صناعة الفراغ.. استراتيجية الاحتلال لتفكيك الأمن في غزة
الحرب على غزة
8 دقيقة قراءة
صناعة الفراغ.. استراتيجية الاحتلال لتفكيك الأمن في غزةلم يكن هدف الاحتلال الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول تدمير المقرات الأمنية الفلسطينية أو استنزاف كوادرها فحسب، بل تعطيل قدرتها على الاستمرار وإعادة إنتاج الأمن
بعد 7 أكتوبر، انتقلت البنية الأمنية من نمط الإدارة المؤسسية المعتاد إلى حالة طوارئ استثنائية.

لا يمكن النظر إلى المشهد الأمني الراهن في قطاع غزة بوصفه مجرد فراغ أمني، أفرزته ظروف الحرب بصورة عفوية؛ بل هو، بدرجة كبيرة، نتاج سياسات إسرائيلية سعت إلى الوصول إليه عبر التدمير والاستنزاف والاختراق ومنع إعادة الترميم. وحتى إذا لم تنجح إسرائيل في إقامة نظام أمني محلي خاضع لها بصورة مباشرة، فإن منع قيام نظام أمني فلسطيني قادر على حماية مجتمعه، وترميم مقدراته، وإعادة تنظيم موارده ومعلوماته، بقي هدفاً إسرائيلياً أساسياً.

ورغم أن الاحتلال وأجهزته الأمنية لم تنجح في تفكيك البنية الأمنية الفلسطينية في غزة تفكيكاً كاملاً، فإنها ألحقت بها أضراراً جسيمة على المستويات المادية والبشرية والوظيفية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على تدمير المقرات أو قتل الكوادر، بل تتعلق بإضعاف قدرة هذه البنية على الاستمرار، والتكيف، وإعادة إنتاج الأمن في ظل الحرب وما بعدها.

من نظام أمني مركزي إلى إدارة طوارئ

قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبرغم الحصار الإسرائيلي الطويل الذي خنق قطاع غزة، كانت هناك بنية أمنية فلسطينية مركزية نسبياً. وقد ضمّت هذه البنية مؤسسات حكومية وغير حكومية، وكوادر متخصصة، وشبكات اتصال، وأجهزة مثل الأمن الداخلي والشرطة، إلى جانب قوى أمنية مرتبطة بالأجهزة العسكرية للمقاومة الفلسطينية.

واستطاعت هذه المنظومة، رغم القيود السياسية والاقتصادية والأمنية، أن تنظم المجال الأمني العام بدرجة حظيت بإشادة مجتمعية. فقد أدت وظائف تتصل بحماية الأسواق، وضبط الأمن الداخلي، ومكافحة الجريمة، وإدارة الأزمات. وبذلك، لم تكن غزة تخلو من مشكلات أمنية، لكنها امتلكت حداً معقولاً من القدرة المؤسسية على إدارة الأمن الداخلي الفلسطيني.

بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، انتقلت هذه البنية من نمط الإدارة المؤسسية المعتاد إلى حالة طوارئ استثنائية. فمع القصف الواسع، وتدمير المقرات، واستهداف الكوادر، وتعطيل وسائل الاتصال والحركة، جرى تفعيل لجان الطوارئ، وتحولت المؤسسات إلى العمل بآليات أكثر مرونة ولامركزية للحفاظ على الحد الأدنى من النظام العام والخدمات الأساسية.

استهداف القيادة والقدرة على الاستمرار

استهدف الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2008 البنية المادية للمؤسسات الأمنية الفلسطينية عبر القصف والتدمير الجزئي أو الكلي لمقارها خلال جولات التصعيد المتكررة، ثم توسع لاحقاً في استهداف كوادرها البارزة. لكن الحرب التي أعقبت 7 أكتوبر مثلت انتقالاً إلى سياسة تدمير أشمل، طالت مؤسسات الأمن والشرطة والدفاع المدني.

فقد تعرضت مراكز الشرطة في قطاع غزة للتدمير أو الاستهداف، كما دُمرت مراكز عدة للدفاع المدني، وقُتل عدد كبير من أفراد الشرطة والأمن والدفاع المدني. لكن الخطر الأعمق لم يكن في فقدان الأبنية والمعدات أو حتى الأفراد وحدهم، بل في السعي إلى قطع سلاسل القيادة والتحكم داخل المنظومة الأمنية.

وتعني سلاسل القيادة والتحكم القدرة على جمع المعلومات، وتحديد الأولويات، وإصدار التعليمات، وتوزيع الكوادر والموارد، والاستجابة السريعة للحوادث. وحين تتعطل هذه السلسلة، تتحول الوحدات الميدانية إلى جهات تعمل بموارد محدودة ومعلومات ناقصة، وتصبح أكثر عرضة للعجز والاختراق والاستنزاف.

ومع أن البنية الأمنية لم تعد قادرة على تدريب عناصر جديدة أو توظيفها في ظروف طبيعية، فإنها واصلت التكيف مع الواقع القائم. ولذلك بدا أن الهدف الإسرائيلي لا يتمثل فقط في حرمانها من مقراتها وكوادرها، بل في إفقادها القدرة على الاستمرار وإعادة إنتاج الأمن بوصفه وظيفة فلسطينية مستقلة.

استهداف الأمن المدني والثقة العامة

ترتب على استنزاف الشرطة والأمن الداخلي والدفاع المدني تراجع كبير في القدرة على حماية الأسواق، وتأمين المساعدات، وضبط السلاح بدرجات متفاوتة، وتنظيم الحركة، والتعامل مع الجريمة والاحتكار. وقد جرى ذلك في ظل رقابة جوية إسرائيلية مستمرة، وخطر استهداف العناصر الأمنية حتى عند قيامها بوظائف مدنية يومية.

وكان الوجود العلني لرجل الأمن في الشارع أحد الأهداف غير المباشرة لهذا النمط من الاستهداف. فالشرطي أو عنصر الأمن الذي لا يستطيع الظهور والعمل بحرية، يفقد تدريجياً قدرته على أداء وظيفته، ويصبح المجتمع أقل استعداداً للتعاون معه أو الاعتماد عليه. ومن هنا، فإن الغاية لا تقتصر على إضعاف الجهاز، بل تمتد إلى تآكل الثقة بين المجتمع وبنيته الأمنية.

ومع تراجع حضور الأجهزة وظهور الفراغ الأمني، برزت مجموعات محلية وشبكات جريمة واحتكار، واستفادت بعض الجهات من الفوضى الناتجة عن الحرب والتهجير والندرة. ورغم أن المجتمع والأجهزة المتبقية حاولت التعامل مع هذه الظواهر، فإن ذلك جرى في ظروف شديدة الصعوبة وبفاعلية محدودة.

الفراغ بوصفه أداة للسيطرة

سعى الاحتلال إلى إنتاج هشاشة أمنية وفراغ قابل للتوظيف، بما يخفف عنه تكلفة السيطرة المباشرة على القطاع. فإسرائيل لا تبدو راغبة بالضرورة في تحمل أعباء الإدارة الأمنية والمدنية الكاملة لغزة، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى الاحتفاظ بالقدرة على التحكم في المشهد الأمني من خلال أدوات متعددة.

ويقوم هذا النموذج على منع ظهور بنية فلسطينية موحدة قادرة على احتكار القوة، وتنظيم المجال العام، وحماية السكان، وإدارة الموارد والمعلومات. فكلما بقيت غزة في حالة تفكك أمني وخدمي، أصبحت أكثر قابلية للرصد والاختراق والضغط والتهجير، وأصعب على إعادة بناء سلطة فلسطينية مستقلة فيها.

لذلك، لا ينبغي التعامل مع الفوضى باعتبارها نتيجة جانبية للحرب فقط؛ إذ يمكن أن تتحول إلى أداة حكم غير مباشر. فالفراغ يجعل السكان منشغلين بتدبير البقاء اليومي، ويزيد اعتمادهم على ترتيبات محلية مؤقتة، ويضعف قدرتهم على استعادة مؤسسات عامة موحدة.

أدوات الاحتلال وبدائله

ينطلق هذا النهج من منطق أمني إسرائيلي أوسع يقوم على الفصل والتجزئة. فقد فصل الاحتلال غزة عن الضفة الغربية، وعمل على تفتيت المجال الفلسطيني في الضفة إلى مدن وبلدات ومناطق منفصلة، ويسعى في غزة إلى منع قيام بنية أمنية واحدة ومتماسكة.

ولا يقتصر الأمر على تعدد القوى الأمنية، بل يمتد إلى إنتاج بنى محلية مجزأة وتابعة. فحتى المليشيات المحلية المتعاونة مع الاحتلال، التي تتلقى دعماً لوجستياً أو حماية في بعض المناطق، لا يجري دمجها في إطار أمني واحد؛ بل تبقى موزعة جغرافياً ووظيفياً، بما يمنعها من التحول إلى قوة مستقلة أو سلطة موحدة.

والغاية من ذلك إبقاء القطاع في حالة قابلة للرصد والتفكيك والفوضى والتهجير. فالمجموعات المحلية ليست بديلاً حقيقياً عن الأمن العام أو الحكم، بل أدوات مؤقتة تُستخدم في مناطق محددة، وضمن هامش حركة يظل خاضعاً للقرار الإسرائيلي.

اقتصاد الإغاثة أداة أمنية

يتمثل البعد الآخر في إدارة الأمن من خلال الاقتصاد الإغاثي. فحين تصبح الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والماء والدواء والوقود والمأوى، نادرة أو مقيدة الوصول، تتحول السيطرة على توزيعها إلى مصدر نفوذ أمني وسياسي.

ومن خلال تقييد المنظومة الإغاثية الدولية المرتبطة بالأمم المتحدة، ومحاولة إنشاء آليات بديلة لتوزيع المساعدات، سعت إسرائيل إلى إعادة تنظيم العلاقة بين السكان والموارد. إلا أن هذه الآليات لم تحقق أهدافها بالكامل، ولم تنجح في تقديم نموذج مستقر أو مقبول لإدارة الاحتياجات الإنسانية.

والنقطة الجوهرية هنا أن الاحتلال لا يبدو قادراً على بناء بديل صالح للحكم في غزة، وهو ما تؤيده تقديرات ومصادر أمريكية وإسرائيلية. لكنه يوظف المليشيات، والشبكات العشائرية، واقتصاد المساعدات، والتفوق الاستخباري، لمنع استعادة البنية الأمنية الفلسطينية وقدرتها على النهوض من جديد.

اختطاف العرابيد واستهداف البنية الأمنية

وجّه 7 أكتوبر ضربة أمنية واستخبارية كبيرة للاحتلال الإسرائيلي، ولذلك حملت استجابته الأمنية بعداً يتجاوز الرد العسكري المباشر. فقد سعت إسرائيل إلى استعادة التفوق الأمني عبر نماذج هجينة تجمع بين المراقبة الإلكترونية، وتحليل البيانات والخوارزميات، والاستطلاع الجوي، والمصادر البشرية، وتجنيد العملاء، والتحقيق مع الأسرى الفلسطينيين وتعذيبهم، وجمع المعلومات من شبكات متعددة. وقد عمل الاحتلال على استباحة المجال الأمني من خلال تتبع حركة السكان وبياناتهم عبر بيانات الهواتف واستخدام المسيرات للمراقبة والتنصت واستخدام تطبيقات الذكاء الصناعي في المراقبة، ومن الواضح أنه أعاد ترميم بنيته للمصادر البشرية كما تشير الوقائع على الأرض والعملاء الذين يجري كشفهم كما حصل مع اكتشاف العميل الذي تسبب باغتيال عز الدين الحداد قائد كتائب القسام في غزة.

وفي هذا السياق، تكتسب عملية اختطاف معين العرابيد دلالة تتجاوز شخصه. فالعرابيد ضابط أمني فلسطيني بارز في جهاز الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية في غزة، ولا يمكن قراءة اختطافه بوصفه عملية تستهدفه لقيمته الفردية فقط. فلو كان الهدف مجرد تحييده، لكان الاغتيال خياراً متاحاً كما حدث مع ضباط وقيادات أمنية أخرى.

لكن اعتقاله حياً يشير إلى أن العملية ارتبطت بقيمته الاستخبارية: معرفة شبكات العمل الداخلي والعلاقات المهنية والتنظيمية ومسارات الاتصال وآليات الحماية والكوادر، وربما الثغرات المحتملة في البنية الأمنية الفلسطينية. لذلك، يمكن النظر إلى اختطافه باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف فهم هذه البنية واختراقها وإضعاف قدرتها على حماية نفسها وإعادة تنظيم عملها.

وحول عملية الاختطاف نفسها فمن الواضح أنها شملت مراقبة مستمرة لمنطقة وجوده عبر المراقبة الجوية وتحليل الاتصالات وشهادات المصادر البشرية ومشاركة المليشيات، وبالتالي لا يعد اختطاف العرابيد مجرد نجاح ميداني في مهمة، بقدر ما هو مثال على دمج هذه الآليات الأمنية معاً لخدمة تحقيق السيطرة الأمنية واستهداف مناعة البنية الأمنية الفلسطينية.

وقد أظهر 7 أكتوبر وجود خلل وقصور إسرائيلي في فهم البنية الأمنية والتنظيمية الفلسطينية في غزة. ومن هنا، فإن عمليات الاعتقال والاستجواب والاختطاف لا تندرج فقط في إطار جمع معلومات ميدانية آنية، بل ضمن مسعى أطول لتفكيك البنية الأمنية التي تشكلت في غزة على مدار عقود.

لم يكن هدف الاحتلال الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر تدمير المقرات الأمنية الفلسطينية أو استنزاف كوادرها فحسب، بل تعطيل قدرتها على الاستمرار وإعادة إنتاج الأمن. فقد جمع بين القصف والاغتيال والرقابة الاستخبارية وتفكيك القيادة والتحكم، وبين توظيف المليشيات المحلية واقتصاد المساعدات والفراغ الأمني. وتسعى هذه السياسة إلى منع قيام مرجعية أمنية فلسطينية موحدة، وإبقاء غزة فضاءً مجزأً وهشاً وقابلاً للاختراق. لذلك، فإن معركة غزة الأمنية لا تتصل فقط بمن يملك السلاح، بل بمن يملك القدرة على حماية المجتمع وتنظيم موارده وكسب ثقته.

وفي هذا الإطار وبعد اختطاف العرابيد قامت حماس باستجابة أمنية مضادة للحفاظ على الثقة المجتمعية وحماية البنية الأمنية، فقد جرى رغم الحساسية الأمنية اعتقال 36 شخصاً على الأقل مشتبه بهم في التعاون في عملية اختطاف العرابيد وجرى توقيف 3 منهم بتهمة التخابر، وكان جزء من هؤلاء تلقوا مساعدات عبر برنامج إغاثي انتحلت القوة الإسرائيلية صفته، وعثر معهم على شرائح اتصالات إسرائيلية، وبالتالي فإن التحقيقات التي أجرتها حماس هي استعادة للمبادرة في بناء صورة الوجود الميداني وفي ترتيب البيئة الفوضوية التي يريد الاحتلال تركها خلف كل فعل، وأخيراً استمرارها في معركة السيطرة الأمنية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.

 

 


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
واشنطن تدعم السعودية وتحمّل جماعة الحوثي مسؤولية التصعيد
انفجارات تهز قلب النفط الإيراني.. والحرس الثوري يهدد بالرد
في "يوم محو الأمية".. أمينة أردوغان: مبادرات التعليم غيَّرت حياة كثيرين
"تكريس لإنكار إبادة سربرنيتسا".. تركيا تندد بإقامة صربيا مراسم تشييع رسمية لملاديتش
تركيا.. توقيف 9 أشخاص في عملية ضد تنظيم "داعش" الإرهابي بإسطنبول
وصفته أوكرانيا بـ"الهجوم المروع".. روسيا تستأنف قصف كييف عقب مغادرة كوشنر وويتكوف
عبد العاطي يبحث تطورات المنطقة وخفض التصعيد مع قادة عرب ومسؤولين أمميين
السعودية.. تحالف “دعم الشرعية”: إصابة 73 مدنياً إثر هجمات للحوثيين في 4 مدن بالمملكة
شركة أسيلسان التركية تنجح في اختبار نظام "غورز" للدفاع الجوي متعدد الطبقات
رداً على برلين.. روسيا تغلق القنصلية الألمانية في سان بطرسبورغ ومراكز معهد غوته
الجيش اليمني يحقق تقدماً ميدانياً في 4 جبهات.. والعليمي يؤكد مواصلة العمليات
"مستعدون للتعاون".. الصين تؤكد دعمها جهود الوساطة القطرية في الشرق الأوسط
طواقم الإطفاء التركية تواصل عمليات التدخل جواً وبراً للسيطرة على حريق غابات في أنطاليا
مقررة أممية تحذر من طمس أدلة جرائم الإبادة في غزة.. وحماس تطالب بدخول فرق تحقيق وخبراء جنائيين
وسط انتقادات أوروبية.. صربيا تقيم جنازة رسمية لدفن مجرم الحرب ملاديتش