كندا وتركيا.. تحوُّط القوى المتوسطة في عالم تتآكل ضماناته
تركيا
6 دقيقة قراءة
كندا وتركيا.. تحوُّط القوى المتوسطة في عالم تتآكل ضماناتهتركيا وكندا لديهما توجهات مختلفة تجاه عدة قضايا ولكن التقارب رغم إدراك الخلاف يدل على نضج حقيقي، فمنع التصورات المختلفة من تعطيل التعاون في كل الملفات هي إشارة نضج وهي ميزة تتميز بها القوى المتوسطة أكثر من القوى الكبرى في الأغلب.
توقيع 3 اتفاقيات بين تركيا وكندا بحضور أردوغان وكارني

في إطار إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي استقبل لأول مرة في إطار اجتماع ثنائي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إطلاق شراكة استراتجية بين تركيا وكندا، تشمل توسيع آفاق العلاقات بين البلدين في كل المجالات، ولا سيما في الشق الاقتصادي والاستثماري، يمكننا الحديث عن تقارب بين قوتين متوسطتين تريدان توسيع هامش المبادرة في بيئة دولية مضطربة، مع أن هذا لا يعني الجفاء مع التحالفات الغربية الأخرى بما فيها العلاقة مع الولايات المتحدة نفسها.

قد تكون عبارة "في عالم متغير" لم تعد تصف عمق الاضطراب الذي يعيشه النظام الدولي في ظل تراجع القابلية للتنبؤ بسلوك القوى الكبرى وحتى الصغرى، ولكن هي عبارة تظل صحيحة في وصف أي نظام في ظل الخلل الذي يصاحب بنية النظام الدولي وعملية التدافع والصراع المستمرة، ولكن عندما نرى كيف تستخدم الولايات المتحدة قوتها في التعامل مع حلفائها كما يشير الأكاديمي الخبير بالنظام الدولي ستيفن والت، فإن الأمر لا يعود تغييراً في موازين القوى بقدر ما هو اضطراب في القواعد والضمانات التي تعتمد عليها الدول الأخرى، وتصبح المشكلة ليس في تراجع قوة الولايات المتحدة كمهيمن على النظام، بل في طريقة استخدامها لها أيضاً.

وفي هذا السياق تبرز كندا كمثال قريب لتغيير علاقة الولايات المتحدة مع القوى المتوسطة القريبة منها تاريخياً، فبالرغم من تحالفها مع الولايات المتحدة إلا أن الأخيرة غيرت تعاملها مع كندا فأصبحت بعض الروابط الأمريكية-الكندية التي كانت كندا تعتبرها مصدراً للاستقرار وللتهديد مثل الوصول للسوق الأمريكية واتفاقية التجارة والشراكة الأمنية، وأصبحت هذه القضايا موضع ضغط وابتزاز من واشنطن وهنا يعتبر تراجع الموثوقية بالولايات المتحدة دافعاً مهماً لقوة متوسطة مثل كندا للبحث عبر خيارات سياستها الخارجية الأخرى.

وفي هذا السياق وفي أكتوبر/تشرين الأول 2026 أكد بنك كندا أن الولايات المتحدة فرضت رسوماً بنسبة 50% على مجموعة من المنتجات الكندية بصرف النظر عن الاتفاقيات السابقة، وبالتالي ارتفع متوسط معدل الرسوم الأمريكية على الواردات من كندا من 0.1% قبل 2025 إلى 7.5% بعد أكتوبر/تشرين الأول 2026. 

لا يعني هذا انهيار التجارة الحرة بالكامل ولكن قابلية التعويل على الولايات المتحدة كوجهة أصبحت موضع دراسة وتشكك، كما أن نوعية القطاعات التي فرضت عليها الرسوم، مثل الحديد والصلب والسيارات تشير إلى أن الشراكة الأمنية الوثيقة بين كندا والولايات المتحدة لم تعد كافية لتحصين القطاعات الاقتصادية الكندية الحيوية، والأهم أن الاجراءات الأمريكية تبرر بأنها لحماية الأمن القومي الأمريكي.

وإذا كان البعض يرى أن الأمر لا يعدو كونه محاولة استفادة أمريكية من عملية التجارة بين البلدين ليميل الميزان لمصلحتها، فإن هذا التفكير يصبح غير دقيق عندما نستحضر ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بأنه يريد جعل كندا الولاية الأمريكية الحادية والخمسين.

 ومرة أخرى لا نتحدث عن خطة ضم أمريكية لكندا كما تسعى إسرائيل لضم الضفة الغربية، ولكن يمكن الحديث عن انهيار فكرة احترام السيادة الكندية في الخطاب السياسي الأمريكي على الأقل، ما يؤكد ما ذكر في البداية عند اضطراب القواعد التي تحمي العلاقة بين الأطراف وعدم اليقين حول الخطوات القادمة.

لم تكتف كندا بإدانة الإجراءات والتصريحات الأمريكية ولكنها حددت اتجاهات استجابة هي تقوية السوق الكندية الداخلية، وزيادة الإنفاق والقدرة العسكرية وتعميق العلاقات مع الشركاء الأوروبيين، وقد تعهد رئيس وزراء كندا كارني بمضاعفة الصادرات الكندية إلى الأسواق خارج الولايات المتحدة خلال عقد، ولا يتعلق الأمر بنظرة تجارية فحسب، بل بالعمل على الحد من انكشاف استراتيجي.

الانفتاح على تركيا

ولما سبق فإن الانفتاح على تركيا يخدم الأهداف الكندية لتقليل الانكشاف أمام الولايات المتحدة ولو جزئياً، إذ لا يتوقع أن يجري ذلك مع تركيا، فتركيا تعتبر في المجال الأوروبي وتساهم في هدف تنويع التجارة والطاقة والتعاون الصناعي الدفاعي الكندي، إذ يمكن أن تحصل الشركات الكندية على عقود في تركيا، ويمكن لمجالات تتخصص فيها كندا مثل تقنية كاندو وهي مفاعلات تعتمد على الماء الثقيل وسيطاً واليورانيوم الطبيعي وقوداً بدلاً من اليورانيوم المخصب، وتحتاج تركيا لمثل هذا النوع من المفاعلات لدعم إنتاج الطاقة لديها وتنويع شراكاتها النووية.

يبدو ملف الصناعات الدفاعية واحداً من الملفات المهمة، ففي ظل الزيارة التاريخية والثنائية لأول مرة لرئيس وزراء كندي إلى تركيا، فقد جرى الترحيب بمذكرة تفهم للشراكات في القطاع الدفاعي، وتتيح هذه الشراكة لكندا توسيع خياراتها وترجمة الإنفاق الدفاعي إلى قدرة فعلية. 

وفق المنظور الغربي القديم للأمن، قد لا تحتاج كندا للعمل مع تركيا لتقوية شراكاتها الأوروبية، ولكن الاضطراب الذي تحدثنا عنه في بداية المقال وعبور الصراعات للحدود، فالأمن الأوروبي والأمن الغربي لا يقتصران على دول ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، فتركيا حاضرة اليوم في ملفات كثيرة، منها ملفات البحر الأسود وشرق المتوسط والقضية الفلسطينية وسوريا والحرب الإيرانية-الأمريكية، وقضايا الطاقة والممرات البرية والبحرية، فضلاً عن قضايا الصناعات الدفاعية، كما أن الشراكة بين شركاء الناتو يمكن أن تتطور في المجال الثنائي، ولا تكتفي بالتنسيق والتعاون داخل الناتو الذي قد يكون مقيداً.

كندا وتركيا قوتان متوسطتان

لا تقف قيمة الشراكة بين قوتين متوسطتين، لأنهما قوتان متوسطتان في ظل مسؤولية أمام تقلبات النظام الدولي فحسب، بل في بناء تكامل يوسع خياراتهما معاً، ولذلك هناك مسارات عملية يجري المضي فيها في التجارة والاستثمار والصناعات الدفاعية والطاقة.

والأهم من ذلك أن هذا التعاون ليس مغلقاً، فهو ينفتح على شراكات أخرى لكل واحدة منهما، فمثلاً عندما يكون لدى تركيا شراكات مع دول متوسطة أخرى، ويكون لدى كندا على سبيل المثال علاقات مع أستراليا وغيرها، فيمكن الذهاب نحو توسيع شراكة القوى المتوسطة عبر القدرات المشتركة وليس عبر القيم المشتركة فحسب.

لقد كان أحد التعريفات في حقل العلاقات الدولية عن القوى المتوسطة أنها قوى ملتزمة قيم النظام، وتمثل مواطناً صالحاً في النظام، ولكن اليوم يعاد هذا التعريف الذي يمكن الجدل حوله، لأنه يفترض الاستقرار، بينما طبيعة النظام طبيعة فوضوية تعتمد على القوة، وتحاول هذه القوى المتوسطة أن تتبادل أدوات بناء القوة في مختلف المجالات، وليس في المجال الدبلوماسي فحسب.

كما بقية العلاقات المتطورة بين أي طرفين في النظام الدولي، ستخضع العلاقات التركية-الكندية للاختبار في تحويل التفاهمات الأولية إلى انخراط عملي وستخضع للاختبار العملي عند أقرب أزمة، وإن كتب لهذه العلاقة النجاح فهي ستخدم الطرفين وستعمل على تنويع داخل المعسكر الغربي، ولا تمهد لتحول أو اصطفاف سياسي جديد، بل ستخدم استقلالية القرار وإمكانية تحويل هذه الشراكة في العمل الدبلوماسي إلى نفوذ، وعلى سبيل المثال يمكن الاستفادة من التطور الإيجابي في موقف كندا تجاه القضية الفلسطينية، التي اعترفت في سبتمبر/أيلول 2025 بدولة فلسطين، ثم وسعت هذا العام عقوباتها على المستوطنين في فرض ضغوط أكبر على دولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ تدعو تركيا لمزيد من الضغوط على اسرائيل لتحقيق الاستقرار، وقد تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن أهمية هذه الضغوط في خطاباته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقبل ذلك في قمة الناتو التي استضافتها أنقرة.

كل ما سبق لا يلغي الخلاف بين قوتين متوسطتين متقاربتين، فتركيا وكندا لديهما توجهات مختلفة تجاه عدة قضايا، ولكن التقارب رغم إدراك الخلاف يدل على نضج حقيقي، فمنع التصورات المختلفة من تعطيل التعاون في كل الملفات هي إشارة نضج وهي ميزة تتميز بها القوى المتوسطة أكثر من القوى الكبرى في الأغلب. 

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
الحرس الثوري الإيراني: اشتعال 3 ناقلات نفط إثر اصطدامها بألغام بحرية جنوبي "هرمز"
كوريا الشمالية تطلق نحو 12 صاروخاً باليستياً باتجاه البحر قبالة ساحلها الشرقي
من سجال في الأمم المتحدة إلى الطرد.. تصعيد جديد في العلاقات الأمريكية-الكوبية
واشنطن تطلب من حلفائها الاستعداد لجولة جديدة من المواجهة مع إيران
القائمة العربية المشتركة: شعبنا رد بالصناديق على حكومة السفاحين
غزة تحت القصف الإسرائيلي.. 5 شهداء و38 مصاباً في هجمات متواصلة رغم وقف إطلاق النار
اليمن.. إصابة مدنيين وأضرار بمطار عدن جراء استهدافه بصاروخين حوثيين
فيدان يعزي نظيره الإسباني في ضحايا تصادم قطارين قرب طليطلة
الرئيس أردوغان يعزي إسبانيا بضحايا حادث تصادم قطارين
دوران: قمة أنقرة تعزز التعاون لتحقيق الأهداف المستقبلية للعالم التركي
"ملتزمةَ تعزيز التنسيق العسكري".. تركيا وبلغاريا ورومانيا تدين الهجمات على السفن في البحر الأسود
نتائج أولية.. 54 مقعداً لمعسكر نتنياهو مقابل 49 للمعارضة بانتخابات إسرائيل
"أخطر حالة طوارئ".. الأمم المتحدة تؤكد أن 33.7 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة في السودان
تركيا تعرض اتفاقاً بحرياً على مصر وترحب بتعزيز سلطة بغداد في سنجار
وسط تأكيد تل أبيب.. صربيا: الهجوم قرب سفارة إسرائيل في بلغراد إرهابي.. ومقتل المنفذ