لكن المشكلة لا تُحل ببناء مصانع جديدة فقط. فالصواريخ التي تُستهلك في أسابيع تحتاج إلى سنوات لتعويضها، وخلف خطوط التجميع اختناقات في المحركات والمواد الخام والموردين. وبين زيادة الإنتاج، والاستعانة بالحلفاء، واستخدام وسائل اعتراض أرخص، تبحث واشنطن عن طريقة لسد فجوة بات من الأدق قياسها بعدد أيام القتال، لا بعدد الصواريخ في المخازن.
قبل اندلاع الحرب مع إيران أواخر فبراير/شباط، كان الجيش الأمريكي يمتلك نحو 452 صاروخاً اعتراضياً لمنظومة «ثاد» (THAAD)، وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS). وبعد أشهر من اعتراض الصواريخ الإيرانية التي استهدفت القواعد الأمريكية، نقلت CNN في أغسطس/آب أن نحو أربعة أخماس هذا المخزون قد استُهلك، إلى جانب قرابة نصف مخزون باتريوت.
وفي تقدير آخر، قال مسؤول أمريكي لـABC News إن الحرب استهلكت ثلثي مخزون باتريوت ونصف مخزون ثاد، واصفاً المخزونين بأنهما «منخفضان للغاية». تختلف النسب، لكن الخلاصة واحدة: الاستهلاك أسرع بكثير من قدرة المصانع على التعويض. فخط إنتاج ثاد لا يسلّم سوى نحو 96 صاروخاً سنوياً.
لهذا أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، في 31 أغسطس/آب، اتفاقين مع لوكهيد مارتن وذراع الذخائر في جنرال دايناميكس، يمهدان لعقود شراء تمتد سبع سنوات، لزيادة إنتاج اعتراضيات باتريوت إلى ثلاثة أمثاله، وثاد إلى أربعة أمثاله، وصولاً إلى هدف بعيد المدى يقارب 14 ألف صاروخ اعتراضي من الطرازين.
لكن زيادة الأموال والطلبيات لا تعني وصول الصواريخ سريعاً. فبحسب CSIS، يبقى زمن التصنيع القيد الأهم، ولن تبدأ دفعات التعويض الأولى من ثاد وباتريوت في الوصول قبل 2029. وهو ما أقرّ به وزير الدفاع بيت هيغسيث حين قال، إن إعادة بناء المخزونات ستستغرق «أشهراً وسنوات»، بحسب نوع السلاح.
فجوة تُقاس بأيام القتال
لم تكن حرب 2026 الإنذار الأول. ففي حرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025، أطلقت الولايات المتحدة بين 100 و150 صاروخ ثاد، أي نحو 14% من مخزونها وفق تقدير معهد JINSA، ونحو ربعه وفق CNN. ويبلغ ثمن الصاروخ الواحد قرابة 12.7 مليون دولار، بينما لم تتسلم الولايات المتحدة في السنة المالية السابقة سوى 11 صاروخاً جديداً.
وقبل ذلك، كشف قائد القوات السطحية في البحرية الأمريكية أن سفنها أطلقت في البحر الأحمر أكثر من 200 صاروخ اعتراضي خلال 15 شهراً، بتكلفة قدرتها تقارير بنحو مليار دولار، للتصدي لصواريخ ومسيّرات حوثية يبدأ ثمن بعضها من ألفي دولار.
ثم جاء طلب موازنة 2027 ليرفع هدف الجيش لمخزون PAC-3 من 3376 إلى 13773 صاروخاً، أي نحو أربعة أمثاله دفعة واحدة.
لكن السؤال الأدق ليس: كم صاروخاً يوجد في المخزن؟ بل: كم يوماً من القتال تستطيع سنة كاملة من الإنتاج تعويضه؟
فعندما تستهلك حرب في أسابيع كمية يحتاج تصنيع بدائل لها إلى سنوات، يصبح المخزون أقل طمأنة. وهنا تظهر المعضلة الأساسية: الصاروخ الاعتراضي يُستهلك في المعركة كذخيرة، لكنه يُصنع في المصنع كما لو كان قمراً صناعياً.
في الميدان، تخصص عقيدة الرمي في كثير من الحالات صاروخين لكل هدف. أما التصنيع فيعتمد على التجميع اليدوي، واختبار كل وحدة، وعدد محدود من الموردين، ودورات إنتاج طويلة. ولذلك يصعب تحويل صناعة بُنيت لإنتاج أعداد محدودة من القطع المعقدة إلى إنتاج بالآلاف بين ليلة وضحاها.
سباق يحتاج إلى سنوات
الحل الأكثر وضوحاً هو زيادة الإنتاج. وتستهدف اتفاقات أغسطس/آب رفع إنتاج PAC-3 من نحو 650 صاروخاً سنوياً إلى قرابة ألفي صاروخ، وثاد من 96 إلى 400 صاروخ سنوياً.
وتجاوزت القيمة الإجمالية لبرنامج باتريوت متعدد السنوات لدى لوكهيد مارتن 58 مليار دولار، مع مركز جديد في أركنساس لتسريع إنتاج الذخائر، بينما تتولى جنرال دايناميكس زيادة إنتاج مكونات رئيسية، بينها أغلفة المحركات وهياكل أجهزة التوجيه والأقسام الوسطى.
لكن أهمية الاتفاقات تكمن أيضاً في مدتها. فعقد يمتد سبع سنوات يمنح الشركات «يقيناً في الطلب»، ويشجعها على الاستثمار في مصانع وعمالة ومعدات جديدة، بدل الاعتماد على عقود تتجدد سنوياً. وهو أحد الدروس التي فرضتها حرب أوكرانيا على المشتريات العسكرية الغربية.
غير أن هذا اليقين يبقى جزئياً، لأن البنتاغون أوضح أن التمويل سيظل خاضعاً لموافقة الكونغرس كل عام. أي إن العقد يمتد سبع سنوات، لكن المال يأتي سنة بعد أخرى، ويبقى الاستثمار رهينة دورة الموازنة في واشنطن.
المحركات.. عنق الزجاجة الخفي
حتى إذا توسعت خطوط التجميع، تبقى مشكلة أكثر عمقاً: المحركات. فكل صاروخ أمريكي موجه تقريباً يعتمد على محرك وقود صلب تنتجه واحدة من شركتين فقط: نورثروب غرومان، أو L3Harris التي استحوذت على إيروجيت روكيتداين. وتصف Breaking Defense هذا الاحتكار الثنائي بأنه من أخطر نقاط الاختناق في صناعة الصواريخ الأمريكية، حتى إن تعويض ما أرسل إلى أوكرانيا وحدها قد يحتاج، بطرق الإنتاج التقليدية، إلى أكثر من عشر سنوات.
وتعمل واشنطن على توسيع قدرة الشركتين؛ فنورثروب تستهدف رفع إنتاجها من نحو 13 ألف محرك في 2024 إلى 25 ألفاً بحلول 2029، بينما تبني L3Harris مجمعاً جديداً في أركنساس بقيمة 400 مليون دولار.
وفي الوقت نفسه، تحاول إدخال موردين جدد. فقد افتتحت أندوريل مصنعاً في ميسيسيبي يستهدف إنتاج ستة آلاف محرك تكتيكي سنوياً بنهاية 2026، وحصلت X-Bow على عقود تتجاوز 250 مليون دولار لتصبح مورداً ثالثاً معتمداً، بينما تعمل Ursa Major على نموذج تصنع فيه معظم المكونات بنفسها. وبلغ عدد استثمارات الحكومة في القطاع عبر قانون الإنتاج الدفاعي ثمانية، بنحو 120 مليون دولار.
لكن خلف المحركات عنق زجاجة آخر. فمادة فوق كلورات الأمونيوم، التي تمد الوقود بالأوكسجين اللازم للاحتراق، ينتجها في أمريكا الشمالية مصنع واحد تملكه AMPAC في يوتا. وأعلنت الشركة توسعة بقيمة 100 مليون دولار لزيادة طاقته بأكثر من 50%، يُفترض اكتمالها خلال 2026.
مصانع الحلفاء
الحل الآخر هو توزيع الإنتاج خارج الولايات المتحدة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، سلمت اليابان واشنطن أول دفعة من صواريخ باتريوت المصنوعة على أراضيها لتعويض ما أرسلته الولايات المتحدة إلى أوكرانيا.
وتنتج ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة، الشركة الوحيدة المرخص لها بإنتاج هذه الصواريخ خارج الولايات المتحدة، نحو 30 صاروخاً سنوياً، بينما يتفاوض البلدان على إنتاج مشترك للنسخة الأحدث MSE.
وفي أوروبا، يستعد مصنع كوملوغ في بافاريا الألمانية، وهو مشروع مشترك بين رايثيون وMBDA، لبدء الإنتاج نهاية 2026 وتسليم أولى دفعاته مطلع 2027، ليصبح أول خط لإنتاج باتريوت في أوروبا، ويلبي طلبية مشتركة بألف صاروخ GEM-T قيمتها 5.5 مليار دولار.
هذا الخيار يضيف طاقة إنتاجية خارج المصانع الأمريكية ويوزع خطر الاستنزاف، لكنه لا يلغي قيود التراخيص والتصدير، كما أن أي حرب كبيرة ستدفع الدول المنتجة إلى تقديم احتياجاتها الوطنية على التصدير.
الاعتراض الرخيص
بدل انتظار المصانع، هناك حل أسرع: استخدام سلاح أرخص لإسقاط الهدف الأرخص. فوق البحر الأحمر، استخدمت المقاتلات الأمريكية صواريخ APKWS الموجهة بالليزر ضد المسيّرات، بسعر يقارب 35 ألف دولار للصاروخ، بدل صواريخ جو-جو يتراوح ثمنها بين نصف مليون ومليون دولار. وبحسب التقارير، حققت هذه الصواريخ قرابة نصف الإسقاطات في عملية «الفارس الخشن»، ويجري اختبار مقاتلات F-15E تحمل 42 صاروخاً منها في الطلعة.
وفي أوكرانيا، يسقط مدفع «جيبارد» الألماني مسيّرات شاهد بقذائف يتراوح ثمنها بين 300 وألف دولار، بينما تقول القيادة الأوكرانية إن المسيّرات الاعتراضية تسقط نحو 70% من مسيّرات شاهد. وهناك أيضاً أسلحة الليزر، مثل «الشعاع الحديدي» الإسرائيلي، التي لا تتجاوز تكلفة إطلاقها عملياً ثمن الطاقة الكهربائية، وإن كان استخدامها في حرب 2026 محدوداً بسبب قلة البطاريات المنشورة.
ولخص الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) روبرت تولاست المشكلة، في تعليقه على استخدام مقاتلات الناتو ضد مسيّرات روسية رخيصة فوق بولندا، بالقول إن معادلة التكلفة غير المتكافئة «لا تعمل».
ميزة هذه البدائل أنها تخفض معدل استهلاك المخزون فوراً. لكنها تصلح أساساً ضد المسيّرات وصواريخ كروز البطيئة، ولا تحل محل ثاد والاعتراضيات الثقيلة في مواجهة الصواريخ الباليستية.
لا تعترض كل شيء
كل الحلول السابقة تعالج جانب العرض: كيف ننتج أكثر وأسرع وأرخص؟ لكن هناك جانباً آخر يغيب عن معظم الخطط: الطلب على الصواريخ الاعتراضية نفسها. فإذا كان كل جسم يطلقه الخصم يستدعي صاروخاً اعتراضياً، يصبح معدل استهلاك مخزونك في يده. هو يختار توقيت الهجوم وحجمه، وتتحول ورشته الرخيصة إلى دفتر طلبات لمصانعك الغالية.
وهنا يفيد منطق التأمين. فهناك خطر نادر ومدمر، مثل الزلزال، وخطر أقل تكلفة لكنه متكرر، مثل خدوش السيارات. الأول يستحق تأميناً غالياً بسبب حجم الخسارة المحتملة، بينما يُدار الثاني بطريقة مختلفة لأن محاولة منع كل خسارة صغيرة قد تصبح أغلى من الخسارة نفسها.
الصاروخ الباليستي يشبه الخطر الأول، ولذلك يكون استخدام اعتراضية باهظة ضده منطقياً. أما أسراب المسيّرات الرخيصة والمتكررة، فهي أقرب إلى النوع الثاني. والمشكلة أن جزءاً كبيراً من الدفاعات الغربية الثقيلة صُمم لمواجهة "خطر الكارثة"، ثم تغير التهديد مع انتشار المسيّرات والصواريخ الرخيصة بكميات كبيرة، بينما استمر الرد عليها أحياناً بالأدوات نفسها.
وتقدم "القبة الحديدية" مثالاً على منطق مختلف. فالمنظومة تحسب مسار الصاروخ ومكان سقوطه، وإذا أظهرت الحسابات أنه سيسقط في منطقة خالية ولا يمثل خطراً يستحق الاعتراض، يُترك ليسقط من دون إطلاق صاروخ عليه.
ومن هنا قد يكون أرخص الحلول هو تغيير طريقة استخدام المخزون نفسه: حماية المنشآت والمناطق الحساسة بكثافة، واستخدام الوسائل الأرخص ضد التهديدات الأرخص، وقبول مرور أهداف لا يُتوقع أن تسبب ضرراً كبيراً، مع الاحتفاظ بثاد وSM-3 والاعتراضيات الثقيلة للصواريخ الباليستية والتهديدات الأعلى قيمة.



















