح، بل تحولت مع مرور الوقت إلى مجتمعات أعادت تشكيل الحياة الاجتماعية، على أراض وساحات رملية كانت فارغة، نشأت تحت ظلال مخيمات تحمل أسماء جديدة، تدير شؤونها لجان، وتمتد فيها أسواق ونقاط تعليم.
وبينما يتمسك السكان بحقهم في العودة لمناطق سكنهم ما قبل النزوح، تكشف الحياة اليومية داخل هذه المخيمات عن ملامح هوية اجتماعية جديدة تشكلت تحت وطأة النزوح، وهو ما طرح تساؤلاً: كيف أنجبت مخيمات النزوح مجتمعاً غزياً جديداً؟
ولادة مجتمع جديد
على مدخل مخيم أصداء للنازحين جنوب غزة، كان يقف طفل لا يتجاوز سبعة أعوام يلعب مع أصحابه في المخيم، كان من البديهي بعد السؤال عن اسمه وكان محمد، يجيب عن سؤال: أين بيتك؟، لم يتردد في الإجابة والإشارة بسبابته الصغيرة، إلى إحدى الخيم ليقول: هناك بيتنا. بينما تراقبه عيون والدته أمام خيمتها.
تقول هلا أبو دقة (34 عاماً)، وهي نازحة من بلدة بني سهيلا شرقي خان يونس:" محمد كان يقترب من الرابعة من عمره عندما نزحت العائلة في الأسبوع الأول من الحرب، كان يسألني كل ليلة: متى سنعود إلى البيت؟ معتقداً أن غيابنا لن يطول، اليوم اعتاد ويجد الخيمة منزله، ولم يعد يسأل عن العودة".
تضيف لـTRT عربي :" محمد كبر بين الخيام، وبدأ تعليمه في صفوف أُنشئت هنا، كما كوّن أصدقاء جدد لم يكونوا من جيرانه قبل الحرب، حيث كنا نسكن في حي واحد يُعرف بـ(حي الدقات)، مع عائلتنا وأقاربنا وجيراننا أما اليوم فأصبح جيراننا من عائلات وأحياء مختلفة نشأت بيننا علاقات فرضها واقع النزوح ".
وتكمل واجهتنا بداية النزوح عدة تحديات، أبرزها خلافات بسبب اختلاف البيئات التي نزحنا منها، فأهل الشمال لديهم طباع تختلف عن أهل الجنوب، والوسط، لكننا نتشارك أيضاً المناسبات الاجتماعية والدينية ويفتقد بعضنا بعضاً.
تفتقد هلا كأم وامرأة نازحة خصوصيتها التي اعتادتها، إذ لم تعد تملك مساحة تربي فيها أبناءها بالطريقة التي اعتادت عليها، في ظل تلاصق الخيام وتداخل الحياة اليومية بين الأسر، كما تشرح أن محمد ليس حالة استثنائية، بل واحد من جيل كامل أصبح عنوانه اليوم "الخيمة" بدلاً من البيت.
لكنها في الوقت ذاته تشكو من عدم انتظام وصول المساعدات، مؤكدة أن توزيعها "لا يحقق دائماً العدالة والمساواة بين جميع الأسر"، ما يضاعف معاناة النازحين الذين يعتمد كثير منهم عليها لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
بدأ مجتمع مخيمات النازحين بشكل عفوي مع اتساع الحرب وتكرار أوامر الإخلاء، حين اضطر مئات آلاف الفلسطينيين إلى مغادرة منازلهم وتشير تقديرات أممية، وخاصة من وكالة الأونروا، إلى أن نحو 1.9 مليون شخص في غزة-أي ما يقارب 90% من السكان- تعرضوا للنزوح مرة واحدة على الأقل خلال الحرب.
كيف تُدار مخيمات النزوح؟
ومع هذا الامتداد نشأت مبادرات أهلية ولجان محلية لإدارة الشؤون اليومية للمخيمات، وأفرزت وظائف جديدة مثل مندوب المخيم أو عضو لجان بالمخيم وهو ممثل غير رسمي للسكان، يدير المخيم يُختار غالباً بالتوافق أو لثقة الأهالي به، ويتولى التنسيق مع الجهات الإغاثية والبلديات، وتنظيم شؤون المخيم اليومية والمساعدة في حل الخلافات بين السكان، أحياناً يعمل بمفرده وأحياناً ضمن لجنة من المخيم يبلغ عددهم ما بين 5 إلى 6 أفراد وغالباً ما يكون عملهم تطوعياً من دون مقابل لا يجري اختيارهم من جهة حكومة أو من جهة رسمية، بل بشكل عفوي من مجتمع النازحين، وهو ما لم يعتد عليه المجتمع الغزي قبل الحرب.
في هذا السياق يصف أحمد عياد مسؤول مخيم "أصداء 2" للنازحين في مواصي خان يونس جنوبي غزة، "من خيام متناثرة إلى مجتمع كامل" بمعنى أن أي مخيم نشأ بالبداية من خيم كان عددها 3 أو 4 بشكل عشوائي ثم مع زيادة أوامر جيش الاحتلال بالنزوح تحولت مع مرور الوقت إلى مجتمعات كاملة يعيش فيها الناس تفاصيل حياتهم اليومية بكل ما تحمله من تحديات ومحاولات للتأقلم.
والجدير بالذكر وفق ما يوضحه عياد لـTRT عربي أن الخيم الموجودة حالياً تأسست بشكل عشوائي بصورة عشوائية في أراضٍ مفتوحة تتبع لعائلات فتح أصحابها أسوارها أمام النازحين مجاناً منذ بداية الحرب، وبعضها على أراض حكومية تتبع لموظفين من الحكومة في غزة، هذه أيضاً يقيم عليها النازحون بالمجان، وبعض الأراضي جرى تأجيرها للنازحين حسب المساحة.
فعلى سبيل المثال، إذا عائلة واحدة تريد أن تقيم في خيمة يجري تأجيرها وفق مساحة حدود الخيمة بمتوسط 600 شيكل شهرياً، بينما نشأت مخيمات أخرى فوق أراضٍ تملكها عائلات كبيرة بغزة نزح إليها أصحابها، ويمنعون أي عائلة من دون الأقارب النزوح إليها، وعادة ما يسمى المخيم باسم هذه العائلة وتكون اللجان المسؤولة عن إدارة المخيم من العائلة أيضاً، وهي لا زالت تتحفظ بالتركيبة الاجتماعية القديمة لها قبل الحرب، على عكس سكان نزحوا شمال القطاع ووسطه إلى جنوبه والعكس أيضاً ما خلق للمرة الأولى حالة تعايش يومي بين جماعات لم تكن تجمعها علاقات سابقة.
ويوضح عياد كيف جرى اختياره مندوباً للمخيم، "عندما جئت إلى هذه المنطقة بعد اجتياح مدينة حمد بخان يونس من خيم النازحين والعائلات موجودة، نصبت خيمتي أولاً، ثم بدأت أتعرف إلى المكان وأتواصل مع المؤسسات الإغاثية، ومع وصول مزيد من النازحين توليت مسؤولية التنسيق وإدارة شؤون المخيم بتفويض من السكان".
ويضيف: لم يعد المخيم مجرد مساحة للنوم أو الاحتماء، بل تحوّل تدريجياً إلى وحدة اجتماعية متكاملة، فمع استمرار الحرب والنزوح لأكثر من 3 سنوات وتراجع فرص العودة، أخذ السكان يعيدون إنتاج تفاصيل حياتهم اليومية، فظهرت نقاط تعليمية داخل الخيام، ومشاريع صغيرة، وأنشئت عيادات وصيدليات صغيرة لخدمة السكان، بعضها أقامه أطباء أو صيادلة نازحون فقدوا أماكن عملهم خلال الحرب، ومساجد صغيرة يتعلم فيها الأطفال والنساء قراءة القرآن، تجري جلسات سرد، ويتعلم فيها الأطفال سلوكيات تتناسب مع التربية الإسلامية وبالتحديد الجيل الجديد الذي نشأ في الخيم، وهي وظائف كانت تؤديها سابقاً مؤسسات المدينة وأحياؤها.
هوية جديدة... وانتماءات
ويرى الباحث الاجتماعي طلال أبو ركبة في حديثه مع TRT عربي أن مخيمات النزوح في قطاع غزة لم تُنتج مجرد تغيير طارئ في أنماط السكن، بل أسهمت في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية نفسها تحت ضغط الحرب واستراتيجيات "تحريك السكان"، ما أدى إلى نشوء أنماط جديدة من العلاقات والهويات المرتبطة بالمكان المؤقت بدل الروابط الاجتماعية التقليدية.
فعلى الجانب الآخر من مخيمات غزة، تحديداً في منطقة دير البلح الذي يحمل اسم "مخيم الصمود" قرر النازح فادي المدهون 27 عاماً، القادم من شمال قطاع غزة، أن يفتتح صيدلية بسيطة داخل خيمة صغيرة، بعد أن مُنع من العودة إلى منطقته الواقعة داخل "الخط الأصفر"، يحاول فادي أن يوفّر ما يمكن من الأدوية للنازحين الذين يشبهونه في رحلة النزوح الطويلة.
يقول فادي لـTRT عربي: "الصيدلية لم تكن مشروعاً تجارياً بقدر ما كانت محاولة للثبات في مكان لا يشبه الاستقرار، تشكل مصدر دخل لي، وأيضاً نشأت من الحاجة إلى حاجة النازحين للعلاج في المخيمات المكتظة، الكثير يطلبون منه مسكنات، وأطفال يعانون من أمراض موسمية بسبب الأوضاع المزرية بالمخيمات وانتشار الأوبئة، النساء الحوامل، والجرحى، ومع مرور الوقت أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المخيم، فنحن اعتدنا سابقاً قبل الحرب في كل حي سكني تقريباً توجد صيدلية، وطالما المخيمات تحولت لتجمعات سكنية يلزم في كل مخيم صيدلية، كما يلزم بقالية وغيرها من متطلبات الحياة اليومية".
ومن يتجول في عدد من مخيمات النزوح، يجد أن الروابط داخل المخيم تقوم فقط على صلة القرابة أو الانتماء إلى الحي الأصلي، بل على تجربة النزوح المشتركة.
فالعائلات التي لم تجمعها معرفة سابقة أصبحت تتقاسم الماء والطعام، وتتبادل رعاية الأطفال، وتلجأ إلى لجنة المخيم لحل خلافاتها.
ومع مرور الوقت، بدأت أسماء المخيمات تتحول إلى علامات تعريف يومية، في مؤشر على تشكل انتماء مؤقت فرضته الحرب، حتى وإن ظل السكان يتمسكون بحقهم في العودة إلى بيوتهم الأصلية، إذ يلاحظ أن النازحين لم يعد كثير يشيرون إلى مكان إقامتهم الحالي بوصفه "الخيمة"، بل أصبح يحمل هوية اجتماعية وجغرافية مثل مخيم أصداء الذي ذكر بالبداية لأنه أقيم في مدينة أصداء الترفيهية والتي كانت قبل الحرب، وأسماء أخرى مثل مخيم غصن الزيتون، ومخيم البركة، ومخيم فلسطين ومخيم غزة وغيرها من الأسماء.
كما أن بعض المخيمات تسمى بأسماء بعض العوائل الفلسطينية، لأنه يتبع عوائل نزحوا وسكنوا المخيم وهم من العائلة نفسها الممتدة الواحدة مثل مخيم شجاعية نسبة لنازحين من الشجاعية شرقي غزة، مخيم دقات نسبة لمخيم آل أبو دقة بخان يونس، ومخيم عودة نسبة إلى آل عودة من بيت حانون كما لو أنه حي جديد.
وبالعودة إلى الباحث أبو ركبة يشير إلى أن المجتمع الغزي، الذي يتكوّن جزء كبير منه من لاجئين منذ عام 1948، دخل مع الحرب مرحلة تفكك في البنية الأسرية والمكانية، إذ باتت العائلات مشتتة داخل مخيمات عشوائية جمعت بين نازحين من الشمال والجنوب، وفي بعض الحالات أعادت عائلات تشكيل تجمعات تحمل أسماءها، ما أفرز تفاوتاً في النفوذ الاجتماعي وأشكالاً جديدة من السيطرة داخل المخيمات.
ويؤكد أبو ركبة أن الحياة داخل المخيمات تحولت إلى "صراع بقاء "يومي، انعكس على المنظومة القيمية والسلوكية، في ظل فقدان الموارد الأساسية وتراجع الاستقرار، ومع غياب المؤسسات الضابطة وضعف الرقابة الاجتماعية، أدى إلى إعادة إنتاج علاقات اجتماعية قائمة على الضرورة أكثر من الثقة أو الاستمرارية، وفتح المجال أمام مظاهر مرتبطة بندرة الموارد وانهيار شروط الحياة الطبيعية.
ويلفت إلى أن النساء كنّ من أكثر الفئات تأثراً بهذه التحولات، سواء عبر الاستهداف المباشر خلال الحرب أم عبر الظروف المعيشية القاسية التي ساهمت في ظهور أنماط من العنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافة إلى ما يسميه "اقتصاد المساعدات" الذي أفرز سلوكيات مرتبطة بالنجاة مثل الاستغلال والتحايل في ظل شح الموارد.
مشاريع من العدم
كما فرضت ظروف انعدام الخصوصية واقعاً جديداً على المجتمع الغزي المعروف عنه بالقبلي تحديداً في خصوصية المرأة، إذ تضطر كثيرات إلى ارتداء الحجاب والملابس الكاملة طوال اليوم وحتى داخل الخيام، ما يقيّد حركتهن ويزيد من أعبائهن الصحية، وخاصة في ظل صعوبة الحفاظ على النظافة الشخصية وانتشار الأمراض الجلدية.
ورغم ذلك، يشير إلى أن المجتمع لم يفقد كلياً عناصر التضامن، إذ ما زالت بقايا من قيم التكافل حاضرة، لكنها تعمل اليوم داخل بيئة مضغوطة وغير مستقرة.
ومع تحوّل مئات مواقع النزوح إلى تجمعات سكانية تضم، وفق أحدث تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، نحو 1600 موقع يؤوي قرابة 1.7 مليون نازح، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية تشكل هذا المجتمع الجديد، بل امتد إلى كيفية إدارة حياته اليومية.
فمن أين يحصل سكان هذه المخيمات على المياه والخدمات الأساسية؟ ومن يتولى إيصالها إلى تجمعات نشأت بصورة عفوية وفي ظل انهيار واسع للبنية التحتية؟
التكيف من أجل البقاء
في هذا السياق يقول الناطق باسم بلدية غزة حسني مهنا، إن الحرب لم تغيّر طبيعة المدينة فقط، بل غيّرت جذرياً طريقة إدارتها، بعدما تحولت من أحياء سكنية مستقرة إلى فضاء واسع يضم مئات مخيمات النزوح.
ويضيف مهنا أن البلدية انتقلت من إدارة مدينة تقليدية إلى إدارة "مدينة من الخيام"، تعمل في ظروف طوارئ إنسانية خانقة، إذ تتركز الأولويات على الحد الأدنى من الخدمات: المياه، النظافة، الصرف الصحي، وفتح الطرق، في ظل إمكانيات محدودة وحصار مستمر.
ويؤكد أن أزمة المياه تمثل التحدي الأكبر، مع عجز يصل إلى 70%، إذ لا يتجاوز الإنتاج اليومي 30 ألف متر مكعب مقابل احتياج يقارب 100 ألف. وتلجأ البلدية إلى ضخ المياه عبر الشبكات العاملة، وتسيير صهاريج إلى المخيمات، وإعطاء الأولوية للتجمعات الأكثر اكتظاظاً، إلى جانب التنسيق مع المؤسسات الإنسانية لتوفير الوقود وتشغيل الآبار. لكن تدمير نحو 85% من الآبار، ونقص الوقود وقطع الغيار، يجعل الاستجابة أقل بكثير من الحاجة الفعلية.
وفي جانب البنية التحتية، يشير مهنا إلى أن المخيمات نشأت من دون تخطيط، ما جعل إدارة المخاطر البيئية تحدياً يومياً، يشمل جمع النفايات، متابعة الحفر الامتصاصية، شفط المياه العادمة، مكافحة الحشرات، وفتح الطرق لفرق الإسعاف، وسط نقص حاد في المعدات والوقود.
أما في ملف الصرف الصحي، فيوضح أن توفير الحمامات المتنقلة يعتمد على تدخل المؤسسات الدولية، فيما يضطر كثير من النازحين لاستخدام حلول بديلة ترفع المخاطر الصحية، وخاصة مع الاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة.
ويبيّن أن أزمة النفايات تتفاقم مع تراكم أكثر من 380 ألف متر مكعب، وتدمير 135 آلية، ووجود ملايين الأطنان من الركام، ويختم بالتأكيد أن بلدية غزة باتت تدير فعلياً مدينة كاملة من الخيام، في ظل انهيار واسع للبنية التحتية، وعجز مائي كبير، وتضاعف أعداد السكان، ما يجعل الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات مهمة يومية مفتوحة على ضغط مستمر.
وبينما لا يزال سكان غزة يرون في مخيمات النزوح محطات انتظار لا بديلاً عن بيوتهم، تكشف تفاصيل الحياة داخلها عن مجتمع فرضته الحرب، أعاد تشكيل العلاقات والهوية وأنماط العيش. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنتهي هذه التحولات بانتهاء الحرب، أم إنها ستترك أثراً دائماً في البنية الاجتماعية للقطاع؟





















