تابعنا
تسبب ارتفاع درجات الحرارة في معظم أنحاء سوريا، إضافةً إلى العوامل البشرية المرافقة لتغيّر المناخ، في اندلاع الحرائق في المناطق الزراعية والحرجية، خصوصاً في الساحل السوري ومنطقة الغاب.

منذ منتصف يوليو/تموز الماضي، تعاني مناطق غربي سوريا وشمال غربها من موجة حرائق أدّت إلى أضرارٍ واسعة في المناطق الزراعية والحراجية، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة المرافقة لهبوب الرياح.

وكانت أكبر الحرائق في ريف محافظة اللاذقية، التي استمرت لمدّة خمسة أيام متواصلة في مناطق الغابات الساحلية، إذ اندلعت في غابات "مشقيتا، والسرسكية، وسولاس، وخربة سولاس" بريف اللاذقية، مما استدعى تدخل مروحيات روسية، إلى جانب السورية لإخمادها.

ووفق مصادر حكومية، بلغت المساحة المحروقة في "مشقيتا" و"ربيعة" 2400 هكتار، كما أعلن وزير الزراعة في حكومة النظام السوري محمد حسان قطنا، في 30 يوليو الماضي، السيطرة على جميع الحرائق التي التهمت مساحات واسعة من الغابات والأحراج في ريف اللاذقية الشمالي، ودخولها في مرحلة التبريد.

وتأثرت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية جرّاء الحرائق، حسب وسائل إعلام سورية محلية، منها أراضٍ مزروعة بالحمضيات والزيتون والرمان والجوز، في ظل عدم وجود إحصائية واضحة من وزارة الزراعة للخسائر والمساحات الحراجية والزراعية التي أتت عليها النيران.

وتسبب ارتفاع درجات الحرارة في معظم أنحاء سوريا، إضافةً إلى العوامل البشرية المرافقة لتغيّر المناخ، في اندلاع الحرائق في المناطق الزراعية والحرجية، خصوصاً في الساحل السوري ومنطقة الغاب.

اتساع رقعة الحرائق

واستطاعت TRT عربي الحصول على قصص مزارعين تأثروا بحرائق العام الجاري، منهم المزارع ماجد الذي خسر محصوله من الزيتون لهذا العام نتيجة الحرائق التي قضت على أشجاره بمساحة نحو 5 دونمات في ناحية "مشقيتا" في اللاذقية.

ولا يستطيع ماجد -الذي يعتمد محصول أرضه مصدراً للرزق- التأكد من مدى الأضرار التي لحقت بالأشجار، إذ عليه الانتظار حتى فصل الربيع القادم، بعد أن ترتوي الأرض من أمطار الشتاء، حيث الأشجار التي لا تُنبت أوراقاً خضراء مصيرها الاقتلاع، وفي حال لم يقتلعها فعليه الانتظار 7 سنوات كحدٍّ أوسط ليرى أشجاره مثمرة مجدداً.

واندلعت أيضاً حرائق عدّة في مناطق سيطرة المعارضة السورية في أرياف محافظتَي إدلب وحلب، في ظل صعوبات كبيرة لإخمادها؛ بسبب ارتفاع درجات الحرارة وسرعة الرياح التي تزيد من تمدّد الحرائق، ووعورة المنطقة التي تعيق دخول سيارات الإطفاء، وفق ما ذكرته منظمة الدفاع المدني السوري.

محاولات إطفاء فرق "الدفاع المدني السوري" حريق حراجي ضخم في منطقة عين بندق بناحية بداما غربي إدلب (المصدر: الدفاع المدني السوري) (Others)

واندلع الحريق الأكبر الموسم الحالي في 27 يوليو/تموز الماضي في منطقة حراجية بمحيط قرية دير عثمان في ريف إدلب الغربي، واستجابت له فرق الإطفاء في "الدفاع المدني السوري" الذي أشار إلى أنّ حصيلة الحرائق في الشهر الماضي بريفَي إدلب وحلب ارتفعت مقارنةً بالحصيلة اليومية للأشهر الماضية.

وسبقه اندلاع حرائق في مناطق زراعية وحراجية في قرى وبلدات ريف إدلب الغربي أدت إلى تضرر 20 دونماً من الأراضي الحراجية في قرية الدرية، و10 دونمات من الأراضي الزراعية بالقرب من مخيمَين للمهجرين، في منطقة الجميلية بالقرب من مدينة دركوش غربي إدلب، وحريق ثالث في مكب للنفايات بمحيط بلدة الجانودية بالقرب من أراضٍ مزروعة بالأشجار المثمرة، حسب منظمة الدفاع المدني.

خسائر للمزارعين

ويقول أحد المزارعين من بلدة الجانودية بريف جسر الشغور غربي إدلب، إنّ الحريق تسبب بخسائر مادية كبيرة، حيث احترق نحو 7 دونمات زراعية من إجمالي مساحة أرضه المُشجرة بأشجار الزيتون واللوز.

ويرى المزارع في حديثه مع TRT عربي، أنّه لا يوجد حلول إلّا من خلال دعم المزارع لإعادة تأهيل أرضه وإصلاح ما يمكن إصلاحه من خلال تقليم الأشجار المتضرّرة من الحريق جزئياً، وزرع غراس جديدة بدلاً من الأشجار المحترقة بالكامل.

أمّا المتطوع في منظمة الدفاع المدني السوري حميد قطيني، فيقول إنّ للحرائق أضرار كبيرة بيئية وصحية، وعلى الواقع الاقتصادي للمدنيين الذين يعتمدون بشكل كبير على الزراعة كمصدر دخل في مناطق شمال غربي سوريا، حيث تلعب الغابات دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن البيئي، وامتصاص غازات الاحتباس الحراري والحد من تغير المناخ وانجراف التربة.

وأضاف قطيني لـTRT عربي، أنّ حرائق الغابات والمناطق الحرجية تخلّف مخاطر مباشرة على سُبل العيش للمجتمعات المحلية، خصوصاً في شمال غربي سوريا، حيث استُنفد الغطاء النباتي بشكل جائر بسبب ظروف الحرب والتهجير.

ولا يوجد لدى منظمة الدفاع المدني إحصائية دقيقة بعد حول مساحات المناطق المتضرّرة من الحرائق خلال عام 2023 الحالي، لكن وفق المتطوع حميد قطيني، فإنّه منذ مطلع العام الجاري حتى 23 يوليو أخمدت فرق الإطفاء 1745 حريقاً في مناطق شمال غربي سوريا، كان منها 602 حريق في الأراضي الزراعية، و67 حريقاً في الغابات والمناطق الحرجية، فيما توزعت بقية الحرائق على منازل المدنيين والمخيمات والأسواق.

وقبل بدء موسم الحصاد وفصل الصيف الحار، وضعت فِرق الإطفاء في منظمة الدفاع المدني السوري خطة استجابة لحرائق المحاصيل الزراعية والمناطق الحرجية، بهدف الوصول السريع والتنسيق الجيد للاستجابات؛ للتقليل من الخسائر الناجمة عن حرائق المحاصيل والغابات، واتخاذ الإجراءات والتدابير العملية والتوعوية للحدّ من نشوبها، والتعامل السريع معها، حسب قطيني.

استجابة فرق إطفاء "الدفاع المدني السوري" لحريق حراجي اندلع بمنطقة جبلية شديدة الوعورة بمحيط مدينة دركوش غربي إدلب. (المصدر: الدفاع المدني السوري) (Others)

كيف تؤثر الحرائق على الزراعة؟

وتشهد سوريا تحديات بيئية ومناخية تتزامن مع واقع اقتصادي ومعيشي سيئ بعد سنوات من الحرب والنزوح، يُضاف إليها كارثة زلزال 6 فبراير/شباط، الذي خلق صعوبات إضافية للسكان والمهجّرين الذين يواجهون أزمات الجفاف وندرة المياه والحرائق وانخفاض الإنتاج الزراعي.

ويعاني القطاع الزراعي في سوريا من أزمات متتالية تتمثل في تغيّرات المناخ والجفاف والحرائق الموسمية التي ازدادت خلال الأعوام الأخيرة، إضافةً إلى نقص المحروقات وارتفاع أسعار الأسمدة، ما يضع أعباء اقتصادية على المزارعين، ويهدد الأمن الغذائي.

وفي عام 2020 -العام الذي شهدت فيه سوريا أكبر موجة حرائق في تاريخها- دمرت الحرائق أكثر من 30 ألف هكتار من الأراضي الزراعية والغابات، مما أدّى إلى فقدان أكثر من 27 ألف عائلة منازلها وسُبل العيش وفرص الوصول إلى الموارد الطبيعية.

وحول تأثر الزراعة في سوريا من الحرائق الموسمية، يقول الصحفي السوري المختص بالقضايا البيئية زاهر هاشم، إنّ حرائق الغابات أتت على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية؛ مما أدّى إلى فقدان كميات كبيرة من المحاصيل الزراعية مثل القمح والشعير والبقوليات، والثروة الحيوانية، ومساحات تربية النحل والطيور والدواجن، والأشجار المثمرة مثل الزيتون والجوز والفستق التي تعد محاصيل مهمة في الشمال السوري.

ويلفت هاشم في حديثه مع TRT عربي، إلى أنّ هذه الحرائق تهدد بفقدان الأمن الغذائي لدى المزارعين، وفقدان سُبل العيش، بالإضافة إلى تشريد أعداد كبيرة من سكان المناطق المحاذية للغابات.

ويضيف أنّ الحرائق أضرّت بالأشجار الحراجية التي تعد مصدراً مهماً لتنقية الهواء من الملوثات والجسيمات الدقيقة التي تضر الجهاز التنفسي، كما تعمل على تماسك التربة ومنع انجرافها وصدّ الرياح وتقليل العواصف الترابية، إضافةً إلى دورها الكبير في امتصاص ثاني أكسيد الكربون، إذ يُمكن لشجرة واحدة امتصاص نحو 150 كيلوغراماً سنوياً من هذا الغاز الذي يُعد أحد أهم مسببات ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتؤدي حرائق الغابات إلى تخريب التربة الزراعية وجعلها غير صالحة للاستخدام لسنوات طويلة، والقضاء على المغذيات العضوية التي تزيد خصوبتها، كما تتسبّب بتلويث مصادر المياه والآبار، الأمر الذي يضاعف معاناة المزارعين ويفاقم خسارتهم، وفق هاشم.

ويحث الصحفي البيئي على البدء بإعادة استصلاح الأراضي الزراعية بشكل عاجل، وتأمين البذور والأسمدة للمزارعين، والتخلص من البقايا الزراعية المحروقة وإنشاء مناطق عازلة خالية من الأعشاب والشجيرات في الأراضي الزراعية المحاذية للغابات؛ لمنع انتشار الحرائق إلى الأراضي الزراعية مستقبلاً.

ويبيّن أنّ الغابات تحتاج إلى عقود للتعافي، ولا تقل مدّة التعافي عن 10 إلى 25 عاماً، كما أنّ هناك بعض الأشجار التي قد تحتاج إلى أكثر من 70 عاماً لتعود الغابات كما كانت.

وقد يصعب استرجاع الغابات كما كانت، حيث نشأت الأشجار المعمِّرة التي تغطي الغابات في ظروف طبيعية تغيّرت بشكل كبير الآن، مثل كمية الأمطار ودرجة الحرارة، وقد لا تصمد الأشجار التي يجري التعويض بها بدلاً من الأشجار المحترقة أمام ظروف الجفاف وارتفاع درجات الحرارة الحالية وتكون فرص نموها قليلة، حسب هاشم.

TRT عربي
الأكثر تداولاً