"قرية المعلمات".. مقدسيات رفضن أن تنتهي رسالتهن بورقة التقاعد
سياسة
5 دقيقة قراءة
"قرية المعلمات".. مقدسيات رفضن أن تنتهي رسالتهن بورقة التقاعدانطلقت الحكاية عام 2006 برؤية قادتها المربية الراحلة فاتنة الفتياني ونخبة من الزميلات، ليحوّلن تراكم سنوات الخدمة، التي تجاوزت ربع قرن بين التدريس وإدارة المدارس، من الغرف الصفية إلى رحاب العمل المجتمعي في خدمة القدس وأهلها.
رغم شح التبرعات والأزمة المالية التي تواجهها الجمعية اليوم، استطاعت "القرية" أن تحول التحديات إلى إنجازات

كان هدفهنّ واضحاً: خبرة تزيد على ربع قرن ومسيرة مليئة بشغف التعليم وخدمة الطالب المقدسي لا يمكن أن تنتهي بورقة التقاعد. من هنا، وُلدت فكرة "جمعية قرية المعلمات المقدسية" لتكون امتداداً لرسالة وطنية ومجتمعية لا تتوقف، ومجموع ثمار خبرات مختلفة لمعلمات ومربيات ومديرات من شتى الخلفيات العلمية اجتمعن وتعاهدن على استمرار العطاء في دعم التعليم في القدس والذي يعاني ويحارب الطمس والتشويه.

الخبرة في خدمة التعليم

حين تتراكم الخبرة وسنوات العمر في خدمة التعليم ويصبح العطاء جزءاً لا يتجزأ من كينونة الإنسان، لا تصبح ورقة التقاعد نهاية المطاف، بل بداية لفصل أعمق. هذا ما تؤكده المربية المقدسية أنعام سنقرط (81 عاماً)، مدرسة الرياضيات الحاصلة على الماجستير في الإدارة التربوية والمعلمة الأولى على القدس عام 1998، والتي تقلدت منصب نائبة رئيسة "جمعية قرية المعلمات المقدسية" مع انطلاقتها جنباً إلى جنب مع المؤسسة الراحلة فاتنة الفتياني.

وتتطرق سنقرط في حديثها مع TRT عربي لبداية تأسيس القرية مستذكرة البحث عن الاسم، حيث اتفقت المعلمات على اسم "قرية" لما فيها من تجانس سكاني ومحبة وألفة بعيداً عن صخب المدن، لتكون بداية تجمع نخبة من الأفراد المجتمعية القوية المتعلمة.

 تقول سنقرط: "بدأنا من لا شيء تقريباً؛ واجهتنا عقبات في الترخيص، وكانت مشكلتنا الكبرى وما تزال هي إيجاد مقر، فكنا نلتقي في البداية داخل المدارس بعد الدوام المدرسي، ثم انتقلنا إلى غرفة صغيرة جداً مساحتها (4×4)، وصولاً إلى مقرنا الحالي في الصوانة".

وتؤكد سنقرط، رغم شح التبرعات والأزمة المالية التي تواجهها الجمعية اليوم، استطاعت "القرية" أن تحول التحديات إلى إنجازات بفضل نسوة تجاوزت خدمة معظمهن ربع قرن. فقد أطلقت الجمعية مشاريعها على منحنيين؛ الأول في دعم الطالب المقدسي عبر إطلاق صندوق الطالب الفقير، وكفالة الطلاب الأيتام، لمساعدة الطلبة على إكمال دراستهم ومسيرتهم الجامعية. والثاني في تمكين المرأة وإيجاد أفكار لزيادة إيرادات الجمعية من خلال أطلاق مشروع مطبخ إنتاجي، وإقامة ورشات للطبخ والحلويات، ودورات الخزف والتراث، إلى جانب استضافة أطباء ومحامين لتقديم توعية شاملة، ليقترب عدد المنتسبات اليوم من مئة سيدة انطلقت الكثير منهن نحو مشاريعهن الخاصة.

ولم تقتصر الإنجازات على ذلك، بل امتدت لكسب ثقة مطلقة من أهالي القدس الذين عهدوا إلى الجمعية بتوزيع أضاحي العيد على المحتاجين. وتختتم سنقرط حديثها قائلة: "أنا فخورة بالأفكار التي طرحناها والإنجازات التي حققناها؛ بخاصة عندما أرى ثمار مشاريعنا. مثلاً حين أسأل سيدة عن سر نجاح حلوياتها فتخبرني أنها تعلمته من الجمعية وأنها انطلقت بمشروعها الخاص، أو حين أرى طالباً يزورنا حاملاً باقة ورد ليشكرنا لمساعدته. تسعدنا جداً هذه التفاصيل".

من شعلة التأسيس إلى "الكنعانيات"

المنتسبات للقرية لم يكن معلمات عاديات تنتهي مهمتهن بعد الدوام الدراسي، بل هن مربيات وسيدات وفيات للمدينة المقدسة التي يعاني التعليم فيها الأمرّين، ويواجه اليوم محاولات طمس وتشويه، لتنهض تلك السيدات بتضافر جهود داخل مقر الجمعية لتنتجن أفكاراً تتجاوز كل عقبة تدعم بها الطلبة وتمكن فيها المرأة.

إحدى العضوات هي المربية رحاب غوشة، المعلمة التي أمضت 37 عاماً في التعليم، والمعروفة بحرصها على حماية الذاكرة الوطنية وأرشيف عائلة غوشة الذي يوثق فصول النكبة والنضال الفلسطيني في حي الشيخ جراح بالقدس.

انضمت غوشة للقرية منذ تأسيسها عام 2006. وفي مقابلة مع TRT عربي تستذكر غوشة زميلتها الراحلة فاتنة الفتياني التي كانت تطمح دوماً لإنجازات جديدة، كان أكبرها بيت يجمع المعلمات المتقاعدات الوحيدات، سواء غير المتزوجات أو من تزوج أبناؤهن، وهو مكان سيوفر لهن الأمان والدعم والراحة. لكنها توفيت قبل إنجاز الفكرة التي صارت حلم بسبب ارتفاع كلفة المنازل في القدس. ولن أنسى أبداً تكرارها للفكرة وهي على سرير المرض”.

وعن التحديات التي واجهت القرية، تقول غوشة: "كنا نعتمد على التبرعات والتمويل الذاتي من أعضاء الجمعية؛ فبعض المعلمات تبنين طلبة، وأخريات أدرن مشاريع صغيرة مثل مطبخ الجمعية. وللأسف، قلت المساعدة اليوم بسبب شح التمويل وارتفاع إيجار المكان”. لكنها أكدت أنه "في كثير من الأحيان تنجح أفكارنا ومشاريعنا، وأحياناً أخرى تفشل، لكننا حين نفشل نبحث دائماً عن فكرة جديدة”.

وتضيف غوشة لما قالته زميلتها السابقة عن إنجازات الجمعية: "الإنجازات تكللت ببرامج جديدة كالإرشاد النفسي بالشراكة مع مركز الفلسطيني للإرشاد، وتأسيس مجموعة "الكنعانيات" اللواتي يجتمعن كل ثلاثاء لنحيك أعمالاً يدوية ونقوم بمسارات إلى القرى المهجرة، لتصبح القرية بالفعل بيتهن الثاني. عدا عن أن الكثير من الطلاب الذين حصلوا عن مساعدات من القرية يعودون كمتطوعين فيها”.

وفاء العهد والذاكرة الحية

هذه الإنجازات العظيمة، نبعت من مربيات ومعلمات وإداريات بتن لإنخراطهن في العطاء أمهات للمجتمع المقدسي، يحملن همه ويعطين بلا حدود، بل ولم يتوقفن يوماً عن ابتكار أفكار جديدة. هذا النسيج المتماسك، تؤكدة المربية هندي الديجابي، والتي عايشت أيضاً محطات مفصلية من انطلاقة القرية عام 2006 مع الراحلة فاتنة الفتياني، وعملت عضوة إدارية فيها لمرحلتين انتخابيتين.

توضح الديجاني دوافع التأسيس: "وجدت المعلمات أنفسهن بعد التقاعد في حالة فراغ، لكنهن أدركن أن بإمكانهن إفادة المجتمع المقدسي وتبادل الخبرات. من هنا اخترنا اسم "القرية" لأنها تضم عائلة واحدة لما تضم من اسرة واحدة مترابطة هدفها إفادة الأهل والمجتمع والإستفادة من تبادل الخبرات”.

وعن المشاريع التي لا تنضب في خدمة القدس، تضيف الديجاني: "ما زلنا على عهدنا؛ نقدم مساعدات للأسر الفقيرة، ونغطي التكاليف الطبية لمن لا يملك تأميناً صحياً، عدا عن الحقائب المدرسية في بداية العام، وتوزيع ملابس العيد والأضاحي، والرحلات الترفيهية لعضوات الجمعية للتعرف على البلاد. ولم تتوقف المسيرة عند هذا الحد، بل أضفنا برامج جديدة كدورات استخدام الهاتف المحمول، ودروس التقوية للطلبة، واستمرار مجموعة الكنعانيات للأشغال اليدوية".

وتختتم الديجاني مستذكرة تجمعاتهن في المناسبات كإفطارات وفاعليات رمضان في الفندق الوطني، مؤكدة: "أنا ما زلت عضوة فعالة، وأحث المجتمع على إبقاء هذه الجمعية نشطة وحيّة، لأنها جزء أساسي من هيكل مجتمعنا، ولن ننسى أبداً فضل الحبيبة فاتنة وذكراها العطرة التي تجمِعنا دائماً".

بعد عشرين عاماً من العطاء اللامحدود والأفكار الخلاقة المستمرة، تظل "قرية المعلمات" في القدس أعمق من مجرد جمعية خيرية؛ فهي حكاية صمود خطّتها نساء أردن للحياة في المدينة أن تظل نابضة بالعطاء. معلمات متقاعدات حوّلن بإرادتهن وخبراتهن فكرة بسيطة ولقاءات قصيرة في غرفة صغيرة لا تتسع إلا لطاولة وبضعة كراسي، وصولاً إلى مكان يعج بالإنجازات، وبيت لكل طالب يبحث عن الدعم، وامرأة تؤمن بالأمل.


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
مقتل شخص وإصابة 3 باستهداف سفينة تجارية إيرانية في مضيق هرمز
قتيل و102 ناجين بعد غرق عبّارة كانت تقل 243 شخصاً في إندونيسيا
مباحثات عراقية إيرانية حول الإجراءات المتخذة بشأن الهجوم على السعودية
فيلم يوثق مجازر الاحتلال الإسرائيلي في غزة يُمنح "جائزة لجنة التحكيم الخاصة" بمهرجان البندقية
فيدان وعراقجي يبحثان أزمة مضيق هرمز والهجمات على السعودية
البحرين ترفض اجتماعاً إقليمياً بشأن مضيق هرمز بسبب مشاركة إيران
العراق وإيران يحققان بشأن منصات مسيرات وسط إدانات عربية لهجمات "شرق-غرب" بالسعودية
اليمن.. غارات على شاحنات حوثية ومقتل ضابطين و3 أفراد من أسرة واحدة
إعلام عبري يتحدث عن تأجيل المفاوضات مع لبنان إلى أكتوبر.. وعون: لا محادثات جديدة حالياً
السعودية توقف مؤقتاً خط "شرق-غرب" النفطي.. والعراق يقيل قائداً أمنياً ويغلق معابر حدودية مع إيران
الجيش اليمني يعلن إحباط هجوم حوثي في مأرب وغارات على مواقع الجماعة بالضالع
اتفاقية إيرانية-عُمانية مرتقبة بشأن هرمز.. وطهران: لا تفاوض مع واشنطن بلا قبول شروطنا
انطلاق قمة بريكس بنيودلهي.. ورئيس الصين بالهند لأول مرة منذ 7 سنوات
إدانات عربية وخليجية لاستهداف خط أنابيب "شرق-غرب" بالسعودية
العراق يقر بانطلاق الاعتداء على السعودية من أراضيه ويعفي قائدا أمنيا