كما أعلنت مقتل واعتقال عدد من المقاتلين المنتسبين إلى تنظيم داعش الإرهابي بالمنطقة.
وقالت وزارة الجيوش الفرنسية في بيان لها إن فرنسا قرّرَت عقب مشاورات مع السلطات الانتقالية في مالي ودول المنطقة "استئناف العمليات العسكرية المشتركة، وكذلك المهامّ الاستشارية الوطنية التي عُلّقت منذ 3 يونيو/حزيران.
ولم يكن مستغرباً وقتها أن تعلّق فرنسا عملياتها العسكرية في غرب إفريقيا المعروفة بعمليات "برخان" من أجل محاربة ما أسمته بالجماعات الجهادية ومكافحة الإرهاب.
برّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعليق عمليات "برخان" حينها بأن الوضع السياسي في مالي قد تغير بشكل عنيف بعد "الانقلاب داخل الانقلاب"، وأن الجيش لا يمكنه البقاء في بلد يفتقر قادته إلى الشرعية الديمقراطية ويميلون إلى الإسلام "الراديكالي".
في إشارة إلى الانقلاب الذي قام به قائد المجلس العسكري العقيد آسيمي غويتا في 25 مايو/أيار 2021 واعتقال رئيس الدولة ورئيس الوزراء. وقال العقيد أسيمي غويتا إن الرئيس باه نداو ورئيس الوزراء مختار عوين فشلا في أداء مهامّهما، وكانا يريدان تخريب عملية التحول في البلاد. في الوقت الذي اعتبر الغرب ما قام به العقيد آسيمي انقلاباً قوّض الفترة الانتقالية الهشة، وبات احتمال إجراء الانتخابات أوائل عام 2022 محلّ شكّ.
ومنذ مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي في عمليات قتالية ضد معارضيه في شمال البلاد في 20 أبريل/نيسان 2021 وتشكيل مجلس عسكري بقيادة الجنرال محمد كاكا نجل الرئيس الراحل لقيادة البلاد في مرحلة انتقالية مدتها 18 شهراً، اتسم الموقف الفرنسي بالارتباك في التعامل مع الأحداث السياسية المتلاحقة التي باتت تخرج عن السيطرة شيئاً فشيئاً.
فعودة الانقلابات العسكرية كان لها تأثير كبير على الصراع في المنطقة، ليس حصراً فقط على مالي، أو تشاد التي تم فيها توريث الحكم بصورة مباشرة. هذه التحولات وضعت فرنسا في مأزق، لأن القيم المعلنة لفرنسا أنها لا تؤيد الانقلابات وتجنح إلى التغيير السلمي عبر الانتخابات، ولكن البراغماتية وحسابات المصالح الذاتية غلبت على المبادئ المصطنعة، فقد أيدت فرنسا توريث ابن إدريس ديبي الحكم في تشاد، فيما أدانت الانقلاب في مالي، مطالِبةً بوضع انتقالي ديمقراطي هناك.
بدا واضحا أن عملية "برخان" التي تقودها فرنسا في منطقة الساحل والصحراء والتي تشمل خمس دول (مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو وموريتانيا) والتي بدأت منذ العام 2014 لم تحقق انتصاراً حاسماً على الأرض ضد الجماعات الجهادية والحركات السلفية التي انتشرت في مساحات واسعة في تلك البلدان، والتي تعاني مشكلات معقدة وظروفاً قاسية.
فإلى جانب تلك الجماعات المسلحة وصراعات الحدود، كانت المشكلات الاقتصادية والفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية دافعًا إلى نموّ الإرهاب وتجلّيه على تلك المنطقة من العالم وسكانها، وحافزاً لأن تكون مصدراً وممراً للهجرة إلى الشواطئ الأوروبية.
كانت فرنسا تعلم تماماً بأن خروجها من المنطقة، عسكرياً أو سياسياً، سيعمل على تدوير زوايا الصراع لصالح الحركات الجهادية والجماعات السلفية التي لا تقوى الحكومات الوطنية على وقفها وتحجيم طموحها.
هل فشلت فرنسا في كسر شوكة الحركات الجهادية كما فشلت أمريكا في أفغانستان مع طالبان؟
كانت عملية "برخان" العسكرية منذ بدايتها في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند ومنذ عام 2014 محلّ جدل سياسي وإعلامي في الأوساط الفرنسية، بخاصة أنها هي العملية الكبرى التي تقودها فرنسا خارج حدود الجمهورية.
مؤخراً أجمع معظم وسائل الإعلام على عدم جدوى العملية العسكرية ورحبت بإعلان ماكرون تعليقها، إذ إن قرار تعليق عملية "برخان" يضع حدّاً للوهم بشأن أي انتصار عسكري محتمَل.
خلصت صحيفة "لوموند" الفرنسية إلى أن إعلان ماكرون قرار تخفيض عدد القوات الفرنسية في العملية والانسحاب التام بحلول 2023 "لا يعني سوى أن نتائج 8 سنوات من التدخل الفرنسي في منطقة الساحل ليست رائعة".
لم تحقّق فرنسا نصراً حاسماً على الحركات الجهادية التي لا تزال تحتفظ بمساحات واسعة من الأراضي، بخاصة في شمال مالي ومنطقة أزواد التي تسيطر عليها جماعة "التوحيد والجهاد". ضمت أزواد حركة "أنصار الدين" التى تتبع السلفية الجهادية أيضًا، والتي تأسست فى 2011 فى كيدال، وتَزعَّمها إياد آغا غالي، ولقد حارب أبناؤها ضد حكومة مالى فى التسعينيات من القرن العشرين ضمن صفوف "الحركة الشعبية لتحرير أزواد". وتسعى الحركة إلى فصل الشمال المالي وتأسيس دولة الخلافة الإسلامية.
كما تمثل حركة بوكو حرام تهديداً واسعاً في شمال نيجيريا، ويمتدّ تأثيرها حتى الكاميرون وتشاد، هذا فضلاً عن أن لتنظيمَي القاعدة وداعش خلايا نشطة في الإقليم.
وبعد ثمانية أعوام من القتال خسرت القوات الفرنسية أكثر من 50 جندياً، 5 منهم منذ بداية العام الحالي، وشارك في العملية منذ تأسيسها 5100 جندي، وارتفعت ميزانية العمليات العسكرية الفرنسية على الصعيدين الخارجي والداخلي أكثر من 60 مليون يورو في العام 2020 مقارنة بعام 2019، مما ولد ضغطاً شعبياً على حكومة ماكرون التي لم تقدّم ما يبرّر أهمية العمليات العسكرية ونجاحها في الحد من خطورة الحركات الجهادية، بخاصة أن أكثر من مليون مدني قد نزحوا وقُتل أكثر من 25 ألف من المواطنين السلميين نتيجة لهذه العمليات.
لماذا عادت فرنسا مرة أخرى لإحياء عملية "برخان"
حاولت فرنسا بإعلان تعليق عملياتها العسكرية المشتركة مع الجيش المالي الضغط على حكام مالي الجدد بعد إعلان نيتهم الدخول في مفاوضات مع الجماعات الإسلامية المسلحة، إلا أن مخاوف آيديولوجية جعلت فرنسا تتراجع سريعاً عن موقفها وتتحدث عبر وزارة الجيوش الفرنسية عن مخاوف أوروبا وضرورة تأمين الخاصرة الجنوبية للقارة، مؤكدة ضرورة عدم السماح لمنطقة الساحل وإفريقيا بشكل أوسع بأن تصبح منطقة لجوء وتوسُّع لهذه الجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيمَي داعش والقاعدة.
يأتي هذا الاعتراف الواضح بأن فرنسا والعمليات الأوربية المشتركة في غرب إفريقيا قد فشلت في الحد من خطورة وسطوة الحركات الجهادية المنتشرة في المنطقة، في حين أن خروج القوات العسكرية من المنطقة سيعجّل بسقوط الحكومات الوطنية في تلك الدول، مثلما لم تتمكن القوات الأمريكية في عشرين عاماً من الحدّ من خطورة طالبان أو كسر شوكتها القتالية. فها هي ذي طالبان الآن وقبل خروج القوات الأمريكية بصورة كاملة تسيطر على أكثر 70% من الأراضي الأفغانية، ولم تصمد أمام مقاتليها القوات الحكومية.
من المؤكد أن التجربة الأمريكية في أفغانستان ستدفع فرنسا وأوروبا عموماً إلى دراسة وإعادة تقييم الموقف في إقليم الساحل، إذ إن عودة طالبان إلي الواجهة بهذه الشراسة ستكون داعماً ودافعاً للحركات الجهادية في غرب إفريقيا التي ستكون مصدر تهديد، ليس لمصالح فرنسا وحدها، بل أوروبا بصورة مباشرة، وفقاً لمقتضيات الموقع الجغرافي، وسيؤدي إلى تعقيداتٍ فرنسا في غنى عنها، بخاصة أن بنك الأهداف والمطامع الأوروبية سيظل في توسع بهدف استغلال الثروات الطبيعية لتلك المناطق، التي ليس من بينها أمن ورفاهية مواطني تلك البلاد.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.