وتطرح هذه المرحلة تساؤلات حول قدرة القوى السياسية على التوصل إلى توافق سريع، في ظل تضاؤل الخيارات وتزايد الضغوط لإنهاء حالة الجمود.
وتدخل العملية السياسية إطاراً زمنياً ضيقاً بعد انتخاب رئيس الجمهورية نزار آميدي في 11 أبريل/نيسان 2026، إذ تنص المادة 76 من دستور 2005 على تكليف مرشح "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" بتشكيل الحكومة خلال 15 يوماً.
ويأتي ذلك بعد نحو 5 أشهر من الفراغ السياسي منذ انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ما يزيد من حساسية المرحلة الحالية.
وفي هذا السياق، ذكرت تقارير أنّ الخلافات داخل "الإطار التنسيقي" بلغت ذروتها مع تعدد الأجنحة والمرشحين، كما أن الإطار أجل اجتماعه المقرر عقده مساء السبت ليوم الاثنين، لحسم اختيار رئيس الحكومة.
وتشير هذه المعطيات إلى انقسام التحالف الشيعي إلى 3 اتجاهات، الأول يدعم نوري المالكي أو شخصية قريبة منه، والثاني يفضل تجديد الولاية لمحمد شياع السوداني، فيما يطرح الثالث خيار "مرشح تسوية".
وفي تطور لاحق، أفادت معطيات نقلتها وكالة أنباء الإعلام العراقي مؤخراً بتقدم اسم باسم البدري كمرشح توافقي بعد حصوله على دعم واسع داخل الإطار، رغم استمرار الخلافات حول آلية الحسم.
كما نقلت وكالة الأنباء العراقية (واع) عن النائب فراس المسلماوي أنّ اجتماع الإطار المرتقب سيكون "مفصلياً" لتسمية رئيس الوزراء، مع تأكيد وجود توجه لإنهاء حالة الجمود والتزام التوقيتات الدستورية.
وذكرت الوكالة أنّ رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني بحث مع رئيس الجمهورية نزار آميدي ضرورة الإسراع في استكمال الاستحقاقات الدستورية وتشكيل حكومة وطنية تلبي تطلعات العراقيين.
ويوضح أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية ورئيس مركز التفكير السياسي د.إحسان الشمري، أن المادة 76 تمثل نصاً ملزماً للقوى السياسية، ولم يسبق خرقها فيما يتعلق بتكليف رئيس الوزراء، على عكس مواعيد انتخاب رئيس الجمهورية التي شهدت تأخيرات متكررة.
ويشير الشمري في حديثه لموقع "TRT عربي"، إلى أنّ انتخاب رئيس الجمهورية أسقط مبررات التأخير، ما يدفع "الإطار التنسيقي" إلى حسم ملف التكليف ضمن المدة الدستورية، مستبعداً اللجوء إلى المناورة أو تجاوز المهلة، لأن ذلك سيُعد خرقاً صريحاً للدستور.
كما يلفت إلى أنّ مفهوم "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" حُسم منذ عام 2010 بقرار المحكمة الاتحادية العليا، التي اعتبرت أنّها الكتلة التي تتشكل داخل البرلمان، ما يعني أنّ "الإطار التنسيقي" يمتلك الغطاء الدستوري لتسمية مرشّحه، رغم الجدل السياسي المستمر حول هذا التفسير.
ضغوط الخارج
وتتداخل العوامل الخارجية مع الحسابات الداخلية في تحديد هويّة رئيس الحكومة، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد السياسي.
وتتجه بعض القوى السياسية إلى ربط شكل الحكومة المقبلة بموازين القوى الإقليمية، بما يعزّز موقع العراق ضمن محور سياسي إقليمي معيّن، في ظل استمرار التوترات في المنطقة.
ويقول الباحث السياسي والاستراتيجي د.علي أغوان، إنّ عملية اختيار رئيس مجلس الوزراء في العراق لا تنفصل عن شبكة معقدة من التوازنات الداخلية والخارجية.
ويلفت أغوان إلى أن الساحة العراقية تشهد "تدافعاً واضحاً" بين محاور إقليمية ودولية، ولا سيما بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو ما يعرقل الوصول إلى توافق سريع أو سلس.
ويضيف في حديثه لموقع "TRT عربي" أنّ هذا التشابك ليس جديداً، بل يمثل امتداداً لطبيعة النظام السياسي في العراق منذ عام 2003، حيث ارتبطت معادلات تشكيل الحكومات بصراع النفوذ الخارجي، الأمر الذي يحدّ من استقلالية القرار السياسي الداخلي.
وفي الإطار ذاته، يعتقد الدكتور إحسان الشمري أنّ القوى السياسية باتت تدرك حسّاسية الظرف الإقليمي، بخاصة مع ما وصفه بـ"أجواء التهدئة" الحالية، ما يدفعها إلى اختيار شخصية لا تستفز الولايات المتحدة، في إشارة إلى مواقف سابقة لواشنطن أبدت تحفظاً على بعض المرشحين، وهو ما قد يحدّ من خيارات "الإطار التنسيقي" ويقلص هامش المناورة السياسية.
عقدة التوافق
ويبدو أنّ فجوة الخلافات السياسية اتّسعت لتشمل أطرافاً أخرى خارج البيت الشيعي، ما يضعف فرص التوصل إلى اتفاق سريع.
وجرى انتخاب رئيس الجمهورية وسط مقاطعة "حزب KDP"، ما يعكس انقساماً بين الأوساط السياسية الكردية الذي قد يؤثر على مسار تشكيل الحكومة.
وفي إطار التحركات السياسية، شدد رئيس الجمهورية، خلال لقائه رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان في 14 أبريل/نيسان 2026، على ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة، بالتوازي مع دعوات قضائية لتجنب استمرار الفراغ التنفيذي.
ويشير أغوان إلى أن استمرار الخلافات يعكس تغليب المصالح الحزبية والشخصية على حساب المصلحة الوطنية، معتبراً أن حالة "الانسداد السياسي" لا تزال قائمة، وأن طرح "مرشح التسوية" قد لا يكون كافياً في ظل تعقيدات المرحلة.
ويرى الباحث الاستراتيجي أن القوى السياسية لا تُدرك حجم التحديات المقبلة، خصوصاً الاقتصادية منها، محذراً من تداعيات محتملة لأي اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية، مثل إغلاق مضيق هرمز، على استقرار النظام السياسي في العراق.
ويؤكد أغوان أن العراق بحاجة إلى رئيس وزراء يتمتع بقدرة تنفيذية قوية وقرارات حاسمة، بخاصة في ظل تحديات تتعلق بفرض سلطة الدولة، ووجود جهات مسلحة لا تلتزم بشكل كامل منظومة القيادة العامة، وهو ما يجعل البلاد عرضة لضغوط خارجية متزايدة، بما في ذلك احتمالات فرض عقوبات قد تمتد إلى أطراف داخل النظام السياسي.
وأشارت صحيفة "الصباح" الرسمية إلى أن الأزمة في العراق لا تكمن في غياب النصوص الدستورية، بل في "تعطل تطبيقها" نتيجة هيمنة التوافقات السياسية.
ويحذر د.إحسان الشمري من أن أي فشل في التزام مهلة التكليف، رغم عدم وجود عقوبات قانونية واضحة، قد يدفع الأطراف المتضررة إلى اللجوء للمحكمة الاتحادية، وسيمثل في الوقت ذاته مؤشراً على أزمة عميقة داخل "البيت الشيعي"، فضلاً عن كشفه لثغرات دستورية تُستغل سياسياً.
ويعكس هذا المشهد تداخلاً معقداً بين الضغوط الزمنية والانقسامات السياسية، في وقت تبدو فيه قدرة القوى العراقية على إنتاج تسوية سريعة عاملاً حاسماً في تجنب مرحلة جديدة من الجمود، قد تعمّق من تعقيدات المشهد الداخلي وتزيد من هشاشة التوازنات القائمة.
















