انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.. من ينتخب من؟
سياسة
7 دقيقة قراءة
انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.. من ينتخب من؟بين مرسوم رئاسي دعا الفلسطينيين في الوطن والشتات إلى انتخابات عامة حرة ومباشرة، ومسار تطبيقي يعتمد في عدد من الدول على مجمعات انتخابية محدودة أو توافقات سياسية، تتسع دائرة الجدل بشأن الطريقة التي سيعاد بها تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني.
أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوما دعا فيه الفلسطينيين في الوطن والشتات إلى انتخاب أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني / Others

وتتمحور التساؤلات حول غياب سجلات معلنة للناخبين في دول الشتات، وعدم وضوح معايير اختيار أعضاء المجمعات الانتخابية، والجهة التي تقرر تعذر إجراء الاقتراع المباشر، فضلاً عن مدى قدرة مجلس يتشكل بهذه الآليات على تمثيل ملايين الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها.

ويتزامن ذلك مع تصريحات صدرت عن قيادات في حركة فتح تستبعد إمكان إجراء انتخابات المجلس التشريعي في موعدها المحدد يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مقابل استمرار العمل على اختيار أعضاء المجلس الوطني في الخارج والتوافق على أعضاء آخرين من الداخل، سعياً إلى استكمال تشكيل المجلس وعقده قبل نهاية العام.

هذا التباين بين تعثر الاقتراع التشريعي المباشر واستمرار تشكيل المجلس الوطني عبر المجمعات والتوافقات يعيد طرح السؤال الذي يلاحق العملية منذ انطلاقها: من يختار أعضاء المجلس الوطني؟ ومن يملك حق التصويت؟ وبأي معايير يجري تمثيل الفلسطينيين؟

مرسوم يدعو إلى انتخابات عامة

في فبراير/شباط الماضي، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوماً دعا فيه الفلسطينيين في الوطن والشتات إلى انتخاب أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

وفي يونيو/حزيران، صدّق عباس على النظام الانتخابي للمجلس الوطني بعد اعتماده من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وحدّد النظام عدد أعضاء المجلس بـ350 عضواً، منهم 200 يمثلون الأراضي الفلسطينية و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات.

ونصَّ النظام على انتخاب أعضاء المجلس في انتخابات عامة حرة ومباشرة، بالاقتراع السري وفق نظام القوائم والتمثيل النسبي الكامل، على أن تعد الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة، بينما تعد كل منطقة من مناطق وجود الفلسطينيين في الشتات دائرة مستقلة.

لكن النظام أتاح، في الحالات التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات في إحدى مناطق الشتات، اختيار الأعضاء من خلال مجمع انتخابي أو عبر التوافق الذي يضم مكونات الساحة الفلسطينية في تلك المنطقة، كما أتاح اللجوء إلى التوافق والتعيين وفقاً لأحكامه.

وفي التطبيق، تحولت هذه الاستثناءات إلى المسار المعتمد في عدد من الدول، من بينها الكويت والبحرين وقطر، إذ اختير ممثلو الفلسطينيين عبر مجمعات انتخابية، من دون نشر قوائم عامة بأسماء من يحق لهم المشاركة أو توضيح شامل للمعايير التي جرى وفقها اختيار أعضاء هذه المجمعات.

وفي سبتمبر/أيلول، قال الرئيس عباس، إن اللجان المعنية بانتخابات المجلس الوطني بدأت العمل على اختيار 150 عضواً من الخارج، إلى جانب استكمال التوافق على 67 عضواً يمثلون فصائل منظمة التحرير ومؤسساتها والمستقلين في الداخل، بما يسمح بعقد المجلس الوطني قبل نهاية العام.

وبذلك تتكون الصيغة المطروحة من 132 عضواً يفترض انتخابهم للمجلس التشريعي ويصبحون أعضاء حكميين في المجلس الوطني، و67 عضواً يجري التوافق عليهم من الداخل، و150 عضواً يمثلون الشتات، إضافة إلى عضوية الرئيس، ليصبح العدد الإجمالي 350 عضواً.

غير أن الحديث عن احتمال تعذر إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها أعاد الغموض إلى مصير المقاعد المخصصة للداخل، في وقت يستمر فيه تشكيل الجزء الخاص بالشتات والمضي في المجمعات الانتخابية والتوافقات السياسية.

استثمار لحظة سياسية

يرى الكاتب والباحث السياسي سعيد وليد الحاج أن مؤشرات عدة تدل على أن هدف الرئيس محمود عباس ليس إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وإنما استثمار لحظة سياسية معينة لإعادة تشكيل البيت الفلسطيني بالطريقة التي تناسبه.

وقال الحاج لـTRT عربي، إن المسار الحالي يسعى إلى عزل حركة حماس وبعض القوى الأخرى أو تقليص حضورها في المشهد السياسي، مستفيداً من الضغوط التي تتعرض لها الحركة ومن الظروف الميدانية والإنسانية الصعبة في قطاع غزة.

وأشار الحاج إلى أن صدور إشارات من قيادات داخل حركة فتح باستبعاد إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها يعزز احتمال تأجيلها، وخصوصاً في ظل الصعوبات الكبيرة التي تعترض تنظيمها في قطاع غزة.

وقال، إن الظروف الميدانية والدمار الواسع الذي خلفته الحرب الإسرائيلية يجعلان إجراء الانتخابات في غزة مسألة شديدة التعقيد من الناحية اللوجستية، كما أن أوضاع السكان لا تساعد على توقع مشاركة واسعة في عملية انتخابية ضمن الظروف الحالية.

ومع ذلك، يرجح الحاج استمرار مسار المجمعات الانتخابية في الخارج والتوافقات في الداخل، وصولاً إلى استكمال تشكيل المجلس الوطني وإعلانه مجلساً يتمتع بشرعية جديدة، حتى لو لم تجرِ الانتخابات التشريعية. 

مخاوف من إقصاء قوى رئيسية

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون أن الشروط المفروضة على الناخبين والمرشحين جاءت في سياق هندسة العملية الانتخابية وفرض وصاية مسبقة عليها.

وقال المدهون لـTRT عربي، إن هذه الشروط يمكن أن تتحول عملياً إلى أداة لاستبعاد قوى فلسطينية واسعة من المشاركة، وخصوصاً القوى التي ترى أن الالتزام ببعض الاتفاقيات أو الالتزامات الدولية قد يتعارض مع ثوابت وطنية فلسطينية.

وربط المدهون ذلك بخشية لدى قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية من مشاركة قوى في مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، في ظل ما تتمتعان به من ثقل جماهيري في غزة والضفة الغربية، واحتمال تكرار تجربة انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، التي فازت فيها حماس بأغلبية المقاعد وما ترتب عليها من تداعيات سياسية كبيرة.

لكنه لا يعتقد أن هذه الاشتراطات ستقود بالضرورة إلى مقاطعة واسعة، موضحاً أن معظم القوى الفلسطينية معنية بالمشاركة، وقد تتعامل بمرونة مع بعض الشروط إذا وجدت فرصة حقيقية للتأثير في تركيبة المجلس الجديد.

وتوقع أن يبقى الاعتراض على الاشتراطات حاضراً، من دون أن يعني ذلك انسحاب جميع القوى من العملية، محذراً في الوقت نفسه من أن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول الانتخابات إلى تعيين أو إلى صيغة انتخابية ترفضها الفصائل والقوى السياسية.

وقال إن تحول العملية إلى تعيينات سيضرب جوهر فكرة التمثيل، ويعيد إنتاج الانقسام بدلاً من إنهائه.

إشكالية سياسية وقانونية

بدوره، يرى الحقوقي الفلسطيني أيمن أبو هاشم أن مرسوم الانتخابات يثير إشكالية قانونية تتعلق بأن الأصل في العملية الانتخابية هو أن تكون الانتخابات حرة ومباشرة، بينما تطرح المجمعات الانتخابية آلية مختلفة لا تمنح جميع الفلسطينيين حق اختيار ممثليهم بصورة مباشرة.

وأشار إلى أن النظام يتحدث عن اللجوء إلى التوافق أو المجمعات الانتخابية عند تعذر إجراء الانتخابات، لكن ذلك يعيد إنتاج المشكلة نفسها، إذ لا يمكن الوصول إلى توافق حقيقي في ظل الانقسام الحاد والصراع الداخلي، ومن دون وجود آلية تشاركية تحدد من يمثل المجتمع الفلسطيني.

تساءل أبو هاشم عن الجهة التي تملك صلاحية تقرير أن الانتخابات متعذرة في دولة أو منطقة معينة، قائلاً: إن لجنة الانتخابات المركزية يفترض أن تكون مسؤولة عن إعداد سجل الناخبين وتقييم مدى إمكان إجراء الانتخابات وتحديد الآليات الفنية والقانونية لتنظيمها.

وأضاف في حديث له مع TRT عربي أن بعض مناطق الشتات لا توجد فيها عوائق واضحة تحول دون إجراء اقتراع حر ومباشر، ومع ذلك جرى الاتجاه فيها إلى صيغة المجمعات الانتخابية، التي صممت وأديرت، بحسب رأيه، من وجهة نظر الفريق السياسي المنظم للعملية.

وتوقف عند تجربة المجمعات الانتخابية في الكويت والبحرين، مشيراً إلى وجود حالة من عدم الرضا بين أوساط من الجاليات الفلسطينية عن الآلية والنتائج التي أفرزتها.

وقال، إن المشكلة الأساسية تكمن في أن المجمع الانتخابي جرى تشكيله من جانب طرف واحد حدد أعضاءه وطريقة عمله، من دون مشاركة واسعة من مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني وفئاته السياسية والاجتماعية والجغرافية.

الانتخابات ليست إجراء منفصلاً

أما الكاتب السياسي ورئيس تحرير مجلة “الهدف” محمد أبو شريفة، فيرى أن التباين في مواقف الفصائل المنضوية في منظمة التحرير بشأن المجمعات الانتخابية يعود إلى اختلاف برامجها السياسية ورؤيتها للواقع الفلسطيني القائم.

وقال أبو شريفة لـTRT عربي، إن الاستحقاق الانتخابي لا يمكن فصله عن التحديات التي يواجهها الفلسطينيون، وفي مقدمتها استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما خلفته من قتل ودمار وتهجير. 

وفي هذا السياق، لفت إلى المبادرة التي طرحتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تحت عنوان “خريطة الطريق من أجل الإنقاذ الوطني”، والتي تدعو إلى مرحلة انتقالية تكون أولويتها تلبية احتياجات الفلسطينيين والدفاع المشترك عن وجودهم وحقوقهم.

كما تدعو المبادرة إلى عقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل والقوى السياسية لبحث القضايا السياسية والأمنية وأشكال المقاومة وإدارة الصراع مع الاحتلال، والوصول إلى برنامج مشترك يتمسك بإنهاء الاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وحذّر من أن الذهاب إلى الانتخابات من دون توافق وطني وضمانات سياسية وأمنية واضحة يحمل مخاطر كبيرة، داعياً إلى بحث مرحلة انتقالية متفق عليها ومنع تحول الخلافات إلى انقسام أو صراع جديد على الشرعية والتمثيل.

من يملك التفويض؟

تكشف مواقف المتحدثين أن الخلاف لا يدور حول التفاصيل الفنية للمجمعات الانتخابية وحدها، وإنما حول مصدر الشرعية السياسية وحدود التمثيل وبرنامج منظمة التحرير وتوازناتها المستقبلية.

فالمجلس الوطني ليس مؤسسة رمزية، بل هو الهيئة التشريعية العليا لمنظمة التحرير، وينتخب لجنتها التنفيذية ويحدد سياساتها وبرامجها، ما يجعل طريقة تشكيله مؤثرة في الجهة التي ستتحدث باسم الفلسطينيين وتتخذ القرارات المتعلقة بقضيتهم.

وبينما تقول القيادة الفلسطينية، إن المجمعات والتوافقات تمثل بدائل تتيح تجاوز العوائق القانونية والسياسية في دول الشتات، يرى معارضوها أن الاستثناء تحول إلى قاعدة، وأن غياب سجل الناخبين والمعايير المعلنة يهدد بتحويل الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج التوازنات القائمة.

ومع استمرار التحضيرات لتشكيل المجلس الوطني، مقابل تصاعد الشكوك بشأن إمكان إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها، يبقى الاختبار الحقيقي متعلقاً بقدرة العملية على إنتاج مجلس يحظى بقبول الفلسطينيين، لا بمجرد استكمال عدد أعضائه.

وحتى ذلك الحين، سيظل السؤال قائماً: إذا لم يكن ملايين الفلسطينيين هم الذين يختارون ممثليهم مباشرة، فمن ينتخب من؟ وبأي تفويض ولتمثيل من؟

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
تحت حماية قوات الاحتلال.. مئات المستوطنين يقتحمون الأقصى في "يوم الغفران"
الضفة.. مقتل مستوطن بإطلاق نار والاحتلال يقتل فلسطينياً بدعوى محاولة دهس
قاليباف: لن نفتح مضيق هرمز قبل تنفيذ شروط إيران
ترمب يقطع عطلة نهاية الأسبوع.. وواشنطن تحذر مواطنيها من تصعيد "غير متوقع" بالشرق الأوسط
تركيا تفتتح مركزاً جديداً لطلبات التأشيرة في أربيل شمالي العراق
التحالف يتوعد الحوثيين ويؤكد اعتراض صاروخ باليستي استهدف الرياض
حرق منازل قضاء صور.. جيش الاحتلال يستهدف مسعفين في النبطية جنوبي لبنان
لضمان البقاء في المرتبة الأولى عالمياً.. ترمب يعلن تشكيل فريق خاص بالذكاء الاصطناعي
يتقدمهم نتنياهو.. آلاف المستوطنين يقتحمون حائط البراق في البلدة القديمة بالقدس
شرطة عدن اليمنية تعلن إحباط مخطط لاستهداف قوات أمنية وعسكرية ومنشآت حيوية
أردوغان يزور نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة
فيدان: متضامنون مع السعودية ونسعى لخفض التصعيد.. وإسرائيل تشكل تهديداً للمنطقة والعالم
قورتولموش: إسرائيل تسعى لإشعال الفتنة بالمنطقة وتركيا تقود جهود لمّ الشمل
بصواريخ ومسيّرات.. الحوثيون يعلنون استهداف مواقع "حساسة" بالرياض وشركة أرامكو في ينبع
الولايات المتحدة ترفع آخر قيود حظر الأسلحة والتمويل العسكري عن سوريا