مخيم قلنديا تحت نيران الاحتلال.. استعراض قوة أم تعزيز للاستيطان؟
سياسة
6 دقيقة قراءة
مخيم قلنديا تحت نيران الاحتلال.. استعراض قوة أم تعزيز للاستيطان؟في مخيم قلنديا، المعسكر الحارس لبوابة القدس الشمالية وخط التماس الدائم مع الاحتلال، صار الاقتحام والتنكيل جزءاً من الحياة اليومية المفروضة على الأهالي لكن الهجوم الأخير جاء بأدوات غير مسبوقة، ليُشلّ مناحي الحياة ويحوّل يومين كاملين إلى جحيم من الرعب.
تعرض أكثر من 60 مواطنًا للاعتقال أو الاحتجاز والتحقيق الميداني، بينهم أطفال ونساء بحسب نادي الأسير

بدأ العدوان على مخيم قلنديا فجر الأربعاء 5 أغسطس/آب 2026، واستمر على مدار 48 ساعة من الحصار والتنكيل والتجويع في إطار عدوان عسكري واسع النطاق انتهى فجر أمس الجمعة. وأسفرت عن 51 إصابة، بعضها ناتج عن اعتداءات مباشرة بالضرب المبرح من قوات الاحتلال بحق مواطنين عزّل، فضلاً عن أكثر من 60 حالة اعتقال واحتجاز وتحقيق ميداني، إلى جانب دمار واسع طال الممتلكات العامة والخاصة.

عملية سياسية بأدوات عسكرية

في مقابلة خاصة مع TRT عربي، يقول عمر رجوب مدير دائرة الإعلام والاتصال في محافظة القدس، أن الهجوم كان استعراضاً سياسياً، وعملية سياسية تستخدم أدوات عسكرية، وليس عملية أمنية كما يحاول الاحتلال تصويرها. ويضيف: "الوقائع الميدانية لم تُظهر أي إنجاز عسكري يبرر حجم القوة المستخدمة، بل أظهرت أن التركيز كان على إخضاع السكان وفرض السيطرة العسكرية على المخيم."

وعن الانتهاكات، قال رجوب رافق العدوان انتهاكات جسيمة بحق السكان المدنيين، تضمنت إغلاق المداخل والطرق الرئيسية، ومنع الطواقم الصحفية والطبية من التحرك بحرية، كما سيطرت على مقر اللجنة الشعبية للخدمات ومكتب محافظة القدس داخل المخيم.

وأكد رجوب، أن قوات الاحتلال حوّلت عدداً من المنازل بعد إخلاء سكانها قسراً إلى ثكنات عسكرية ومراكز للتحقيق الميداني، ونشرت القناصة فوق أسطح المباني، ونفذت حملات دهم وتفتيش واسعة تخللها اعتداءات بالضرب المبرح على المواطنين، والتنكيل بالمحتجزين، إضافة إلى عمليات تخريب واسعة داخل المنازل.

ولم تقف الانتهاكات عند حدود الأفراد، بل طالت الرزق والاقتصاد، حيث دمرت جرافات الاحتلال سبع محال تجارية قرب حاجز قلنديا، ومنشأة لغسيل المركبات في شارع المطار، فضلاً عن تجريف واسع لساحات المنازل. كما وثقت إفادات عائلات عن سرقة مبالغ مالية ومصاغ ذهبي خلال عمليات المداهمة، في ممارسات باتت متكررة في سلوك قوات الاحتلال.

وحول الأهداف الاستراتيجية لهذا العدوان، يرى رجوب أن هناك ثلاثة أبعاد تتقاطع خلفه: أولها مرتبط بالسياق السياسي الداخلي، وتوظيف الحكومة اليمينية للعمليات العسكرية ضمن المنافسة الانتخابية وتقديمها كـ"إنجازات أمنية". وثانيها يرتبط بمحاولة استعادة صورة الردع بعد الإخفاقات التي واجهها الاحتلال على المستوى الإقليمي. 

أما الهدف الأهم فهو تهيئة البيئة الأمنية لتنفيذ المشاريع الاستعمارية الكبرى في شمال القدس، وإعادة تشكيل الواقع العسكري والجغرافي في المنطقة بما يخدم فصل القدس عن امتدادها الفلسطيني شمالاً، وإحكام الطوق الاستعماري حول المدينة، وهو ما يجعل استهداف مخيم قلنديا جزءاً من مشروع استعماري أشمل، وليس حدثًا منفصلاً”.

48 ساعة من الرعب 

لم يكن الهجوم على مخيم قلنديا، والذي استمر ليومين كاملين مجرد اقتحام عابر، بل وثّق أهالي مخيم قلنديا فصولاً من التنكيل اليومي والترويع الممنهج. TRT عربي قابلت عدداً من الأهالي لتوثيق كواليس الحصار، بدءاً من التنكيل إلى تفريغ المنازل قسراً، وتحويل الأحياء إلى ثكنات عسكرية ومعتقلات ميدانية

كانت عائلة منصور في مخيم قلنديا أولى الضحايا؛ إذ حوّل الاحتلال أفرادها إلى أسرى داخل منزلهم لمدة 40 ساعة متواصلة. العائلة التي يقطن أفرادها في 'حوش' عائلي واحد يجمع خمسة أشقاء، وجدت نفسها فجأة أمام واقع مرير، حيث اقتحمت قوات الاحتلال المنزل، وأحكمت قبضتها عليه، لتهجّر بعض الأخوة قسراً وتطردهم من شققهم السكنية، وتبقي على بعضهم الآخر أسرى داخل شققهم، محولة المساحات الآمنة إلى ساحة للترويع والاحتجاز القسري.

تقول سلام منصور: " في البداية حاولنا فتح باب المنزل مع بدء أصوات غريبة في الحوش، لكن الجندي ظهر أمامنا منزعجاً فيما أبلغنا آخر بإغلاق الباب تماماً حتى يقوم بفتحه هو. طرد أعمامي الاثنين من  منزلهما وأبلغوا أن لا يعودوا إلى المكان حتى الأحد، فيما انتظرنا نحن بقلق وخوف لساعات معتقدين أن حالنا سيكون مماثلاً. لكننا بقينا في منازلنا والباب مغلق”.

وتضيف: "كنا نسمع تكسير المنازل في الطبقات العلوية، ونرى من النوافذ العديد من المقتنيات الشخصية والقمامة التي تُرمى من النوافذ، كانوا يضحكون ويتحدثون بصوت عالٍ ويُشغّلون الأغاني”.

وتؤكد منصور: "منعونا من فتح الباب تماماً، ولم ننم طيلة تلك المدة، تجمّعنا إلى جانب بعضنا وارتدينا ملابسنا لنكون متأهبين لأي اقتحام أو حركة. لكنهم في كل مرة كانوا يحضرون طعاماً لهم ويعودون إلى المنازل التي احتلوها، ثم يحضرون شباناً ويحققون معهم داخل المنازل. كنا خائفين من تفجير. وحين أتى ليل اليوم الثاني، أغلقنا الباب وتناوبنا على حماية العائلة، فأبقينا أحدنا مستيقظاً ليتيح للآخرين فرصة النوم. الأمر كان مرعباً”.

وعن المستلزمات اليومية، تقول منصور: "انقطعنا من الخبز، وحاولنا خبزه في المنازل، كما ساعدنا بعض الجيران بإرسال الخبز من النوافذ، وكان هناك أطفال مرتعبون من صوت القنابل، عدا عن احتياجاتهم اليومية التي قطعت بسبب عدم معرفتنا بهذا الاقتحام الفجائي”.

كان أول المستهدفين في هذه الحملة هم أهالي الأسرى والشهداء، وهم أول من عاش الرعب بسبب الاستهداف المتكرر، لكن الاحتلال لم يميز في الاعتداء والتدمير، وقد اعتدى الجنود على العديد من الأشخاص الذين حاولوا الخروج من المخيم أو دخوله، كما اعتدوا على العزل داخل منازلهم بعد اقتحامها.

وبحسب الإحصائيات الرسمية، فقد تعاملت طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني مع 51 حالة منذ بدء العدوان، بينها 38 إصابة استدعت النقل إلى المستشفيات نتيجة الاعتداء بالضرب، و6 إصابات عولجت ميدانياً، وإصابة واحدة بالرصاص المطاطي، و6 حالات اختناق جراء استنشاق الغاز.

أما على صعيد الاعتقالات، فقد تعرّض أكثر من 60 مواطناً للاعتقال أو الاحتجاز والتحقيق الميداني، بينهم أطفال ونساء بحسب نادي الأسير، مع ترجيحات بأن العدد الحقيقي أكبر من ذلك، نتيجة استمرار التحقيقات الميدانية وعدم توثيق جميع الحالات.

شهادة من قلب الميدان

لم تقتصر الانتهاكات على عزل العائلات داخل منازلها، بل امتدت لتستهدف العين التي ترصد الحقيقة والصوت الذي ينقلها، مثل الصحفيين الذين مُنعوا من نقل الحدث واستُهدفوا بالقنابل، والطواقم الطبية التي وصلت إلى الجرحى بعناء بعد الحد من حركتها وحصار المكان.

تروي الصحافية ميس أبو غوش، من سكان مخيم قلنديا، لـTRT عربي تفاصيل الساعات العصيبة التي عاشها أهالي المخيم تحت وطأة الحصار والترهيب، مشيرة إلى أن الاحتلال حوّل مقر اللجنة الشعبية ومنازل عائلة منصور والصباح وعفانة إلى مراكز تحقيق وتنكيل ميدانية. 

تقول أبو غوش: "هذا الاقتحام هو جزء من سلسلة اقتحامات عنيفة، سبقها اقتحام في 27 نيسان/أبريل من هذا العام استمر لمدة 18 ساعة، وشابه هذا الاقتحام من ناحية الاعتقالات والتنكيل واقتحام المنازل وتكسير محتوياتها. لكن الاقتحام الأخير عكس الخطاب الإسرائيلي الموجه ضد المخيمات، والتهديد بتهجير مخيمات إضافية أسوة بمخيمات الشمال".

وتؤكد أبو غوش أن هذا الاقتحام يندرج في صورة متكاملة تهدف لمحاولة إنهاء حق العودة، وهو ما يتجلى في تقليص خدمات وكالة الأونروا ومحاولة تصفية وجودها إلى جانب قرار هدم معهد قلنديا التقني في المخيم.

وعلى مستوى التعاضد الاجتماعي، تضيف أبو غوش: "لم يعلم الأهالي بالحصار مسبقاً لذا لم يكن هناك تأمين للاحتياجات اليومية، مع العلم أن بعض العائلات تعتمد في قوت يومها على الدخل اليومي وقد تضررت من عدم توجهها إلى أعمالها ليومين كاملين. لذا وُضع الأهالي في ذات الخانة، وسط تعاضد اجتماعي ملحوظ تمثل في محاولات تأمين الخبز وتقديم المساعدات من النوافذ والاتصالات المستمرة للاطمئنان على بعضهم البعض".

أما الجانب النفسي، فيزيد الوضع سوءاً ليتحول إلى توتر وخوف وضياع دائم من هواجس تهجير جديد، يزيده التحريض الإسرائيلي المستمر في وسائل الإعلام ضد المخيمات. تقول أبو غوش: "العديد من الأهالي عاشوا رعباً كبيراً بعد سماع الضرب والصراخ في منازل جيرانهم، كانت هناك حالة من التيه والخوف ضاعف قسوتها الوضع الاقتصادي المتردي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023".

وبحسب إعلام الاحتلال، فإن الاقتحام يأتي على خلفية تصاعد موجة ما يسمى "الإرهاب"، وبتوجيه من المستوى السياسي، وذلك عقب معلومات استخباراتية عن وجود تشكيلات داخل المخيم. لكن الأهالي يؤكدون أن هذه المزاعم لا أصل لها، بل هي ذريعة لتنفيذ عملية عسكرية خالية من أي أهداف أمنية حقيقية، ومكرسة للعقاب الجماعي وسياسات التهجير.

وبحسب توثيق مركز قلنديا الإعلامي، فإن المخيم شهد تصاعداً ملحوظاً في الانتهاكات والاقتحامات اليومية التي تضاعفت منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حتى وصل عدد الشهداء خلال هذه الفترة وحدها إلى 17 شهيداً، معظمهم عزّل ارتقوا في اقتحامات همجية، ليرتفع بذلك عدد شهداء المخيم الإجمالي إلى 103 شهداء منذ نكسة العام 1967.


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
ترمب: الحرب مع إيران قد تنتهي قريبا وفتح مضيق هرمز بات وشيكا
أنقرة.. وزير الخارجية السوري: إنهاء التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة أساس استقرار المنطقة
تركيا وسوريا توقعان اتفاقية للتعاون في التعليم العالي وإنشاء "الجامعة السورية-التركية" بدمشق
بزشكيان: التواصل مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي صعب للغاية حالياً
"حتى انتهاء التهديدات".. إيران: الاتفاق مع عُمان لا يعني إعادة فتح مضيق هرمز
تحذير إيراني للخليج من هجمات إذا استهدفتها واشنطن.. وترمب: الخيار العسكري مطروح
جيش الاحتلال الإسرائيلي يعلن مقتل ضابط وجندي وسط غارات مكثفة على لبنان
"لم أرَ استقبالًا كهذا من قبل".. حشود غفيرة تستقبل محمد صلاح في طرابزون
وزير التجارة التركي: تركيا تعزز موقعها كوجهة مفضلة للاستثمارات الدولية
نائب الرئيس الأمريكي يهاجم عبدول السيد ويحذر من وصوله إلى الرئاسة
الحوار الليبي يحقق تقدما.. اتفاق على آلية اختيار رئيس مفوضية الانتخابات
بمشاركة فيدان.. وزراء خارجية 4 دول عربية وإسلامية يبحثون في عمان جهود التهدئة بالمنطقة
أردوغان: نأمل أن يسهم قانون "التضامن الوطني" في تخليص تركيا نهائياً من الإرهاب وتعزيز وحدتنا
الرئيس أردوغان يتقدم بشكوى ضد أحد منفذي محاولة اغتياله عام 2016
إفادات أحد المتورطين في محاولة اغتيال الرئيس أردوغان تكشف ارتباطاته بـ”غولن” الإرهابي وتفاصيل هروبه