"إنه وغد"، هكذا نعت يونان مجال، مقدم أهم البرامج الحوارية في قناة "14" اليمينية التي تمثل بوقاً إعلامياً لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس تعقيباً على دفاع الأخير عن الاتفاق المتبلور بين الولايات المتحدة وإيران والذي يفترض أن ينهي الحرب التي بدأتها تل أبيب وواشنطن على طهران في نهاية فبراير/شباط الماضي.
لم يكتف مجال بمهاجمة فانس، بل وصف جاريد كوشنر صهر ترمب ومبعوثه الخاص للمنطقة وستيف يتكوف بـ"اليهود الصغار"، في حين هاجم شمعون ريكلين، زميل مجال، ما أسماه "خيانة" الولايات المتحدة لإسرائيل.
تشي ردة فعل الإعلاميين المقربين من نتنياهو الغاضبة من الاتفاق الإيراني الأمريكي خيبة أمله العميقة من هذا الاتفاق. فقد راهن نتنياهو بعدما نجح في جر ترمب إلى الحرب ضد إيران أن تمثل نتائجها ترجمة للأهداف المعلنة التي وعد الجمهور الإسرائيلي بتحقيقها بعيد بدء الحرب، والمتمثلة في: إسقاط نظام الحكم في طهران وتنصيب نظام بديل، القضاء بشكل تام ونهائي على المشروع النووي وبرنامج الصواريخ الإيراني؛ وعزل التنظيمات المرتبطة بالدعم الإيراني في لبنان، العراق، اليمن وغزة.
وقد راودت نتنياهو الآمال بأن تفضي نتائج الحرب إلى تعزيز مكانته الداخلية عشية الانتخابات الحاسمة التي يرجح أن تجرى في أكتوبر القادم. لكن نتنياهو في إطلالته الإعلامية الوحيدة بعد الإعلان عن الاتفاق الإيراني الأمريكي لم يحاول حتى تفنيد الحجج التي ساقها معارضوه وكثير من النخب الإسرائيلية بأن هذا الاتفاق يدل، بما لا يقبل مجالاً للشك، على انهيار استراتيجيته في مواجهة إيران ومشروعها النووي وبرنامجها الصاروخي، ودعمها للتنظيمات المعادية في الإقليم؛ فضلاً عن أنه لم يكرر تعهده السابق بتحقيق "النصر المطلق".
وكما يقول العقيد المتقاعد داني سيبروفيتش، الذي كان يقود "ساحة إيران" في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية فإن الحرب ليس فقط فشلت في إسقاط النظام في إيران، بل إنها أفضت إلى صعود نظام أكثر تطرفاً وتحدياً وتصميماً على مواصلة الحفاظ على المشروع النووي والترسانة الصاروخية وعلاقات طهران بحلفائها في الإقليم.
وسخر سيبروفيتش من إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن إسرائيل غير ملزمة الاتفاق الإيراني والأمريكي وحرص القيادة الإسرائيلية على تسريب تقديرات مفادها بأن تل أبيب يمكن أن تشن بمفردها حرباً ضد طهران إذا اقتضت الحاجة. وأعاد سيبروفيتش إلى الأذهان حقيقة أن إسرائيل ليس بوسعها شن عمل عسكري ضد إيران بدون الاعتماد على قوة الردع الأمريكية.
تهديدات وتحديات جديدة
لا يعكس الاتفاق الإيراني الأمريكي فقط فشل إسرائيل المطلق في تحقيق أهدافها المعلنة من الحرب؛ بل إنه يفرز تهديدات وتحديات جديدة لتل أبيب، يمكن حصرها في التالي:
أولاً: سيفضي الإفراج عن ودائع إيران ورفع القيود عن تصديرها للنفط والغاز، كما ينص الاتفاق، إلى إحداث تحول هائل على وضعها الاقتصادي، مما يمكنها من تخصيص موارد كبيرة لمراكمة القوة العسكرية وتعزيز ترسانتها من السلاح المتطور، ويسمح لها بالاستثمار في مجال البحث والتطوير العسكري. ولا يستبعد ألون بن دافيد، المعلق العسكري لقناة "13" الإسرائيلية أن تتحول إيران بعد تطبيق الاتفاق إلى الدولة الأكثر فاعلية على الصعيد العسكري في المنطقة.
ثانيا: يقلص الاتفاق إلى حد كبير من إمكانية انضمام الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في أي تحرك عسكري ضد إيران مستقبلاً. فعندما يبدي ترمب، الذي كان يوصف في إسرائيل قبل الاتفاق، بأنه الرئيس الأمريكي "الأكثر التزاماً بأمن إسرائيل"، كل هذا الحماس لطي صفحة المواجهة مع إيران؛ فإنه لا يتوقع أن يقبل أي رئيس أمريكي في المستقبل أن تستدرجه إسرائيل لمثل هذه المواجهة. سيما في ظل تكرس انطباع لدى الرأي العام والكثير من النخب الأمريكية، وضمنها المحسوبة على مؤيدي ترمب، بأن نتنياهو خدع القيادة الأمريكية وضللها عندما أقنعها بأنه يمكن إسقاط نظام الحكم في إيران بواسطة عمل عسكري.
ثالثاً: حققت إيران وحلفاؤها إنجازاً كبيراً عندما نص الاتفاق على الربط بين انهاء الحرب الأمريكية الإيرانية والمواجهة بين حزب الله وإسرائيل. فبخلاف مزاعم نتنياهو ووزرائه الذين يزعمون أن الاتفاق لا يلزم إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان؛ فإن إيهود حمو، مراسل قناة "12" قد أكد أن الولايات المتحدة التزمت انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بعد انتهاء المفاوضات بين واشنطن وطهران بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني. وفي حال كان ما أورده حمو دقيقاً، فإن هذا يعني أن إيران نجحت في تكريس مبدأ وحدة الساحات، وهو انجاز لم تتمكن من تحقيقه خلال فترة مواجهتها مع إسرائيل. وسيعزز هذا الواقع من مكانة حزب الله على الصعيد اللبناني الداخلي وسيضعف مكانة الأطراف التي راهنت على التوصل إلى تسوية سياسية مع إسرائيل.
رابعاً: يمس الاتفاق مكانة إسرائيل الإقليمية بشكل كبير؛ في حين سيعزز، في المقابل، مكانة إيران. فالدول الخليجية، التي لم تفلح مظلة الحماية الأمريكية في تأمينها من الهجمات الإيرانية ستنأى بنفسها مستقبلاً عن اي تحرك عسكري ضد إيران؛ وستحرص معظمها على تجنب أي تعاون مع إسرائيل يمكن أن يفسر على أنه موجه َضد طهران. ويرجح على نطاق واسع أن يفضي الاتفاق إلى فرملة قطار التطبيع بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية، سيما وأن الحكومة الإسرائيلية تتجه إلى تبني سياسات أكثر تشدداً على الصعيد الفلسطيني للتغطية على فشلها في منع التوصل للاتفاق الإيراني الأمريكي.
خامساً: مس الاتفاق الهالةَ التي أحاطتها إسرائيل بجهاز الموساد؛ سيما في ظل تواتر التقارير التي أكدت أن ترمب وافق على الهجوم على إيران بعدما اقتنع بالخطة التي أعدها الموساد للإطاحة بنظام الحكم في طهران، والتي تقوم على الاستعانة بالمتمردين الأكراد. كما مس الاتفاق مستوى الثقة بين المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل. فحسب ما ذكرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" فإن قادة المؤسسة العسكرية في تل أبيب يتهمون القيادة السياسية بأنها فشلت في تحويل النجاحات التكتيكية والعملياتية التي حققها الجيش الإسرائيلي في حربه ضد إيران إلى إنجازات إستراتيجية.
سادسا: أسدل الاتفاق الستار على أية فرصة لإصلاح الأضرار التي لحقت بمكانة إسرائيل الدولية في أعقاب شنها حرب الإبادة في غزة ولبنان ودفعها الولايات المتحدة إلى شن الحرب على إيران. فالانتقادات العلنية التي بات ترمب يوجهها إلى نتنياهو بسبب موقفه من الاتفاق والحرب ضد حزب الله، ستسهم فقط في حدوث مزيد من التآكل على الدعم التي تحظى به إسرائيل لدى الجمهوريين وتحديداً لدى القاعدة الانتخابية لترمب التي يطلق عليها "ماجا"؛ بعدما فقد دعم الأغلبية الساحقة من الجمهور الديمقراطي في الولايات المتحدة. ويمكن أن يؤثر هذا الواقع في نتائج الانتخابات النصفية الحاسمة التي ستجرى لانتخاب أعضاء الكونغرس في نوفمبر القادم؛ بحيث يمكن أن تساعد ردة الفعل الجماهيرية الغاضبة من إسرائيل إلى زيادة فرص المرشحين الذين يتبنون مواقف نقدية من سياسات تل أبيب. مع العلم أن العلاقة مع الولايات المتحدة تعد من أهم ركائز مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي. وتتطلب مواجهة هذا التحدي من الحكومة الإسرائيلية القادمة، في حال خسر نتنياهو وحلفاؤه الانتخابات، إعادة النظر في مجمل السياسات التي تبناها نتنياهو بعد السابع من أكتوبر والتي كان من بين نتائجها الاتفاق الأمريكي الإيراني.
وهناك مؤشر على أن بعض قادة المعارضة الإسرائيلية باتوا يدركون ذلك. فزعيم حزب "معا" رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، على الرغم من تعهده بإسقاط النظام في إيران، إلا أنه أقر مؤخراً بوجوب انهاء نهج "الحروب الدائمة" الذي تبناه نتنياهو والتفرغ لتحسين مكانة إسرائيل الدولية.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.
















