مضت ثلاثة أشهُر على بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، منها ما يقرب من سبعين يوماً على المناورة البرية في القطاع التي يشارك فيها أغلب الفرق والألوية العسكرية الإسرائيلية، استدعى الجيش الإسرائيلي على إثرها مئات الآلاف من جنود الاحتياط، معطلاً بذلك حركة الحياة الطبيعية للقطاع المدني الإسرائيلي أملاً في تحقيق أهداف الحرب والقضاء على المقاومة.
وبعد أن غَرِقَ الجيش الإسرائيلي وفرقه المدرعة في رمال غزة محاولاً تحقيق هدفه المزعوم، نفّذ انسحابات عديدة بشكل مفاجئ في مختلف الأحياء التي سيطر عليها في مدينة غزة وشمالها، متعارضاً بذلك مع الهدف الذي أعلنه لهذه الحرب.
سياق الانسحابات العسكرية المفاجئة
في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي فوجئ سكان أحياء الزيتون وتل الهوا والشجاعية وسكان بلدتي بيت حانون وبيت لاهيا، وقبلها بأيام سكان أحياء وسط مدينة غزة ومدينة جباليا، بانسحاب قوات الجيش الإسرائيلي منها بعد أن جرى عديد من الاشتباكات المتلاحمة في شوارع وأزقة تلك الأحياء والبلدات، مخلفة دماراً شاسعاً في البنية التحتية ومنازل المواطنين، فيما عاد بعض السكان الذين نزحوا إلى بعض مراكز الإيواء والمدارس المجاورة إلى تفقد منازلهم وشوارعهم التي عاث الجيش الإسرائيلي بها فساداً، وعادت الحياة مرة أخرى بشكل جزئي وسط ترقب كبير من الأهالي.
ومن خلال الصور الجوية والمرئيات الفضائية التي تُظهِر حركة الآليات الإسرائيلية فإن قوات الجيش الإسرائيلي لم تنسحب بشكل كامل، وإنما تمركز بعضها في أطراف مدينتي غزة وشمالها، بالأخص في ساحل شمال القطاع، ومنطقة نتساريم وجحر الديك التي تفصل شمال قطاع غزة عن وسطه وجنوبه.
انسحاب أم إعادة نشر؟
خلال الشهر الماضي خرج المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي مراراً وتكراراً، معلناً قضاءه على الكتائب المناطقية لكتائب القسام، بداية من كتيبة الشاطئ ومروراً بكتيبتَي الشجاعية وجباليا، وبهذا الإعلان يعتبر الجيش الإسرائيلي أن هدفه الرئيسي قد تحقق، وأنه بسيطرته المؤقتة على جزء من الأرض أو بقتله لقادة الكتائب المناطقية قد حقق نصره "السريع والحاسم والرادع"، موهماً نفسه والرأي العام الداخلي بتحقيق الهدف حتى لا يطيل البقاء معرضاً قواته لحرب استنزاف تفقده مزيداً من الضباط والجنود بسبب الانتشار الكبير في هذه المساحة السكانية الكثيفة.
لذا يتبين أن الجيش قد سحب هذه القوات ليُعيد نشرها في محور التقدم الجديد، ويعزز بها هجومه على مخيمَي البريج والمغازي في وسط قطاع غزة، حيث حوّل الفرقة رقم 36 التي شاركت في العمليات العسكرية بالجزء الجنوبي من مدينة غزة إلى مدن وسط القطاع، ودعم أيضاً قواته المنتشرة في مدينة خان يونس بلواء قتالي سابع، ورغم هذا لم يدخل سوى ثلث المدينة، فمساحة خان يونس الكبيرة وكثافتها السكانية تؤهلانها لابتلاع كل ألوية الجيش الإسرائيلي التي جرى دعم قوة الجيش بها.
كما يرجح أن مهمة بعض القوات تدعيم الجبهة الشمالية، التي يزداد الموقف فيها تعقيداً يوماً بعد يوم، ومنذ أن بدأ حزب الله هجومه على المواقع الحدودية على طول السياج الحدودي نشر الجيش الإسرائيلي بعض ألوية الاحتياط خوفاً من تطور الاشتباكات.
سر تسريح الألوية الاحتياطية
في السياق ذاته سَرَّحَ الجيش الإسرائيلي فرقة احتياطية وخمسة ألوية كانت تشارك في القتال داخل قطاع غزة، وهي الفرقة الاحتياطية المدرعة رقم 252 المعروفة باسم فرقة سيناء، واللواء المظلي الاحتياطي رقم 551، واللواء المدرع الاحتياطي رقم 14، بالإضافة إلى ألوية التدريب، وهي: لواء مدرسة قادة فصائل المشاة والمهن (بيسلماخ)، ولواء مدرسة سلاح المدرعات رقم 460، ولواء مدرسة الضباط رقم 261.
ويدعي الجيش أن سبب تسريح هذه الألوية هو بغرض العودة لتدريب قادة جدد، بالإضافة إلى تفاؤل الجيش بانخفاض أعداد الصواريخ التي يجري إطلاقها على إسرائيل، وهذا نصرٌ زائف لم يدُم الاحتفال به طويلاً، إذ احتفلت المقاومة بالسنة الميلادية الجديدة مطلقة رشقة صاروخية كبيرة على مدينة تل أبيب، مما يؤكد قدرة المقاومة على الاحتفاظ بسلاحها الاستراتيجي الأهم، معاكسة للتحليلات والتوقعات الإسرائيلية.
يعزو البعض سبب انسحابات الجيش وتسريحه لبعض القوات إلى اكتمال المرحلة الثانية من الحرب على الجزء الشمالي من القطاع، والتوجه إلى المرحلة الثالثة، وهي المرحلة التي ينفذ بها الجيش الإسرائيلي عمليات محددة ودقيقة بواسطة الألوية النظامية وبقوات مخفضة، من دون الحاجة إلى الألوية الاحتياطية.
وفي السياق نفسه كتب المراسل العسكري أمير بخبوط أن الجيش الإسرائيلي انتقل في شمال القطاع إلى المرحلة الثالثة من العمليات التي تنفذ بمستوى منخفض من القوات، مما سمح بتسريح الآلاف من جنود الاحتياط إلى منازلهم، وفي هذه المرحلة ستقل حِدَّة القتال وتحل محل المناورة البرية عمليات موجهة، وهي عبارة عن غارات برية لأهداف محددة، وعمليات قصف جوي يأمل الإسرائيليون أن تؤدي إلى انهيار قوة حماس مع مرور الوقت.
وبالإضافة إلى ذلك، حسب ما نشرته قناة كان 11 العبرية، فإنه من المتوقع في المرحلة الثالثة إنشاء ما يشبه الحزام الأمني بين قطاع غزة ومستوطنات الغلاف، وذلك على غرار الحزام الأمني الذي أقامه الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، الذي أثبت فشله مع مرور الوقت واضطر الجيش الإسرائيلي إلى أن ينحسب منه إثر عمليات الاستنزاف الطويلة لقواته.
وبرأينا أن السبب الحقيقي لتسريح هذه الفرق والألوية هو عدم مقدرة الجبهة الداخلية على التحمل في ظل الشلل الذي تعانيه المدن الإسرائيلية بسبب التعبئة العامة وتوقف الحياة بها، مما يدل على ذلك أن الجيش سمح للجنود والضباط بالعودة إلى أعمالهم ومنازلهم، مع احتفاظهم بحمل السلاح.
خلاصة
علَّق محلل الشؤون العربية في القناة العبرية الثالثة عشر تسفي يحزقيلي على التقارير التي تحدثت عن سبب عدم اهتمام حماس بصفقة تبادل جديد، وقال إن "أكثر ما تحدثت عنه حماس في اليوم الأخير هو أنهم يحاولون فهم ما يعنيه التغيير في نشر القوات، وهذا يجعلهم يغيرون شروط الصفقة".
وهذا يعني أن المقاومة تتابع بجدية بالغة حركة توزيع ونشر القوات وتأثيرها في سير المعركة وسير المفاوضات أيضاً، وعلمها بأن إسرائيل لا تتحمل خوض الحروب الطويلة، وعاجلاً أم آجلاً سيُضطَرّ الإسرائيليون إلى طرح شروط جديدة تقبل بها المقاومة من أجل إنهاء حالة النفير والتعبئة العامة داخل إسرائيل، وبالطبع الجبهة الشمالية مرتبطة كلياً بما تنتجه الجبهة الجنوبية، فتوقف الحرب على القطاع يعني انتهاء الاشتباكات على الحدود اللبنانية إذا لم تنزلق المواجهات إلى تصعيد في الجبهة الشمالية.
لذلك تصبّ جميع الانسحابات التي حصلت في مدينتي غزة وشمالها في اتجاهين، الأول إعادة نشر القوات في وسط القطاع وتدعيم محور خان يونس، بالإضافة إلى إسناد بعض الوحدات إلى الجبهة الشمالية، والثاني تخفيف الضغط عن الجبهة الداخلية الإسرائيلية ومحاولة التدريج والعودة إلى روتين الحياة الطبيعية، فعند مقارنة عديد القوات التي جرى تسريحها مقارنة مع التي نقلت إلى الشمال يتضح أن عديد القوات التي سرحت أعلى، وهذا كله يحدث من دون تحقيق أهداف الحرب المعلنة.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.