أوصى خبراء من منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، الاثنين 31 يوليو/تموز، بإضافة مدينة البندقية الإيطالية وبحيراتها إلى قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وذلك بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر نتيجة للتغير المناخي بالإضافة إلى أنشطة السياحة المكثفة، حسب وكالة رويترز.
ويقيّم مركز التراث العالمي التابع لليونسكو بانتظام حالة مواقع التراث العالمي التابعة للوكالة والبالغ عددها 1157 موقعاً.
وستراجع لجنة مؤلفة من 21 دولة عضواً في اليونسكو أكثر من 200 موقع، في اجتماعها بالرياض في سبتمبر/أيلول القادم، لتقرر أي من تلك المواقع سيضاف إلى قائمة المواقع المعرضة للخطر.
وعلى قائمة الخطر الفعلية لليونسكو 55 موقعاً من التراث العالمي، من بينها مدينة القدس القديمة وأسوارها، ومدينة أوديسا الأوكرانية وتمبكتو في مالي وعديد من المواقع في سوريا والعراق وليبيا بسبب النزاعات المسلحة والحروب.
ماذا تعني قائمة الخطر؟
تنصّ اتفاقية "حماية التراث العالمي الثقافي" والطبيعي لعام 1972 على أنّ بعض المواقع لها "قيمة عالمية استثنائية"، وتشكّل جزءاً من التراث المشترك للبشرية.
وانضّمت إلى هذه الاتفاقية التي تعرف بـ"اتفاقية التراث العالمي" 190 دولة، أصبحوا جزءاً من مجتمع دولي يركز جهوده في تحديد أهمّ مواقع التراث الطبيعي والثقافي في العالم والحفاظ عليها.
وتُمنح لتلك المواقع الحماية القانونية والرعاية اللازمة التي تساعد في الحفاظ عليها، لكن إلى جانب ذلك ولضمان البقاء في القائمة، يجب حماية تلك المواقع من دولها.
وقبل إدراج أيّ موقع إلى قائمة التراث العالمي، توقّع الدولة تعهداً بالحفاظ عليه، وفي حالة إهمال الموقع من الدولة من الممكن أن ينتهي الأمر به في قائمة الخطر.
وتسلّط قائمة الخطر الضوء على مواقع التراث العالمي التي تحتاج إلى رعاية إضافية، بهدف حث الدولة التي بها الأثر على تنفيذ الإجراءات التصحيحية، وأيضاً إبلاغ المجتمع الدولي بالمخاطر المهددة للخصائص التي من أجلها أدرج الموقع في القائمة من الأساس.
ويؤدي الإدراج في قائمة الخطر على الأغلب إلى زيادة تخصيص الموارد من صندوق اليونسكو ووضع بعض التدابير التي تساعد على تصحيح الوضع بالتعاون مع الدولة صاحبة الأثر، ما يعني أنّ الأمر ليس كارثياً على طول الخط.
ويجرى تقييم سنوي لهذه القائمة، وقد يُستبعد بعض المواقع من قائمة الخطر إذا صُحح الوضع وزال الخطر كما حدث مع كاتدرائية كولونيا بألمانيا، التي أُدرجت في مواقع التراث العالمي في 1996 ثم أُدرجت في قائمة الخطر في 2004 لمدة عامين، بسبب خطط لبناء بنايات حديثة شاهقة في منطقة الكاتدرائية.
وبعد وقف الحكومة تلك الخطة واتباع تعليمات اليونسكو أزيلت كاتدرائية كولونيا من قائمة الخطر وعادت إلى قائمة التراث العالمي مرّة أخرى في 2006.

وقد تُستبعد المواقع من قائمة التراث العالمي، إذا لم يُحمَ الموقع واتّباع التعليمات كما حدث في وادي إلبا درسدن بألمانيا في 2009، ومحمية المها العربي بسلطنة عمان في 2007.
ومن أهمّ الأسباب التي تهدد مواقع التراث العالمي بالإدراج في قائمة الخطر، الحروب والنزاعات المسلحة، والزلازل والكوارث الطبيعية، والتغيرات الجيولوجية والمناخية، والتلوث والصيد غير المشروع، بالإضافة إلى التنمية السياحية غير المنضبطة.
تحذيرات مستمرة
ووفقاً لتقرير اليونسكو للعام الماضي فإنّ واحداً من كل ثلاثة مواقع طبيعية وواحداً من كل ستة مواقع للتراث الثقافي يتعرض للتهديد بسبب تغير المناخ، كما أنّ 60% من غابات التراث العالمي مهددة لأسباب تتعلق بتغير المناخ، حسب التقرير ذاته.
وتتوقع دراسة أجرتها اليونسكو في نفس العام أن تختفي بعض الأنهار الجليدية المشهورة والمُدرجة في مواقع التراث العالمي بحلول عام 2050، إذ تتعرض الأنهار الجليدية في ثلث المواقع للتهديد.
وكانت اليونسكو حذرت في تقرير سابق في 2016 من أنّ 31 موقعاً طبيعياً وثقافياً على قائمة التراث العالمي في 29 بلداً مختلفة من ضمنها مدن عربية، عرضة للضرر للخطر بسبب درجات الحرارة المتزايدة وذوبان الجليد وارتفاع منسوب المياه والجفاف وحرائق الغابات.
المدن العربية المدرجة على قائمة الخطر بسبب التغيرات المناخية
أبو مينا - مصر:
كانت منطقة أبو مينا الأثرية التابعة لمحافظة الإسكندرية، أهم مركز مسيحي للحج في مصر حتى العصور الوسطى المبكرة، وأُدرجت ضمن التراث العالمي لليونسكو في 1979، ثم انضمّت إلى قائمة الخطر عام 2001 بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية.
وأجرت الحكومة المصرية عدداً من المشاريع للحفاظ على المنطقة، وأعلنت وزارة السياحة والآثار منذ عامين أنّها أنهت 80% من مشروع تحسين كفاءة خفض منسوب المياه الجوفية.
وكانت الأمم المتحدة حذّرت في تقرير لها بالعام الماضي من غرق المدن الساحلية في البحر المتوسط ومن بينها الإسكندرية بحلول 2050، بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط.
شبام - اليمن:
بُنيت شبام في حضرموت شرق اليمن قبل نحو 600 عام، وتُعرف بأقدم وأعلى المباني الطينية في العالم، ويطلق عليها "مانهاتن الصحراء".
ورغم إدراجها على لائحة اليونسكو للتراث العالمي في 1982، فإنّها انضمّت إلى قائمة الخطر في عام 2015، بسبب تزايد الأمطار الغزيرة، ما هددها بالسيول والفيضانات.
وعاشت المدينة بالفعل فيضان عام 2008، نتج عنه تضرر عدد كبير من مبانيها الأثرية.
غدامس - ليبيا
تُعدّ واحدة من أقدم المدن الصحراوية في العالم إذ يعود تاريخها إلى 10 آلاف سنة، وتقع في محافظة نالوت على حدود ليبيا مع الجزائر وتونس، عُرفت تاريخياً بـ"مدينة القوافل" لأنّها شكلت قديماً مركزاً اقتصادياً وتجارياً هاماً.
تتميز المدينة التي يطلق عليها "لؤلؤة الصحراء" بطرازها المعماري الذي يعكس قدرة تطويع البشر الظروف البيئية القاسية للحياة، فهي واحة نخيل عُززت منازلها بجدران خارجية لتتماشى مع المناخ الجاف الصحراوي للمنطقة.
وفي عام 1986، ضمتها اليونسكو لقائمة التراث العالمي، فيما أُدرجت بقائمة الخطر في 2016، بسبب جفاف الموارد المائية.
المدن العربية المهددة بالإدراج في قائمة الخطر بسبب التغيرات المناخية
البتراء - الأردن
تُعرف المدينة الواقعة في محافظة معان جنوب المملكة الأردنية بـ"المدينة الوردية" بسبب ألوان عمارتها المنحوتة بالصخور.
تمتعت البتراء التي أُسّست تقريباً عام 312 قبل الميلاد، بمكانة اقتصادية جيدة، لموقعها على طريق الحرير، وانضمّت لقائمة اليونسكو للتراث العالمي في 1985.
تتعرض المدينة المعروفة بأنّها إحدى عجائب الدنيا السبع لتهديدات تغير المناخ مثل الفيضانات، والظواهر الطبيعية كالانهيارات الأرضية.
وفي 2018 أدى فيضان كبير على الموقع إلى محاصرة 3000 سائح، لكنّ الحكومة تمكنت من إجلاءهم خلال ساعة.
وبدءاً من 2019، موّل صندوق الطوارئ للتراث العالمي مبادرة لإنشاء نظام يحمي الموقع من مخاطر الفيضانات، بالتعاون مع سلطة إقليم البتراء.
وادي رم - الأردن
تشتهر المحمية التي يعود تاريخها إلى 12 ألف سنة وتقع في محافظة العقبة، بالممرات الضيقة والكهوف الطبيعية، وتضمّ أنواعاً نادرة من الطيور والحيوانات والنباتات، كما تُعرف بـ"وادي القمر" لتشابه تضاريسها مع تضاريس القمر.
أُدرج الوادي ضمن قائمة التراث الطبيعي العالمي في عام 2011، وحذر تقرير لليونسكو عام 2016 بعنوان "التراث العالمي والسياحة في ظل المناخ المتغير" من أنّ ارتفاع درجات الحرارة والجفاف يشكلان خطراً على الكائنات الحية في وادي رم.
وأوصى التقرير بسرعة إجراء أبحاث تفصيلية حول السيناريوهات الناتجة عن التغير المناخي وآثارها على الوادي.

وادي قاديشا - لبنان
يقع وادي قاديشا بشمال لبنان في مدينة بشري، وعاشت به مجتمعات قديمة يعود تاريخها إلى 2000 سنة تقريباً.
ويضم الوادي واحدة من أقدم غابات الأرز الشهيرة عالمياً، والتي تحوي 375 شجرة يفوق عمر اثنتَين منهم 3000 سنة.
أُدرج الوادي في قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 1998، وحذّرت المنظمة المذكورة في تقريرها الصادر في 2016 من أنّ تغير المناخ والنشاط السياحي يؤثران سلبياً في النظام البيئي في وادي قاديشا.
وتوقع التقرير أن يستمرّ انخفاض أعداد أشجار الأرز نتيجة تغيّر المناخ وازدياد الجفاف.
شنقيط وتيشيت وولاته ووادان - موريتانيا
تُعرف بـ"المدن القديمة" في موريتانيا، إذ كانت لأكثر من سبعة قرون خلال العصور الوسطى، مراكز تجارية وثقافية على طرق القوافل في الصحراء الإفريقية الكبرى، وهي ضمن مواقع التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو منذ عام 1996.
لكن تلك المدن مهددة بالتصحر، حسب تقرير اليونسكو لعام 2016. إذ تزحف الكثبان الرملية داخل المدينة، كما يهدد الجفاف الحاد، والعواصف المطرية الشديدة التي تحدث من حين إلى آخر العمارة الطينية التي تتميز بها تلك المدن، وتزيد تآكل التربة بها.