من التطبيقات إلى الأسلحة.. كيف تدفع "بالانتير" نحو عسكرة التكنولوجيا؟
سياسة
8 دقيقة قراءة
من التطبيقات إلى الأسلحة.. كيف تدفع "بالانتير" نحو عسكرة التكنولوجيا؟أعادت شركة التكنولوجيا الأمريكية "بالانتير تكنولوجيز" نشر 22 نقطة وصفتها بـ"مانيفستو" خاص بها، مستمَدّة من كتاب "الجمهورية التكنولوجية: القوة الصلبة، والإيمان الناعم، ومستقبل الغرب" لمؤلّفَيه ألكسندر سي كارب ونيكولاس دبليو زاميسكا.
أثارت شركة التكنولوجيا الأمريكية بالانتير جدلاً واسعاً بعد نشرها "مانيفستو" يشيد بفوائد القوة الأمريكية / Reuters

وألكسندر سي كارب، هو المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة Palantir Technologies، أما نيكولاس زاميسكا، فيتولى مسؤولية الشؤون المؤسسية والمستشار القانوني لمكتب الرئيس التنفيذي في الشركة، وعضو مجلس إدارة مؤسسة الشركة للسياسات الدفاعية والشؤون الدولية.

وتنطلق هذه النقاط التي شاركتها الشركة من فرضية أساسية مفادها أن وادي السيليكون مدين أخلاقياً للولايات المتحدة التي أفسحت المجال لصعوده، وأن النخبة الهندسية فيه تتحمل مسؤولية مباشرة في الدفاع عن البلاد.

وفي هذا السياق، يدعو الطرح إلى التمرد على ما يُوصف بـ"استبداد التطبيقات"، مع التساؤل حول ما إذا كان جهاز آيفون، رغم تأثيره العميق، قد بات يقيّد الخيال ويحدّ من تصور الإمكانات المستقبلية.

وفي البعد الاقتصادي والاجتماعي، يؤكد المانيفستو أن الخدمات الرقمية المجانية، مثل البريد الإلكتروني، لا تكفي لتبرير ما يصفه بـ"ترف الحضارات"، إذ يُقاس نجاح أي ثقافة أو طبقة حاكمة بقدرتها على تحقيق النمو الاقتصادي وضمان الأمن العام.

أما على الصعيد الاستراتيجي، فيشدد الطرح على أن حدود القوة الناعمة والخطاب الأخلاقي أصبحت واضحة، وأن تفوق المجتمعات الديمقراطية يتطلب امتلاك قوة صلبة، سيكون أساسها في هذا القرن البرمجيات.

وفي هذا الإطار، يطرح مسألة أسلحة الذكاء الصناعي، معتبراً أن السؤال لم يعد حول إمكانية تطويرها، بل حول الجهة التي ستطورها والأهداف التي ستخدمها، في ظل استمرار الخصوم في المضي بهذا الاتجاه دون توقف عند نقاشات أخلاقية مطوّلة.

كما يتناول النص مسألة الخدمة الوطنية بوصفها واجباً عاماً، داعياً إلى إعادة النظر في نموذج الجيش القائم على المتطوعين فقط، وربط خوض الحروب المستقبلية بتقاسم المجتمع بأكمله للمخاطر والتكاليف.

وفي ما يتعلق بدعم القوات المسلحة، يؤكد "المانيفستو" ضرورة تلبية احتياجات الجنود، سواء في ما يخص الأسلحة أو البرمجيات، مع الإبقاء على النقاش العام حول جدوى التدخلات العسكرية الخارجية، بالتوازي مع الالتزام تجاه العسكريين.

وفي الشأن الإداري والسياسي، ينتقد الطرح طريقة تعويض الموظفين العموميين، ويدعو إلى قدر أكبر من التسامح تجاه العاملين في الحياة العامة، محذراً من أن غياب هذه الثقافة قد يؤدي إلى صعود قيادات ضعيفة. كما يحذر من تحويل السياسة إلى أداة لإشباع الاحتياجات النفسية، معتبراً أن ذلك يقود إلى خيبات أمل.

ويشير أيضاً إلى نزعة متزايدة داخل المجتمع للاحتفاء بزوال الخصوم، داعياً إلى التعامل مع هزيمتهم بوصفها لحظة للتأمل لا للاحتفال. وفي بعد استراتيجي أوسع، يتوقع النص نهاية العصر النووي وبداية مرحلة جديدة من الردع قائمة على الذكاء الاصطناعي.

وفي السياق الأمريكي، يرى الطرح أن الولايات المتحدة، رغم نواقصها، وفّرت فرصاً غير مسبوقة خارج إطار النخب الوراثية، وأن نفوذها ساهم في تحقيق فترة سلام طويلة نسبياً، حيث لم يشهد العالم منذ نحو قرن حرباً مباشرة بين قوى عظمى.

كما يدعو إلى إعادة النظر في سياسات إضعاف ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، معتبراً أنها قد تؤثر في توازن القوى في أوروبا وآسيا.

ويتطرق النص إلى دور القطاع الخاص، مشيداً بمحاولات البناء في المجالات التي فشل فيها السوق، ومشيراً إلى أن الاهتمام بالمشاريع الكبرى -كما في حالة إيلون ماسك- يقابل أحياناً بسخرية أو ازدراء.

وفي السياق الداخلي، يدعو إلى دور أكبر لوادي السيليكون في مواجهة الجريمة العنيفة، منتقداً تقاعس بعض السياسيين عن اتخاذ خطوات جادة لمعالجتها.

كما يحذر من أن الانكشاف المفرط للحياة الخاصة للشخصيات العامة يدفع الكفاءات إلى العزوف عن العمل الحكومي، في ظل بيئة سياسية قاسية، مما قد يؤدي إلى بروز قيادات ضعيفة، منتقداً في الوقت ذاته الحذر المفرط في الخطاب العام.

وفي البعد الثقافي، يدعو النص إلى مقاومة التعصب تجاه الدين داخل بعض الأوساط النخبوية، ويطرح جدلاً حول فكرة المساواة المطلقة بين الثقافات، مشيراً إلى أن بعض الثقافات حققت إنجازات بارزة، بينما بقيت أخرى متراجعة أو حتى ضارة.

ويختتم المانيفستو بالدعوة إلى إعادة التفكير في مفهوم التعددية، محذراً من الانزلاق إلى "تعددية فارغة"، ومطرحاً تساؤلاً حول الغاية النهائية من هذا المسار.

ظهور الشركة وتعاونها العسكري

ووفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال"، تتجاوز القيمة السوقية لشركة بالانتير 400 مليار دولار، وهو مستوى يفوق بوضوح قيمة كثير من شركات الصناعات العسكرية التقليدية، على الرغم من أن إيرادات تلك الشركات أكبر بكثير.

فعلى سبيل المثال، تقل القيمة السوقية لشركة "لوكهيد مارتن" بنحو 75% عن بالانتير، رغم أن إيراداتها تزيد عليها بنحو 19 مرة، بحسب بيانات شركة "فاكت ست".

ويعكس هذا التقييم المرتفع التحول الذي طرأ على مكانة بالانتير داخل منظومة الأمن القومي الأمريكي. فالشركة، التي حصلت في بداياتها على دعم من صندوق استثماري أسسته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، باتت تؤدي دوراً متزايد الأهمية في مجالات حساسة تتصل بالأمن والدفاع.

ولا يقتصر حضور الشركة على هذا الجانب، إذ لفتت الأنظار أيضاً من خلال تعاونها مع الجيش الأمريكي وأجهزة الاستخبارات والشرطة وإدارة الهجرة والجمارك، إلى جانب شركات كبرى وحكومات حليفة.

ويحرص مسؤولوها على التأكيد أن الشركة ملتزمة بدعم التفوق العسكري للولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل وأوكرانيا وقوات حليفة أخرى.

وتضيف الصحيفة أن صعود بالانتير، ارتبط بسياق أوسع تشكل خلال سنوات الحرب في أفغانستان والعراق، فبحلول عام 2012، وبعد أكثر من عقد على تلك الحروب، كان مئات الجنود الأمريكيين قد قُتلوا، وأُصيب عدد كبير منهم، بفعل العبوات الناسفة البدائية منخفضة الكلفة المزروعة على جوانب الطرق.

ومع مرور الوقت، تبيّن أن المشكلة لم تكن في المعدات وحدها. فقد كانت الحكومة الأمريكية تملك كماً هائلاً من المعلومات عن طرق تصنيع العبوات الناسفة والمناطق التي تنتشر فيها، لكنها افتقرت إلى نظام قادر على جمع هذه البيانات وربطها وتحليلها في منصة واحدة. وعند هذه النقطة، لجأت وحدة "التجهيز السريع" في الجيش الأمريكي إلى شركة "بالانتير تكنولوجيز".

واستمدت الشركة اسمها من الكرات البلورية غير القابلة للتدمير في رواية "سيد الخواتم" للكاتب جيه. آر. آر. تولكين، وكان هدفها منذ البداية توظيف البيانات الضخمة في مكافحة الإرهاب والتهديدات الأمنية الأخرى. واليوم، تُعد بالانتير واحدة من أنجح شركات البرمجيات في العالم، كما ترتبط بعلاقات وثيقة ومتنامية مع مؤسسات الأمن القومي الأمريكية.

القومية المدنية 

في قراءة تعكس تحولات عميقة داخل قطاع التكنولوجيا الأمريكي، قدّم شايام سانكار، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة بالانتير تكنولوجيز، تصوراً مختلفاً لدور الشركات التقنية في قضايا الأمن القومي، وذلك في حوار مع صحيفة نيويورك تايمز.

وأوضح سانكار أن الشركة تأسست في الأصل ضمن سياق أمني بحت، مشيراً إلى أنها بدأت "كمجموعة صغيرة من المهندسين الذين أرادوا العمل على مشكلات الأمن القومي"، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وهي المرحلة التي شهدت نقاشاً واسعاً داخل الولايات المتحدة حول المفاضلة بين الأمن والخصوصية.

إلا أن مؤسسي الشركة، بحسب قوله، رفضوا هذا الطرح، معتبرين أن الجمع بين الأمرين ممكن عبر تطوير تقنيات قادرة على تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق الفردية.

وفي سياق أوسع، أشار سانكار إلى تحوّل لافت في بنية التفكير داخل وادي السيليكون، حيث كان القطاع، لفترة طويلة، يتبنى مقاربة "ما بعد قومية" تقوم على فكرة خدمة ثقافة عالمية عابرة للحدود، دون ارتباط مباشر بالمصالح الوطنية.

غير أن هذا التوجه، وفق تقديره، بدأ يتراجع، مع صعود موجة جديدة تربط بين التكنولوجيا والدولة، وتعيد الاعتبار لدور الشركات التقنية في دعم القدرات الدفاعية.

ويعكس هذا التحول، بحسب سانكار، اتجاهاً متنامياً لا يقتصر على بالانتير، بل يشمل مئات الشركات الناشئة العاملة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الصناعي، التي باتت تركّز بشكل متزايد على التطبيقات العسكرية والأمنية.

وفي تفسيره لهذا التحول، استعاد سانكار نماذج تاريخية من الاقتصاد الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية وبدايات الحرب الباردة، معتبراً أن التفوق الأمريكي آنذاك لم يكن نتاج "صناعة دفاعية" بالمعنى الضيق، بل نتيجة "قاعدة صناعية شاملة" شاركت فيها شركات مدنية كبرى.

وأشار إلى أن شركات مثل كرايسلر وفورد وجنرال ميلز أسهمت في إنتاج معدات عسكرية إلى جانب نشاطها التجاري، وهو ما يعكس – وفق تعبيره – روح الابتكار التي ميّزت الاقتصاد الأمريكي في تلك المرحلة.

ويخلص سانكار إلى أن إعادة إحياء هذا النموذج، القائم على دمج القدرات الصناعية والتكنولوجية في خدمة الأمن القومي، باتت تمثل أحد المسارات الرئيسية التي يعاد من خلالها تشكيل دور التكنولوجيا في عالم يشهد تصاعداً في التحديات الجيوسياسية.

"سلسلة القتل" 

في شرح يقدّم صورة واضحة لطبيعة عمل شركة بالانتير، أوضح شايام سانكار أن نشاطها لا يقتصر على المجال العسكري، بل يمتد بشكل واسع إلى القطاع التجاري. وأشار إلى أن نحو نصف أعمال الشركة يتمحور حول تطبيقات مدنية تشمل أكثر من 50 قطاعاً، من الطاقة والتعدين إلى الأدوية والتأمين، حيث تركز هذه التطبيقات على تحسين "سلسلة القيمة" عبر دعم عملية اتخاذ القرار من مرحلة المورد وصولاً إلى المستهلك النهائي.

غير أن النموذج ذاته، وفق سانكار، يُعاد توظيفه في المجال العسكري، الذي تمثّل فيه بالانتير أحد أبرز الفاعلين. ففي هذا السياق، تعمل الشركة على ما يُعرف في العقيدة العسكرية بـ"سلسلة القتل"، وهي منظومة متكاملة تهدف إلى تسريع دورة اتخاذ القرار العسكري، بدءاً من جمع المعلومات وصولاً إلى تنفيذ الضربات وتقييم نتائجها.

ويشرح سانكار أن هذه السلسلة تقوم على تسلسل معقد من القرارات، يبدأ بتحديد موقع الهدف اعتماداً على مصادر متعددة، تشمل صور الأقمار الصناعية والمستشعرات الأرضية، بعد ذلك، تُطرح مسألة الأولويات: هل الهدف يشكّل تهديداً حقيقياً؟ وهل يؤدي استهدافه إلى تأثير ملموس في ساحة المعركة؟

وفي حال اتخاذ قرار بالاستهداف، تمر العملية بمراحل قانونية ولوجستية دقيقة، ولا تنتهي العملية عند تنفيذ الضربة، إذ تشمل أيضاً مرحلة تقييم الأضرار، عبر استخدام وسائل استطلاع مثل الطائرات المسيّرة أو الصور الجوية، للتأكد من تحقيق الهدف وإعادة إدخال النتائج في دورة اتخاذ القرار اللاحقة.

وبحسب سانكار، فإن جوهر هذه المنظومة يكمن في القدرة على تسريع هذه الدورة مقارنة بالخصم، إذ إن التفوق في سرعة اتخاذ القرار وتنفيذه يشكل عاملاً حاسماً في حسم المواجهات. وفي المقابل، فإن تحقيق هذه السرعة دون الدخول في القتال الفعلي يوفّر مستوى أعلى من الردع، مما يجعل التكنولوجيا عاملاً مركزياً في معادلة القوة العسكرية الحديثة.


مصدر:TRT عربي - وكالات
اكتشف
وزير النقل السعودي: استكمال الربط السككي مع تركيا عبر الأردن وسوريا قبل نهاية العام
رغم الهدنة.. قتيل وجرحى في لبنان ودمار واسع في خروقات إسرائيلية متواصلة
وزير الدفاع التركي يلتقي الأمين العام للناتو في أنقرة
روما تستدعي سفير موسكو بعد "إهانات إعلامية" لميلوني على التليفزيون الروسي
واشنطن تشدد الحصار البحري على إيران.. وطهران تحتج على احتجاز سفينة
تحركات دولية لإعادة فتح هرمز.. وترمب: إيران تريد بقاءه مفتوحاً لتحقيق مكاسب مالية
زيلينسكي: انضمام تركيا وأوكرانيا سيجعل الاتحاد الأوروبي الأقوى عالمياً
حزب الله يقصف مستوطنة إسرائيلية لأول مرة منذ الهدنة رداً على خروقات الاحتلال
ذهبية تاريخية تضع قايا ألب في صدارة أساطير المصارعة الأوروبية
الدفاع التركية: حادث تحطم لمروحية عسكرية خلال تدريب في أنقرة دون إصابات
ترمب يمدد الهدنة مع إيران.. وطهران: مناورة لكسب الوقت تمهيداً لهجوم مباغت
تركيا تدين بشدة تصاعد قتل الفلسطينيين وأعمال الإرهاب الاستيطاني في الضفة الغربية
الشرع وولي العهد السعودي يبحثان في جدة التعاون الاقتصادي ومشاريع الربط الإقليمي
أردوغان يرحب بموقف نيوزيلندا المبدئي في مكافحة الإسلاموفوبيا
تركيا وزامبيا توقعان بروتوكولاً بشأن البعثات الدبلوماسية واتفاقية لمنع الازدواج الضريبي