آراء
سياسة
6 دقيقة قراءة
ترمب ومنطق حواف الهاوية المتكررة
أعادت مفاوضات إسلام آباد –بصرف النظر عن مآلها– الطرفين الأمريكي والإيراني خطوة إلى الوراء عن حافة الهاوية التي رسمها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حين لوّح بمحو الحضارة الإيرانية عبر قصف منشآت الطاقة ومحطات الكهرباء والمرافق الحيوية.
ترمب ومنطق حواف الهاوية المتكررة
في سلوكه الداخلي والخارجي، يحاول ترمب أن يظهر أنه لا يهاب أحداً، ويعمل على استخدام الإهانة والتهديد / Reuters

وفي سلوكه الداخلي والخارجي، يحاول ترمب أن يظهر أنه لا يهاب أحداً، ويعمل على استخدام الإهانة والتهديد والاصطدام بالإعلام والمؤسسات والقضاء، من دون أي تردد. وليس هذا فحسب، بل لا يتورع أحياناً عن الاستهزاء برؤساء وقادة بعض الدول ليؤكد أمام أنصاره أنه قوي. وهو أيضاً يراهن، مع تكرار هذا السلوك، حتى لو لم يحقق في بداية الأمر أي نتائج، على أن يصبح رأسمالاً سياسياً له. ففي كثير من الأحيان يستخدم هذه اللغة من دون أن تكون لديه رؤية عملية أو اختبار للقدرة على تحقيق ما يهدد به.

لقد رفع ترمب منسوب المخاطرة في تهديده الأخير، القائم على توظيف فائض القوة لإحداث دمار هائل، إلى مستوى غير مسبوق لخلق صدمة نفسية في طهران، وربما فتح نافذة تفاوضية تمنحه ما يريد؛ فقد توعّد إيران الأحد الماضي، في منشور على وسائل التواصل، باستهداف محطات الكهرباء والجسور الإيرانية يوم الثلاثاء، إذا لم تُعد فتح مضيق هرمز، وكتب على "تروث سوشيال": "الثلاثاء سيكون يوم محطات الكهرباء ويوم الجسور، وكل ذلك في يوم واحد في إيران. لن تروا له مثيلاً!!!"، ثم أضاف: "افتحوا المضيق اللعين أيها الأوغاد المجانين، وإلا فستعيشون في الجحيم – سترون!".

غير أن هذه التهديدات، التي كررها ترمب مراراً عبر مهل زمنية مدّدها أكثر من مرة، وصولاً إلى الوعيد الجديد مع تسرّب أنباء تعثر الجولة الأولى من مباحثات إسلام آباد، تجعل سلوكه أقرب إلى موجات متتابعة من حواف الهاوية، لا إلى حافة واحدة تنتهي المخاوف بمجرد التراجع عنها مرة واحدة.

فالتهديدات المتكررة بسقوف مرتفعة، مستخدماً مفردات من قبيل "صبّ الجحيم" و"فتح أبواب الجحيم" على رؤوس من يتوعدهم، تمثل عملياً إعادة تدوير مستمرة لمنطق حافة الهاوية.

بهذا المنطق يمكن قراءة المرحلة المقبلة؛ إذ يبدو أن ترمب سينتهج سلوكاً يدمج بين الردع والتفاوض. ولعل اجتماع إسلام آباد، الذي قاده نائب الرئيس دي فانس، وضمّ ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، يؤشر إلى أن العقل الأمريكي -أو الترمبي تحديداً- لا يرى تناقضاً بين التصعيد وبين إدارة مباحثات في الوقت نفسه. ومن ثم لا يُستغرب أن يتجاور خطاب التهديد مع مسار التفاوض ذاته. وقد تأكد هذا الأمر بإعلان ترمب نفسه لاحقاً موافقته على الذهاب إلى جولة ثانية من التفاوض مع إيران برعاية باكستانية أيضاً.

كما أن هذا المنهج يسمح بالتوقف عند أي نقطة بين أقصى اليمين وأقصى اليسار على مسطرة المواقف، وبالصعود والهبوط على سلم التصعيد للتعامل مع التداعيات المحتملة لأي تطور. وفي هذا السياق، تبدو التداعيات الاقتصادية –وخصوصاً في أسواق النفط والغاز والبورصات– عاملاً حاسماً، إذ يُستخدم المسار الدبلوماسي لتنفيس الصدمات الكبرى عندما تقع.

إن الإكثار من استخدام حواف الهاوية يرفع احتمالات سوء الفهم وسوء التقدير؛ فكل طرف قد يقرأ سلوك الآخر بوصفه عقلانياً سيعود أدراجه عند نقطة معينة، فيتشبث بمواقفه المتشددة، بينما تُفهم تراجعات متكررة بعد ذلك كإشارات ضعف إضافية، فتتعزز قناعة الخصم بقدرة التحمل أمام التهديد. وتنتج عن هذه الدائرة المتكررة حالة ممتدة من عدم اليقين، تترك أثراً عميقاً في العلاقات وتُعقّد بشكل خاص بناء تحالفات مستدامة مع أطراف أخرى.

حافة هاوية بحرية

مع فشل الجولة الأولى من المفاوضات، أعلنت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على مواني إيران، أي منع كل حركة ملاحة صادرة أو واردة إلى المواني الإيرانية، مع التأكيد في الوقت ذاته على عدم عرقلة السفن المتجهة إلى موانٍ غير إيرانية؛ ما يعني أننا إزاء تشكّل حافة هاوية جديدة يرسمها ترمب. وقد بادرت طهران إلى الرد بتهديدات مقابلة في مضيق هرمز عبر تكتيكات غير متماثلة: ألغام بحرية وزوارق مفخخة وصواريخ ساحلية، مع التذكير بأن إيران اعتادت استثمار موارد محدودة التكلفة لإلحاق أضرار كبيرة بخصمها وإحداث ارتدادات واسعة على الاقتصاد العالمي.

ورغم أن ترمب حدّد شكل حافة الهاوية الراهنة بالحصار البحري، فإن المقصود فعلياً هو قطع شريان الصادرات النفطية والبتروكيماوية الإيرانية، وهو بذلك يخاطر في الوقت نفسه برفع أسعار الطاقة عالمياً. وسيعتمد كل طرف على رهان مفاده أن صبر خصمه سيتآكل بفعل الضغوط الواقعة عليه، من دون استبعاد سيناريو التراجع عن هذه الحافة وإعادة رسم حافة جديدة مرتبطة بالبرنامج النووي أو بملف آخر.

قد تكون حافة الهاوية الجديدة مزدوجة المستوى؛ فحصار المواني الإيرانية يمثل حافة هاوية ضاغطة على إيران، لكنه لا يتوقف عندها، بل يصنع حافة ضغط استراتيجية على الصين باعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني، إذ تُعد المواني الإيرانية بمنزلة رئة للاقتصاد الصيني. وربما يكون الهدف من إدخال الصين ضمن عملية الضغط في حافة الهاوية الجديدة، المتمثلة بإغلاق المواني، هو جذبها وبقية المستوردين من إيران للضغط على طهران لتليين موقفها، وإبقاء المجال مفتوحاً أمام ترمب للتراجع عن هذه الحافة أيضاً.

لكن هنا أيضاً تبرز خطورة جديدة في إدخال قوة عظمى في مسار حافة الهاوية؛ إذ إن أي تصعيد إضافي قد تفهمه الصين على أنه ينعكس سلباً بدرجة خطيرة على أمنها الطاقي قد يؤدي إلى عواقب غير محمودة.

القيود الداخلية على حافة الهاوية الخارجية

مع استمرار ترمب في رسم حواف هاوية متعاقبة، ثم التراجع عنها، يبدو أننا أمام نمط سلوكي ثابت مارسه مع إيران، وفي ملف الرسوم الجمركية مع دول أخرى، ومع قضية الانسحاب من الناتو؛ إذ سرعان ما يتراجع عندما يجري الحسابات النهائية للتكلفة والعائد. وهنا تبرز القيود التي يمكن أن تكبح اندفاعه، وعلى رأسها الضغوط الداخلية من الكونغرس والبنتاغون والرأي العام المتأثر بأسعار الطاقة والوقود، الذي يتابع بعين القلق حالة الاضطراب المتكرر في الأسواق والبورصات عند كل حافة جديدة يرسمها ترمب بتهديداته.

ومن زاوية أخرى، فإن حلفاء واشنطن في المنطقة وخارجها أصابتهم –وما زالت تصيبهم– أضرار ملموسة جراء هذه السياسة التصعيدية، وهم يعيشون حالة توتر حاد إزاءها. والأخطر من ذلك أن صورة الولايات المتحدة نفسها كحليف جدير بالثقة تتعرض للاهتزاز، إذ تبدو في نظر كثيرين شريكاً متقلباً يصعب بناء تفاهمات طويلة الأجل معه. وعلى الأغلب سيظل ترمب يمارس لعبة حافة الهاوية، لكن لا توجد ضمانات ألا يحدث سوء تقدير، أو تأتي هذه السياسة بتطورات لا يمكن معها التراجع عن هذه الحافة.

في المقابل، فإن خصوم الولايات المتحدة –وفي مقدمتهم إيران– يزدادون فهماً لأسلوب ترمب الذي يرفع درجة المخاطرة إلى أقصاها، ثم يتراجع في لحظة محسوبة، فيتهيؤون نفسياً للتعامل مع هذا النمط حتى تحت وطأة تهديدات شديدة، ما يفتح الباب على اتساعه لاحتمال انفجار شامل في لحظة إساءة تقدير من أي طرف لجدية نيات الطرف الآخر واستعداده للذهاب إلى النهاية.

لقد طبّق رؤساء أمريكيون سابقون –مثل نيكسون– سياسة حافة الهاوية، لكن من دون هذا القدر من الضجيج؛ إذ كانت التهديدات في الأغلب تجري عبر قنوات غير علنية. ولهذا، فإن نمط حافة الهاوية الأنجح هو الذي يقوم على تصعيد مضبوط، وقنوات اتصال موثوقة، وترك مخرج تفاوضي مريح للطرف الآخر. أما حين يُصاغ التهديد في إطار المساس بالسيادة أو البقاء، فسيتعامل الطرف المقابل معه بوصفه تهديداً وجودياً. ولعل العنصر الأكثر حسماً هنا هو القدرة على التحمل الاستراتيجي الطويل، لا التفوق العسكري المجرد وحده.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.

مصدر:TRT ARABI
اكتشف
تصعيد أمريكي-إيراني قبيل انتهاء الهدنة ومفاوضات مرتقبة في باكستان
روسيا تؤكد تسرب كميات من النفط إلى البحر الأسود جراء هجمات أوكرانية
رئيس وزراء المجر الجديد يعلن العودة إلى الجنائية الدولية وتنفيذ مذكراتها بما فيها اعتقال نتنياهو
وسط تصاعد عمليات هدم منازل الفلسطينيين بالضفة.. 626 قضية انتهاك بحق الأسرى بعهد بن غفير
أنقرة وأبوجا تتفقان على تدريب قوات نيجيرية خاصة على الأراضي التركية وتصنيع معدات دفاعية
بسبب الحرب على غزة.. إسبانيا تتحرك لإنهاء شراكة الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل
انتخابات رئيس وزراء العراق.. هل يضيق الوقت وتقل معه الخيارات؟
بلغاريا.. فوز كاسح لائتلاف الرئيس السابق راديف في الانتخابات العامة
كوريا الشمالية تعلن إطلاق صواريخ بالستية قصيرة المدى بإشراف كيم
مهاجمان يتسببان في أضرار كبيرة بجمعية لأتراك تراقيا الغربية في مدينة ألمانية
أوكرانيا تقول إنها طلبت من تركيا تنظيم قمة تجمع زيلينسكي وبوتين
عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى ويؤدون طقوساً تلمودية وسط تشديد أمني
تقدم في محادثات الكونغو الديمقراطية بشأن المساعدات ووقف إطلاق النار
لبنان.. مقتل عسكري إسرائيلي وإصابة آخرين في حادثين منفصلين بالجنوب
فوضى التصويت تؤخر حسم نتائج الانتخابات الرئاسية في بيرو
إسبانيا والمكسيك والبرازيل تدعو لحوار مع كوبا وسط تفاقم الأزمة الإنسانية
تركيا ودول عربية وإسلامية ترفض تعيين سفير إسرائيلي في إقليم "أرض الصومال" وتؤكد دعمها لسيادة مقديشو
واشنطن تمدد إعفاء النفط الروسي المحمّل مسبقاً على متن السفن شهراً لاحتواء ارتفاع أسعار الطاقة
السعودية تعلن جاهزية المنافذ الدولية لاستقبال حجاج موسم 1447 هجري
رومانيا: رصد اختراق طائرة مسيَّرة مجالنا الجوي خلال هجوم روسي على أوكرانيا