كان من المقرّر أن توزع حكومة النظام السوري 200 لتر مازوت لكل عائلة سورية للتدفئة مع بداية فصل الشتاء، لكن هذه الوعود لم تكن إلا للتخفيف من سخط السوريين الذين فاض بهم الكيل كما يقول محمود أستاذ اللغة العربية في حي كفرسوسة لـTRT عربي: "ككل عام ننتظر وعد الحكومة بتوزيع المازوت، لكن في أحسن الأحوال توزَّع 100 لتر لا تكفي لأكثر من أسبوعين ولا تُعطى الـ100 لتر الأخرى. هم يضحكون علينا شتاء بعد آخر".
بعض المواطنين باع حصصه قبل أن يستلمها، فبمجرد وصول رسالة على الهاتف الجوال إلى المواطن بموعد التسليم يتم التفاوض على البيع سلفاً، وهذا ما يفسره لنا صحفي يعيش في دمشق (رفض ذكر اسمه لأسباب أمنية)، يقول لـTRT عربي: "الظروف الصعبة للناس تدفعهم إلى بيع مستحقاتهم بمبالغ يستعينون بها لقضاء حاجات أكثر ضرورة على الرغم من البرد الشديد، وأغلب هؤلاء من الموظفين الحكوميين وأصحاب الأعمال الحرة، والـ100 لتر مازوت التي تُباع ما بين 20 و25 ألف ليرة سورية تساعد على شراء الطعام واللباس وتأمين جزء من إيجار المنزل".
سوق سوداء منتعشة
حكومة النظام وعدت المواطنين منذ أيام بتأمين كميات جديدة من الوقود عبر صفقات عقدتها مع روسيا وإيران، وقال وزير النقل في هذا الصدد: "وُقّعت اتفاقيات مع كل من روسيا وإيران، لاستيراد حوامل الطاقة، وعلى رأسها المازوت والغاز، وخلال الأيام القادمة سوف يتحسن وضع المحروقات في البلد".
هذه التصريحات لا تجد صدى داخلياً بالنظر إلى تكرارها مراراً دون أن تُحلّ الأزمة فعلياً، ومع استمرار الطوابير على محطات الوقود، وأما الحل فهو في السوق السوداء التي تبيع بأسعار خيالية، فاللتر الواحد بـ1200 ليرة سورية، وبالتالي فإن من يملك المال هو الذي يحصل على الدفء.
طلال سليم صحفي في الداخل السوري يصف في منشور على صفحته على فيسبوك الشريحة التي يوزَّع عليها الوقود تحت عنوان "شكراً حكومتنا": "يبدو أن المازوت هذا العام مخصَّص لمن له امتيازات خاصة عندك. البارحة رجل بنظارات سوداء وحضور مشبوه قال لي: (والله الحمد لله عبينا مازوت)، اليوم وأمام منزلي رجل آخر أيضاً له صفة تموينية ومنذ الصباح الباكر فاض خزانه. يبدو أننا لم نتعظ من آثام الماضي، ولن نتعظ".
ثم يتابع وصف انتهازية وتوحش السوق السوداء: "يبدو أن حكومتنا تظنّ أننا تمسحنا، وصارت جلودنا ميتة من كثرة الصفع، والإهانات اليومية، لذلك لا عيب في بيع مخصصاتنا في السوق السوداء إذ لن نجرؤ على الاعتراض، ولمَ لا ما دام أصحاب المعالي سيجنون أمتاراً جديدة من أموالنا ودمائنا".
وسائط التدفئة.. أسعارها نار
مشكلة أخرى تعوق السوريين عن تأمين دفء عائلاتهم وأطفالهم، هي عدم القدرة على شراء وسائط التدفئة التي اعتادوا أن تكون في بيوتهم، وبأنواعها العادية والكهربائية والتي تعمل على الغاز، والتي ارتفعت أسعارها بشكل مخيف.
ممتاز.أ، موظف في وزراة النقل، يقول لـTRT عربي: "راتبي الشهري 40 ألف ليرة، ومدفاة المازوت الصغيرة الجيدة يتجاوز سعرها 30 ألف ليرة، والمتوسطة بين 40 و60 ألف ليرة، بينما يصل سعر مدفأة الصالون الكبيرة إلى 150 ألف ليرة، أي راتب شهريّ لثلاثة موظفين حكوميين".

المعاناة مع مدافئ الكهرباء مزدوجة، فهي من جهة غالية السعر حسب نوعها وجودتها، وتبلغ قيمتها ما بين 40 و100 ألف ليرة سوري، ولكن لا يمكن الاستفادة منها بسبب انقطاع الكهرباء لساعات طويلة لتصل في بعض مناطق الريف الدمشقي وبعض المحافظات إلى أكثر من 10 ساعات في اليوم، إضافة إلى فواتير الكهرباء المرتفعة.
أما مدافئ الغاز فعند سؤالنا أحد المواطنين قال لـTRT عربي متهكماً: "حتى لو كنت تملك مدفأة غاز، فلا غاز للتدفئة عليه، فالحكومة العتيدة توزّع أسطوانةً واحدة كل ثلاثة أشهر لكل عائلة سورية".
بانتظار الحل السياسي
بالتالي فإن السؤال الملح هو: لماذا هذا الضغط الذي يعاني منه المواطن السوري، وفشل النظام في تأمين احتياجات الناس على الرغم من حضور حلفائه بقوة في المشهد السوري، الذين يملكون الإمكانيات الكبيرة لضخ الإمدادات النفطية؟ فإيران وروسيا في قائمة الدول المنتجة التي تملك احتياطات هائلة؟
الصحفي السوري المقيم في ألمانيا مصطفى السيد يرى أن الجمود السياسي وقانون قيصر ساهما في الضغط على الاقتصاد السوري، يقول لـTRT عربي: "في ظل حالة الجمود السياسي التي تسيطر على الحالة السورية تواصل مؤشرات أمن الطاقة انهيارها نتيجة ازدياد تعمق الضغوط المفروضة على الاقتصاد السوري بموجب مفاعيل قانون قيصر الأمريكي الذي يرعب أهمّ داعمي الحكومة السورية، سواء في روسيا أو في إيران أو في الدول التي تستثمر في أموال الفساد المنهوبة من أموال الشعب السوري".
ويرى السيد أن هذا الضغط أجبر مؤسسات روسية كانت ترغب في الاستثمار في الاقتصاد السوري، على الانسحاب. يقول: "شكّل قانون قيصر قوة أجبرت عدداً من منظومات النهب الروسية على الإفصاح عن تخلّيها عن عقودها ومكاسبها في سوريا، ودرست هذه المجموعات حجم النهب الذي ستجنيه من مساهمتها في الحرب لكسر إرادة الشعب السوري والمخاطر المحدقة برؤوس أموالها في السوق العالمية، فآثرت السلامة وأعلنت انسحابها من تحالفاتها مع الحكومة السورية التي أعلنت الخيار العسكري منذ وقت مبكّر في مواجهة مطالب الشعب بالحرية و العدالة".
كما أن الخيار العسكري الذي تنتهجه روسيا والنظام ساهم أيضاً في عدم استثمار الحكومة وداعميها لحقول الغاز في المنطقة الوسطى. يتابع السيد: "ويأتي تكثف العمليات العسكرية في منطقة تدمر وحقول الغاز لتظهر خسارة الحكومة السورية في رهانها على قوات المرتزقة الروس الذين لم يستطيعوا تأمين المنطقة رغم حصولهم على عقود تؤمّن لهم حصة تعادل ربع إنتاج المنطقة من النفط والغاز، بما يعني انخفاض القدرة الإنتاجية لمعامل الغاز الموجودة في المنطقة الوسطى إلى الشرق من مدينة حمص والتي تزوّد محطات توليد الطاقة الأساسية في المنطقة الوسطى جندر والزارة ومحردة".
حكايات الجوع والبرد
يقول محمد، من سكان حي الميدان، لـTRT عربي: "وصلتني رسالة تعبئة الوقود منذ شهر، ولا أملك ثمن شرائها، وأبحث عمّن يدفع لي فيها بعض المال لأشتري أغطية شتوية وجوارب لأولادي تقيهم البرد، لأني لا أملك ثمن مدفأة، وبالكاد أستطيع دفع إيجار منزلي".
أبو ضياء، من الريف الغربي للعاصمة ويعمل في إصلاح المدافئ، يقول لـTRT عربي: "مهنتي تنتعش في فصل الشتاء، لكنها ككل المهن لا تعول أسرة، والناس هنا أغلبهم فقراء لا يستطيعون الدفع، ويصلحون ما قلّت تكلفته، فتبديل جهاز الصوبيا (المدفأة) يساوي ثمن مدفأةجديدة".
أما ما يفوق البرد فهو الجوع الذي بات يشكّل هاجساً لأغلب السوريين، إذ يُعَدّ تأمين الطعام والشراب وأجرة البيت من أولويات الحياة التي لم تعُد تطاق، ولا يقدر عليها أصحاب الدخل المحدود من موظفين وعمال، وهؤلاء يشكلون الغالبية الفقيرة، وفي هذا الصدد يقول رائد، موظف في وزارة التربية: "التدفئة آخر الهموم؛ هناك الطعام والشراب والمرض، وأزمات الخبز والكهرباء وغاز الطبخ، وأزمة مياه قادمة، إضافة إلى وباء كورونا الذي يتفشى بشكل مخيف دون أن تتخذ الحكومة أي إجراء حقيقي".
شتاء جديد وهموم أكبر من قدرة السوريين على الصمود في وجهها، تترافق مع انعدام أي آفاق لحلّ سياسي يُعوَّل عليه في إحداث انفراجات اقتصادية تساهم في تخفيف الضغط عن الفقراء الذين يتزايدون يوماً تلو آخر.