في السابع من أبريل/نيسان 2026، افتتحت شركة روكتسان التركية ثلاث منشآت صناعية دفعة واحدة. الأولى مجمع لإنتاج الوقود الصاروخي الصلب في ولاية قرقلار إيلي، يضم 83 مبنى على مساحة تتجاوز 52 ألف متر مربع. والثانية مصنع للرؤوس الحربية في لالاهان بأنقرة، تصفه الشركة بأنه الأكبر من نوعه في أوروبا. أما الثالثة فهي مركز أبحاث وتطوير يضم نحو ألف مهندس.
لكن أهمية الحدث لم تكمن في حجم المباني أو قيمة الاستثمارات، بل في الرسالة التي حملها الرقم الأبرز في الإعلان: زيادة القدرة الإنتاجية للوقود الصاروخي الصلب إلى خمسة أضعاف.
فالمسألة هنا لا تتعلق بإنتاج صاروخ جديد أو تطوير منظومة بعينها، بقدر ما تتعلق ببناء قدرة صناعية تسمح بإنتاج السلاح بكميات كبيرة وفي فترات زمنية قصيرة. وفي هذا التحول تحديداً يمكن قراءة أحد أهم التغيرات التي تشهدها العقيدة الصناعية الدفاعية التركية.
في الحروب الحديثة لم يعد معيار القوة العسكرية مقتصراً على جودة السلاح أو تفوقه التقني، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الدولة على مواصلة الإنتاج في أصعب الظروف. فالمشكلة لم تعد في ابتكار المنصة، وإنما في ضمان تدفق المحركات والرقائق والمواد الأولية وخطوط التصنيع عندما تتعرض سلاسل الإمداد العالمية للاهتزاز أو الانقطاع.
دروس الحروب
التحول الأهم في الصناعات الدفاعية التركية لم يكن في حجم الإنتاج بقدر ما كان في فلسفته. وخلال السنوات الأخيرة تغيرت لغة المسؤولين الأتراك أنفسهم؛ إذ تراجع التركيز على مفاهيم التطوير والتصميم لصالح مفاهيم الإنتاج التسلسلي واسع النطاق.
وبعبارة أخرى، انتقلت الصناعة الدفاعية التركية من عقلية المختبر إلى عقلية خط التجميع، ومن سؤال: "هل نستطيع تصنيع هذا السلاح؟"، إلى سؤال أكثر تعقيداً وأهمية: "هل نستطيع إنته الكافية بالآلاف، وبالسرعة الكافية، عندما تبدأ الحرب استنزاف المخزون؟".
لفهم أسباب هذا التحول، لا بد من النظر إلى الدروس التي قدمتها الحروب المعاصرة خلال السنوات الأخيرة. ففي أوكرانيا، لم تكن المشكلة الأساسية في جودة السلاح الغربي أو تفوقه التكنولوجي، بل في قدرة المصانع على تعويض الاستهلاك الهائل للذخائر والمعدات.
ففي عام 2024، أنتجت روسيا نحو 4.5 ملايين قذيفة مدفعية، في حين بلغ إجمالي إنتاج أوروبا والولايات المتحدة نحو 1.2 مليون قذيفة فقط. أي إن موسكو أنتجت ما يقارب أربعة أضعاف ما أنتجه الغرب مجتمعاً. وقد لخّص الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، هذه الفجوة بعبارة لافتة حين قال إن "روسيا تنتج خلال ثلاثة أشهر ما ينتجه الحلف بأكمله خلال عام من الذخائر".
غير أن الفجوة لا تتعلق بالكمية وحدها، بل بالكلفة أيضاً. فالقذيفة الروسية عيار 152 ملم تُنتج بكلفة تقارب ألف دولار، بينما تتجاوز كلفة القذيفة الغربية عيار 155 ملم أربعة آلاف دولار. وفي الحروب الطويلة، قد تكون هذه الفوارق أكثر حسماً من الفوارق التقنية نفسها. فالحرب الممتدة لا يكسبها دائماً الطرف الذي يمتلك السلاح الأفضل، بل الطرف القادر على إنتاج المزيد منه بكلفة أقل وبوتيرة أسرع.
وجاءت أزمة البحر الأحمر لتقدم درساً مكملاً لا يقل أهمية. فقد اعتمد الحوثيون على مسيّرات وصواريخ منخفضة الكلفة تتراوح أسعارها بين بضعة آلاف وعشرات الآلاف من الدولارات، بينما اضطرت القوات الغربية إلى استخدام صواريخ اعتراضية تبلغ كلفة الواحد منها ملايين الدولارات.
وخلال أشهر قليلة، أنفقت البحرية الأمريكية أكثر من مليار دولار على عمليات الاعتراض. هنا لم تعد المسألة مرتبطة بالفعالية العسكرية فقط، بل بمعادلة الاستدامة الاقتصادية. فالسؤال الذي طرحته هذه المواجهة كان بسيطاً ومقلقاً في آن واحد: إلى متى يمكن الاستمرار في استخدام صاروخ بملايين الدولارات لإسقاط هدف لا تتجاوز كلفته بضعة آلاف؟
لكن الدرس الأعمق الذي كشفت عنه الحرب في أوكرانيا يتعلق بمعدلات الاستهلاك غير المسبوقة. فقد أظهرت المعارك أن وتيرة استهلاك الذخائر والمسيّرات في الحروب الحديثة تتجاوز بكثير التقديرات التي بنيت عليها الجيوش خلال عقود من زمن السلم.
وتشير التقديرات إلى أن روسيا تنتج حالياً ما بين ستة وسبعة آلاف مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه شهرياً، في حين تسعى أوكرانيا إلى إنتاج ملايين المسيّرات سنوياً، وقد سلّمت بالفعل نحو ثلاثة ملايين مسيّرة من نوع FPV خلال عام واحد فقط.
هذه الأرقام تعكس حقيقة جديدة في عالم الحروب. فالقوة العسكرية لم تعد تقاس بعدد المنصات الموجودة في المخازن، بل بقدرة الدولة على تعويض خسائرها بسرعة واستمرار تدفق الإنتاج أثناء الحرب. ومن هنا برز مفهوم جديد أخذ يترسخ في الأوساط الدفاعية حول العالم: المصنع نفسه أصبح جزءاً من القوة القتالية، وربما أحد أهم عناصرها.
ويبدو أن تركيا كانت من بين الدول التي استوعبت هذا التحول مبكراً، فسعت لتوسيع طاقتها الإنتاجية وتسريع خطوط التصنيع والاستثمار في الصناعات القابلة للإنتاج الكمي الواسع. إلا أن هذا التوجه لا يخلو من المخاطر.
فالباحث جستن برونك، من معهد RUSI، يحذر من المبالغة في الرهان على المسيّرات الرخيصة وأسرابها على حساب القدرات التقليدية الأخرى، مثل المدفعية والدفاع الجوي والنيران بعيدة المدى.
فالحروب الحديثة لا تستبدل منظومة بأخرى، بل تعيد توزيع الأدوار بينها، ويبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين الكمية والنوعية، وبين الإنتاج الضخم والقدرات العسكرية المتقدمة.
المنصة المعقدة أم الكمية القابلة للاستهلاك؟يكمن أحد أبرز التحولات في الفكر الدفاعي التركي في الانتقال من السعي لامتلاك منصة متفوقة بحدّ ذاتها، إلى بناء قدرة قتالية قائمة على الأعداد الكبيرة والمنصات القابلة للتعويض والتجديد السريع.
فالحروب الحديثة لم تعد تكافئ فقط السلاح الأكثر تطوراً، بل تمنح الأفضلية أيضاً للطرف القادر على تعويض خسائره بسرعة والمحافظة على زخم عملياته لفترات طويلة.
وتعد الطائرة المسيّرة بيرقدار TB2 المثال الأوضح على هذه الفلسفة. فقد بنيت حول معادلة مختلفة عن كثير من نظيراتها الغربية؛ إذ اعتمدت على محرك تجاري، وتصميم مبسط نسبياً، ومكونات متاحة بكلفة أقل كثيراً من المنصات المنافسة.
وتقدر كلفة الوحدة الواحدة منها بنحو خمسة موايين دولار، مقارنة بنحو عشرين مليون دولار للطائرة الأمريكية MQ-9. هذه المعادلة جعلت TB2 رخيصة بما يكفي لإنتاجها بأعداد كبيرة، وبسيطة بما يكفي لتشغيلها وصيانتها ميدانياً، وهو ما ساهم في نجاحها خلال العمليات في ليبيا وقره باغ، وكذلك في المراحل الأولى من الحرب الأوكرانية.
لكن التجربة نفسها كشفت حدود هذه المقاربة. فمع تطور الحرب في أوكرانيا وتعزيز روسيا شبكات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، تراجعت فعالية الطائرة بشكل ملحوظ، وخسرت أوكرانيا عدداً كبيراً منها. وأظهرت هذه التجربة أن المنصة منخفضة الكلفة يمكن أن تكون فعالة للغاية ضد خصم يملك دفاعات محدودة، لكنها تصبح أكثر عرضة للخسائر عندما تواجه منظومة دفاع جوي متكاملة ومتطورة.
ويبدو أن صناع القرار في أنقرة استوعبوا هذا الدرس سريعاً. فبدلاً من الاكتفاء بتكرار نموذج المسيّرة التقليدية، بدأ التركيز يتجه نحو فئة أخرى من الأنظمة تقوم على مبدأ الإغراق العددي والكلفة المنخفضة، وفي مقدمتها الذخائر المتسكعة. فهذه الأنظمة لا تسعى إلى البقاء في الجو لساعات طويلة أو تنفيذ مهام معقدة، بل إلى توفير قدرة هجومية كبيرة بكلفة محدودة تسمح باستخدامها بأعداد كبيرة.
ضمن هذا التوجه، برزت منتجات شركة STM بوصفها أحد أبرز الأمثلة على التحول الجاري. ففي عام 2025 استكملت الشركة تسليمات منظومة "ألباجو" للقوات التركية، وهي ذخيرة متسكعة خفيفة يقل وزنها عن كيلوغرامين، ويمكن لجندي واحد إطلاقها من أنبوب مخصص لاستهداف الأفراد أو الأهداف الصغيرة بكلفة منخفضة. وإلى جانبها طورت الشركة منظومة "كارجو" القادرة على العمل ضمن أسراب، كما عرضت خلال معرض IDEF 2025 نموذجاً لسرب مكون من ست طائرات تعمل بصورة منسقة، فضلاً عن تطوير "ألباجوت" ذات المدى الأكبر والقدرات الأوسع.
تعكس هذه الأنظمة فلسفة مختلفة تماماً عن فلسفة المنصة الواحدة مرتفعة الكلفة. فالهدف لم يعد امتلاك عدد محدود من المنظومات المتفوقة، بل نشر أعداد كبيرة من الوسائط القتالية القادرة على إنهاك الدفاعات المعادية وإغراقها بالأهداف.
إنها مقاربة تقوم على الكم المدروس، إذ تصبح القدرة على إنتاج عشرات أو مئات الذخائر الرخيصة أكثر أهمية من امتلاك منصة واحدة باهظة الثمن.
والمنطق ذاته يظهر في توجهات الصناعة الدفاعية التركية الأوسع. فشركة أسيلسان، أكبر شركة دفاعية في البلاد، بدأت في بعض برامجها الاستفادة من المكونات التجارية الجاهزة (COTS) كلما كان ذلك ممكناً، بهدف تقليص زمن الإنتاج وخفض الكلفة وتوسيع القدرة التصنيعية.
وهي خطوة تعكس إدراكاً متزايداً بأن المنافسة في الحروب المقبلة لن تكون فقط بين التقنيات، بل أيضاً بين خطوط الإنتاج وسرعة التعويض والقدرة على توفير الكميات المطلوبة في الوقت المناسب.
ولا تكتفي تركيا بالخطاب، بل تضخ أموالاً حقيقية في البنية التحتية. فتوسّع روكتسان الأخير جزء من برنامج إجمالي يبلغ ثلاثة مليارات دولار، أنجزت مرحلته الأولى بمليار دولار. ومنشأة الوقود الصلب في قرقلار إيلي لا تهدف فقط إلى زيادة الإنتاج خمسة أضعاف، بل أيضاً إلى تصنيع مواد متفجرة حرجة محلياً لتقليل الاعتماد على الاستيراد ومخاطر الحظر، وهو درس مستفاد مباشرة من تجربة TB2.
وإلى جانب ذلك، وقّعت تركيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عقود برنامج القبة الفولاذية بقيمة تناهز 6.5 مليارات دولار مع أسيلسان وروكتسان وهافلسان، لبناء منظومة دفاع جوي طبقية متكاملة وشبكية المركز ومدعومة بالذكاء الصناعي. كما توسّعت أسيلسان عبر قاعدة "أوغولباي" التقنية لتقترب من مضاعفة طاقتها.
وتزيد مؤسسة MKE خطوط إنتاج قذائف 155 ملم بشكل كبير، بل إن شركة Repkon التركية باتت تورّد خطوط إنتاج القذائف نفسها إلى الولايات المتحدة وألمانيا، أي إن تركيا تصدّر وسائل الإنتاج الكمي لا القذائف فحسب.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.















