وذلك لما تركه من أفكار ومشاريع فكرية لا يمكن تجاوزها في أي دراسة أو نقد أو بحث عن أزمة العقل العربي البنوية وإشكالياته التكوينية سياسية وأخلاقية، قديماً وحديثاً.
فمشروع الجابري الفكري في نقد العقل العربي وقراءة التراث لم ينطلق من فراغ أو ترف فكري أو نزق أيدلوجي في الجدل من أجل الجدل أو النقد للنقد ذاته، و"إنما النقد لتجاوز كل ما هو ميت ومتخشِّب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي"، ومن هنا كانت انطلاقة الجابري بمشروعه الفكري النقدي هذا بنقد العقل العربي لاستكشاف مواطن القصور فيه وتجاوزها وتقويم ما يمكن تقويمه منها.
أثار الجابري جدلاً كبيراً طوال مشواره الفكري في عدد من كتبه التي كان أهمها كتاب "نقد العقل العربي"، برباعيته بنية العقل وتكوينه والعقل السياسي والأخلاقي العربي، هذا المشروع الذي أراد به الجابري أن يكون مشروعاً استكشافياً أولاً، وإصلاحياً ثانياً لمنظومة تفكير العقل العربي، من داخل التراث العربي الإسلامي ذاته الذي كان يرى الجابري أنه لا يمكن إصلاحه إلا من داخل بنيته التراثية نفسها، وبالتالي لا يمكن تجاوزه، أي التراث، لأنه جزء من تكوين هذا العقل وهويته.

لسنا هنا بصدد الحديث عن مشروع الجابري ومقاربات أطروحاته، فقد جرى تناولها بمئات التناولات، من دراسات وأبحاث ورسائل ماجستير ودكتوراه في مختلف الجامعات والكليات حول العالم، بل بصدد عدد من الملاحظات السريعة حول الجابري كظاهرة ومدرسة نقدية بذاتها، بعد عشر سنوات من رحيله عن عالمنا، في ضوء بعض التناولات النقدية لمشروعه.
ففي مقدمة هذه الملاحظات الحديث عن تأثر الجابري بالمدرسة الاستشراقية الغربية والفرنسية تحديداً بقراءة التراث العربي الإسلامي، مما يعني أن هذا التأثير المنهجي هو الذي شكل رؤيته وتصوراته عن التراث الإسلامي ومعالجاته، مما يجعل أطروحات الجابري عن التراث غير منطقية ومرتبكة، لأن أدوات نقده من خارج سياق أدوات التراث العربي الإسلامي ذاته.
ومثل هذه الأطروحة التي روج لها الباحث إبراهيم السكران في كتابه التأويل الحداثي للتراث، الذي تناول فيه أطروحات الجابري بالنقد والتفكيك على حد تعبيره، قائلاً إن الجابري حاول أن يدرس التراث الإسلامي بغير أدواته، وهذه مقولة غير دقيقة مطلقاً، بالنظر إلى الموقف الواضح والإيجابي للجابري من التراث العربي والإسلامي باعتباره جزءاً رئيسياً من هويتنا ولا يمكننا تجاوز حالة الضياع الراهنة بغير إعادة إصلاح منظومة الأفكار العربية الإسلامية من داخلها أي من التراث وبأدواته نفسها.
وأوضح الأمثلة على تهافت مثل هذا الطرح هو رفض الجابري القاطع للفكرة العلمانية في السياق العربي والقول بأن السياق العربي لا تصلح له العلمانية لسبب بسيط وهو أن مسالة الدولة في الحضارة الإسلامية لا يمكن فصلها عن الدين وإنما يمكن تمييزها عنه، وبالتالي استعاض الجابري عن العلمانية بالعقلانية والديمقراطية، فكيف بعد ذلك يمكن الحديث عن تأثر الجابري بالغرب ومناهجه الأبستملوجية والفونولوجية التي يتهمونه بها.
والأغرب من هذا الموقف من الجابري وأفكاره هو الموقف الذي يرى أن الجابري، لم يكن مؤهلاً للخوض في حقل التراث لأنه جاء من خارج سياق الدراسات الإسلامية، بحجة أن الجابري لم يكن يمتلك أدوات النقد التي تؤهله للنقاش والبحث بالتراث وتفسير القرآن تحديداً، وهو موقف سلفي وإن ادعى غير هذا الدافع بنقده للجابري، وهو موقف للبعض الذين يرون أن حقل الدراسات الإسلامية حقل خاص بجماعة من الناس من دون غيرهم، ويمضون على النسق الكنسي الكاثوليكي الذي يحتكر تفسير النص الديني، وهو ما لا وجود له في الإسلام.
لا يختلف هذا الموقف عن الموقف النقدي لجورج طرابيشي بنقده لنقد العقل العربي، بالذهاب إلى القول إن أطروحة تقسيم الجابري لسياقات العقل المعرفي بمستوياتها الثلاثة بين البيان والبرهان والعرفان لم تكن دقيقة، فضلاً عن كون هدفها إدانة العرفان الشيعي لصالح البيان السني، وهذا تفسير أيديولوجي متسرع قطعاً تورَّط به طرابيشي في البحث عن إدانة خارج سياق النقد ذاته وإنما داخل الموقف الشخصي.
ونفس هذا الموقف ربما هو الذي تكرر للجابري مع نقد المفكر المغربي طه عبد الرحمن له، الذي قال أكثر من مرة إن الجابري لا يمتلك منهجية للنقد ولا أدواتها فضلاً عن تقويله أي الجابري، للآخرين ما لم يقولوه، وهذا الموقف هو الآخر لا ينتمي إلى النقد المنهجي بقدر انتمائه إلى مجال آخر هو الموقف الشخصي الهجائي، بالنظر إلى المنهجية الواضحة التي اتبعها الجابري بصفته فيلسوفاً لا باحثاً أكاديمياً، بمعنى أنه لم يكن يبحث عن قضايا لسبر أغوارها تاريخياً، بقدر ما كان يقرر ويفلسف ظواهر عقلية وثقافية كامنة في الذهنية العربية ويسعى لبرهنتها، أي أن الجابري كان هنا في مقام الفيلسوف لا الباحث.

وقبل الختام يوجد كثير من القضايا التي يمكن أن تثار في سياق نقد المنهجية التي مضى عليها الجابري في نقاشاته وحواراته، ولكن قطعاً ليس منها الحديث عن شخصه كباحث عن الشهرة، فلم يقف مفكر عربي حديثاً على الأقل نفس الموقف الذي سجله الجابري في حياته، من كل ما حولَّه سياسياً وثقافياً، فظل ذلك المفكر والمثقف صاحب الموقف الواضح ضد الظلم والاستبداد كما هو ضد التهريج والادعاء المعرفي.
لم يستسلم الجابري لأحد ولم يداهن أحداً وظل ممسكاً قلمه في وجه الجميع من أجل معركته معركة الأفكار، ولهذا رفض الكثير من الجوائز المغرية مادياً ومعنوياً التي كانت تقدم له وهو في أمسِّ الحاجة إليها، لأنه صاحب موقف واضح من كل الفضاء السياسي من حوله وقَلَّ أن يتكرر هذا الموقف، مع كثير من المثقفين والمفكرين العرب الذين ينساقون ويسقطون أمام أتفه الجوائز والمغريات المادية البسيطة.
نتفق أو نختلف مع الجابري فيما ذهب إليه من تقسيم العقل العربي إلى مشرقي عرفاني ومغاربي برهاني، ونختلف مع ما ذهب إليه أيضاً فيما يتعلق بفكرة تاريخانية النص الديني كما في التفسير القرآني حسب النزول الذي اشتغل عليه، وقد نختلف معه في كثير من الأفكار، لكننا نتفق معه تمام الاتفاق باعتباره صاحب موقف معرفي وإنساني وعربي مشدود إلى قضية الإصلاح الفكري والثقافي والسياسي لأمته التي ينتمي إليها ثقافياً قبل انتمائه عرقياً باعتباره أمازيغياً، من خلال البحث الجاد عن سؤال النهضة والتخلف، وهو ما كرس حياته كلها لأجله ولم يحابِ أحداً في سبيل مشروعه هذا على الرغم من النقد والترهيب الذي قابلهما مشروعه.
وقبل هذا كله يبقى الجابري متفرداً في مجاله ومشروعه، اتفقنا أو اختلفنا معه فيما ذهب إليه بعضه أو كله من أفكار وتصورات، لأسباب عدة في مقدمتها لا شك انطلاقة الجابري من قلب التراث العربي الإسلامي ذاته وعدم القفز فوقه والدعوة للقطيعة معه باعتباره مرجعية لا يمكن تجاوزها بل الاشتغال فيه بأدواته المعرفية ذاتها التي تنتمي إليه، عكس كثيرين من معاصريه ممن انطلقوا من فكرة القطيعة مع التراث لإصلاح خلل العقل العربي في مفارقة غير منطقية.