بدأت القصة بنزاع عائلي على حضانة طفلين في الدنمارك، قبل أن تتطور إلى واحدة من أخطر القضايا التي واجهتها المؤسسة الاستخباراتية الألمانية في تاريخها الحديث. ففي السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2026، اعتقلت السلطات الألمانية "أوغست هانينغ"، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية "BND"، للاشتباه في تورطه في أنشطة تجسس ومحاولة ارتكاب الخيانة العظمى، بعدما قادت التحقيقات في قضية اختطاف طفلين إلى العثور على وثائق استخباراتية سرية داخل منزله.
ولم يكن "هانينغ" مجرد مسؤول أمني سابق؛ إذ ترأس جهاز الاستخبارات الخارجية بين عامي 1998 و2005، ثم شغل منصب وكيل وزارة الداخلية الاتحادية، قبل أن ينتقل إلى القطاع الخاص عام 2009. وخلال مسيرته، نسج شبكة واسعة من العلاقات داخل الأجهزة الأمنية الألمانية وخارجها، حتى إن بعض المطلعين على دوائر الأمن وصفوه بأنه "الأب الروحي" للمنظومة الأمنية الألمانية في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.
ورغم جسامة الاتهامات، ينفي "هانينغ" ارتكاب الخيانة أو نقل أسرار إلى جهات أجنبية، فيما يؤكد محاميه أن إقرار موكله بحيازة وثائق سرية لا يعني ثبوت إساءة استخدامها.
ألفا وثيقة
تتمحور القضية حول العلاقة التي جمعت "هانينغ" بمدير مكتبه السابق في جهاز الاستخبارات الخارجية، "مانفريد د."، البالغ من العمر 64 عاماً. ووفقاً للنيابة العامة الاتحادية الألمانية، يُشتبه في أن الرجلين توصلا، في ربيع عام 2010، إلى اتفاق يقضي بمواصلة "مانفريد" تزويد رئيسه السابق بمعلومات استخباراتية مقابل مبالغ مالية، رغم انتهاء خدمة "هانينغ" الحكومية.
وتشير التحقيقات إلى أن "مانفريد" سلّم "هانينغ" نحو ألفي وثيقة، شملت مواد مصنفة سرية ومذكرات مخصصة للقيادة العليا للجهاز، من بينها تقارير استُخدمت في إعداد التقييمات الاستخباراتية المقدمة إلى المستشارية الألمانية.
وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المنصب الذي شغله "مانفريد". فحسب مجلة "دير شبيغل"، تولى إدارة مكاتب عدد من رؤساء الجهاز خلال الفترة الممتدة من مارس/آذار 2012 إلى مارس/آذار 2026، وهو موقع أتاح له الاطلاع على معلومات شديدة الحساسية.
واللافت أن "دير شبيغل" كشفت أن الجهاز الألماني كان قد منح "مانفريد" تصريحاً رسمياً لممارسة عمل إضافي لصالح "هانينغ". ويثير ذلك تساؤلات بشأن فعالية آليات الرقابة الداخلية، وكيف أمكن لعلاقة مهنية معلنة أن تتحول، وفقاً لشبهات المحققين، إلى قناة محتملة لنقل معلومات سرية.
ويرى "بيتر ر. نويمان"، أستاذ الدراسات الأمنية في كلية "كينغز لندن"، أن مدير مكتب رئيس جهاز الاستخبارات يمثل هدفاً بالغ الأهمية لأي جهاز استخبارات أجنبي، بحكم اطلاعه على المعلومات التي تصل إلى أعلى مستويات القيادة.
وفي مقابلة مع "دير شبيغل"، وصف "نويمان" القضية بأنها "كارثة استخباراتية من العيار الثقيل"، مشدداً على أن خطورتها تتضاعف لأن المشتبه في استفادته من تسريب المعلومات هو رئيس سابق للجهاز نفسه.
نفي الخيانة
في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" عن "ليون كروزه"، محامي "هانينغ"، إقرار موكله بحيازة وثائق سرية، مع نفيه شراءها أو تسليم المعلومات الواردة فيها إلى جهات أجنبية.
وقال "كروزه" إن موكله يتعرض لملاحقة قضائية غير مبررة، وإن اتهامات الخيانة "لا أساس لها من الصحة". وأكد أن الادعاء بأن "هانينغ" نقل معلومات تضر بجمهورية ألمانيا الاتحادية، أو أنه فعل ذلك مقابل المال، ادعاء غير صحيح، مضيفاً أن التحقيقات اللاحقة ستكشف الحقيقة.
في المقابل، تتبنى النيابة العامة رواية مختلفة؛ إذ تشتبه في أن "هانينغ" استغل معلومات سرية حصل عليها من "مانفريد" في أنشطته الاستشارية الخاصة، وأنه استخدمها، في حالة واحدة على الأقل، لإعداد تحليل لصالح موظف في جهاز استخبارات أجنبي.
ولم يتمكن المحققون، وفقاً للمعلومات المنشورة، من إثبات وصول هذا التحليل إلى الجهة التي أُعد من أجلها. كما لم تكشف النيابة العامة رسمياً عن الدولة التي كان يعمل لصالحها الموظف الاستخباراتي المعني.
ويواجه "هانينغ" اتهامات تشمل التجسس الذي ينطوي على خيانة الدولة، والسعي للحصول على أسرارها، ومحاولة ارتكاب الخيانة، وممارسة أنشطة استخباراتية لصالح جهة أجنبية. أما "مانفريد"، فيواجه اتهامات بالمساعدة في ارتكاب بعض هذه الجرائم. ولا تزال الاتهامات خاضعة للتحقيق والإجراءات القضائية، من دون أن تشكل، في حد ذاتها، دليلاً على الإدانة.
من إسرائيل إلى أوروبا
تكشف القضية أيضاً عن اتساع النشاط الذي مارسه "هانينغ" في قطاع الاستخبارات والأمن الخاص بعد مغادرته العمل الحكومي. فبحسب موقع "إنتلجنس أونلاين"، تعاون "هانينغ" مع عدد من الشركات والمنظمات المرتبطة بمسؤولين استخباراتيين سابقين في دول مختلفة.
وشملت هذه العلاقات شركة التحقيقات الإسرائيلية "CGI Group"، التي يرأسها "يعقوب بيري"، الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك". وأشار الموقع كذلك إلى عمل "هانينغ" مستشاراً لشركة الأمن السيبراني الإسرائيلية "World Health Energy Holdings"، التي يترأسها "داني ياتوم"، الرئيس السابق لجهاز "الموساد".
وارتبط "هانينغ" أيضاً بمشروعات ومنظمات عمل فيها مسؤولون سابقون في "الموساد"، من بينهم "مئير داغان" و"تامير باردو"، مثل "مشروع مكافحة التطرف" "CEP" ومنظمة "متحدون ضد إيران النووية" "UANI".
وفي أوروبا، عمل "هانينغ" مستشاراً لشركة التحقيقات "G3"، التي تتخذ من لندن مقراً لها، ويترأسها حالياً "جون ساورز"، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني "MI6"، وفقاً لـ"إنتلجنس أونلاين". كما أشار الموقع إلى علاقته بشركة "Pluteos AG" السويسرية، المملوكة لرجل الأعمال "صمويل دانيالوفيتش".
أما في ألمانيا، فقد بدأ "هانينغ" نشاطه في القطاع الخاص مع شركة "Prevent AG"، قبل أن يرتبط بشركة "System 360"، التي ضمت شخصيات أمنية سابقة، من بينها "هانس-غيورغ ماسن"، الرئيس السابق لجهاز حماية الدستور الألماني.
ولا تشكل هذه العلاقات، بحد ذاتها، دليلاً على ممارسة أنشطة غير مشروعة، لكنها تعكس اتساع شبكة العلاقات الدولية التي بناها "هانينغ"، وتفسر اهتمام المحققين بالملفات التي أصبحت في حوزتهم عقب تفتيش ممتلكاته.
ويرى "إنتلجنس أونلاين" أن تداعيات القضية قد تمتد إلى قطاع الاستخبارات الخاصة في أوروبا، ولا سيما إذا تضمنت الملفات المضبوطة معلومات عن عملاء وشركات ودول تعامل معها "هانينغ" خلال السنوات الماضية.
البداية غير المتوقعة
تكمن إحدى أبرز مفارقات القضية في أن التحقيق بشأن تسريب معلومات استخباراتية لم يبدأ من داخل جهاز الاستخبارات الألماني، وإنما من ملف جنائي يتعلق بحضانة طفلين.
ففي ليلة رأس السنة 2023–2024، اختطف أشخاص ملثمون طفلين من بلدة "غروستن" الدنماركية، بينما كانا يشاهدان الألعاب النارية برفقة والدهما "شتيفان هينزل".
وبعد أيام، ظهر الطفلان في ألمانيا لدى والدتهما "كريستينا بلوك"، وريثة سلسلة مطاعم "بلوك هاوس"، التي كانت تخوض منذ سنوات نزاعاً قضائياً مع زوجها السابق بشأن حضانتهما.
وتتهم النيابة العامة في "هامبورغ" "بلوك" بإصدار الأمر بتنفيذ عملية الاختطاف، وهي تهمة تنفيها. وحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، نفذت العملية، التي حملت الاسم الرمزي "الجليد الذهبي"، مجموعة من الإسرائيليين ذوي الخلفيات الاستخباراتية، بعد الاستعانة بشركة استخبارات خاصة تُدعى "سايبر كوبولا".
وتشير الصحيفة إلى أن "هانينغ" ساعد في ربط "كريستينا بلوك" بأطراف إسرائيلية، وأن المحكمة استمعت إلى معلومات تفيد بحصوله على مئة ألف يورو مقابل خدماته.
أما "دير شبيغل"، فتحدثت عن محاولة سابقة لاستعادة الطفلين في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، يُشتبه في أن "بلوك" دفعت مقابلها أكثر من مئتي ألف يورو إلى مسؤولين في شركة أمنية، من بينهم "هانينغ" وشريكه "تورستن ميلس".
وفي سياق التحقيقات المرتبطة بالقضية، كشفت "دير شبيغل" أن مكتب الشرطة الجنائية في "هامبورغ" زرع محققاً سرياً داخل شركة "System 360"، خلال الفترة الممتدة من مايو/أيار إلى منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وكانت مهمة المحقق جمع معلومات عن الدور الذي ربما أداه "ميلس" و"هانينغ" في قضية "بلوك". ووفقاً لمذكرات اطلعت عليها المجلة، شارك المحقق في اجتماعات الشركة، وتابع محادثات الموظفين، واطلع على أنظمتها الإلكترونية.
كما دوّن ملاحظات بشأن اتصالات هاتفية متكررة بين "ميلس" و"هانينغ"، وحالة توتر بدت عليهما مع تطور جلسات المحاكمة.
غير أن "دير شبيغل" نبهت إلى أن كثيراً من المعلومات الواردة في تقرير المحقق السري استندت إلى روايات غير مباشرة نقلها موظفون، ولم تكن جميعها شهادات موثقة بشأن وقائع عاينوها بأنفسهم.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، فتشت الشرطة منزل "هانينغ" في منطقة "مونسترلاند"، إلى جانب مكاتب مرتبطة بأنشطته. وخلال عمليات التفتيش، عثر المحققون على وثائق سرية تخص جهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية.
وحسب "فايننشال تايمز"، أُحيلت الأدلة إلى مكتب المدعي العام الاتحادي، الذي فتح في مايو/أيار 2026 تحقيقاً بشأن التجسس والخيانة.
وهكذا، قادت التحقيقات في قضية اختطاف طفلين إلى فتح ملف يمس أسرار الدولة الألمانية وعلاقاتها الاستخباراتية الدولية.
انكشاف المصادر
تُعد التداعيات المحتملة للقضية على الحلفاء الغربيين من أبرز أبعادها الأمنية. فقد ذكرت صحيفة "تلغراف" البريطانية أن أجهزة الاستخبارات في المملكة المتحدة تحقق فيما إذا كانت معلوماتها المصنفة سرية أو مصادرها البشرية قد تعرضت للخطر نتيجة التسريبات المزعومة.
وأشارت الصحيفة إلى أن بعض المعلومات التي كان بإمكان "مانفريد" الاطلاع عليها وردت من أجهزة استخبارات شريكة، من بينها أجهزة بريطانية وأمريكية.
ووفقاً للتقرير، تخشى الأجهزة الغربية أن يؤدي الكشف عن معلومات جرى تبادلها مع الجانب الألماني إلى تحديد هويات عملاء أو مخبرين يعملون في الميدان.
وقال "ماثيو دان"، الضابط السابق في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني "MI6"، إن الجهاز سيجري على الأرجح مراجعة أمنية واسعة للمعلومات التي سبق أن شاركها مع نظيره الألماني، بهدف تقييم المخاطر المحتملة.
لكنه أوضح أن تبادل المعلومات الاستخباراتية يخضع عادة لإجراءات تهدف إلى حماية المصادر، مرجحاً استمرار التعاون بين الجهازين رغم الفضيحة.
وذكرت "تلغراف" أن المخاوف تشمل معلومات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والجيش الروسي، فضلاً عن مواد استخباراتية واردة من أجهزة أجنبية.
ومع ذلك، لم تقدم الصحيفة دليلاً قاطعاً على حدوث تسريب فعلي لأسرار بريطانية، بل تحدثت عن مراجعات احترازية تستهدف تحديد ما إذا كان مثل هذا التسريب قد وقع، وتقييم مخاطره المحتملة.
أزمة ثقة
تأتي فضيحة "هانينغ" في وقت تستعد فيه ألمانيا لتوسيع صلاحيات جهاز الاستخبارات الخارجية، ضمن إصلاحات تهدف إلى تعزيز قدراته في مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة.
غير أن القضية تضع الحكومة الألمانية أمام معضلة أساسية: كيف يمكن منح الجهاز صلاحيات أوسع، بينما تثار تساؤلات جوهرية بشأن قدرته على حماية معلوماته السرية؟
ويرى الخبير الأمني "بيتر نويمان" أن الفضيحة قد تمنح معارضي الإصلاحات حججاً إضافية، لكنه لا يعتقد أن ذلك يستوجب التخلي عنها.
وحسب "دير شبيغل"، شدد "نويمان" على ضرورة أن يثبت رئيس الجهاز الحالي، "مارتن ييغر"، جدية تعامله مع الأزمة، وأن يقدم ضمانات وإجراءات ملموسة من شأنها طمأنة الشركاء الأجانب.
من جانبه، أعلن "ييغر"، وفقاً لصحيفة "تلغراف"، أن الجهاز بدأ تحقيقات داخلية شاملة في مرحلة مبكرة، وأن نتائجها عززت الشبهات التي استدعت التحرك.
وأكد أنه لا مجال لتقديم تنازلات عندما يتعلق الأمر بالأمن الداخلي للجهاز. وفي البرلمان الألماني، دعا أعضاء بارزون في اللجنة المكلفة بالرقابة على أجهزة الاستخبارات إلى تشديد القواعد المنظمة للأنشطة التجارية التي يمارسها المسؤولون الاستخباراتيون السابقون.
ونقلت "فايننشال تايمز" عن رئيس اللجنة، "مارك هنريشمان"، قوله إن القواعد المعمول بها حالياً غير كافية.
ولا تقتصر دلالات هذه الدعوات على قضية "هانينغ" وحدها، بل تتجاوزها إلى إشكالية أوسع تتعلق باستمرار استفادة المسؤولين السابقين من شبكة علاقاتهم الحكومية بعد مغادرة مناصبهم، ومدى إمكانية وصولهم إلى معلومات حساسة، وحدود الرقابة على أنشطتهم التجارية والاستشارية.












