من "صفر نفايات" إلى COP31.. كيف شقّت تركيا طريقها نحو دور أكبر في العمل المناخي العالمي؟
تركيا
5 دقيقة قراءة
من "صفر نفايات" إلى COP31.. كيف شقّت تركيا طريقها نحو دور أكبر في العمل المناخي العالمي؟عندما يُذكر اسم تركيا في وسائل الإعلام الدولية، غالباً ما ينصب التركيز على صناعاتها الدفاعية المتطورة، وجهودها في الوساطة لحل النزاعات الإقليمية، أو دورها الاستراتيجي كجسر يربط بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
أمينة عقيلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان / AA

وقد جعلت مبادرات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السياسة الخارجية من تركيا لاعباً بارزاً على الساحة العالمية خلال السنوات الأخيرة.

إلى جانب الدبلوماسية والسياسات الأمنية والتحول الاقتصادي، أصبحت السياسات البيئية والمناخية أيضاً من المجالات التي تزداد فيها مكانة تركيا وحضورها الدولي.

وقبل وقت طويل من منح مدينة أنطاليا حق استضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP31)، كانت تركيا تستثمر بالفعل في مشاريع التشجير، وسياسات المياه، والتنمية الحضرية المستدامة، وتوسيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة.

ولذلك، فإن استضافة مؤتمر COP31 في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 لا تمثل مجرد نجاح دبلوماسي، بل تعد تتويجاً لمسار تحول متكامل يرسخ مكانة تركيا كفاعل مستقل ومتزايد التأثير في دبلوماسية المناخ الدولية.

وفي أول رسالة وجهها إلى الأطراف المشاركة في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ خلال ربيع عام 2026، أوضح وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركي مراد قوروم أن تركيا ستسعى إلى جعل المؤتمر "مؤتمر للتنفيذ"، أي مؤتمراً يهدف إلى تحويل التعهدات القائمة إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس.

وتعتمد الرئاسة التركية للمؤتمر على مبادئ الحوار والتوافق والعمل، مع التركيز على التحول في قطاع الطاقة، والاقتصاد الدائري، والمدن القادرة على الصمود في مواجهة التغير المناخي، وزيادة إشراك الشباب والعلماء والقطاع الخاص في السياسات المناخية العالمية.

من التشجير إلى الحياد المناخي

إن مراجعة التطورات التي شهدتها تركيا خلال العقدين الماضيين توضح أسباب ثقة أنقرة في هذا التوجه.

فبحسب المديرية العامة للغابات، جرى غرس مليارات الشتلات منذ مطلع الألفية الجديدة. وارتفعت مساحة الغابات في البلاد من نحو 20.8 مليون هكتار إلى أكثر من 23 مليون هكتار.

كما تظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن تركيا تعد من بين الدول القليلة في منطقة البحر المتوسط التي تشهد نمواً مستداماً في مساحة غاباتها على المدى الطويل.

ومع مصادقة تركيا على اتفاق باريس للمناخ عام 2021، حققت البلاد محطة سياسية مهمة في مسارها المناخي. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلن الرئيس أردوغان هدف الوصول بتركيا إلى الحياد المناخي (العيش بطريقة لا ينتج عنها صافي انبعاثات الغازات الدفيئة) بحلول عام 2053.

وقد اختير هذا التاريخ بشكل رمزي، إذ يتزامن مع الذكرى الألفية لمعركة ملاذكرد، كما يجسد رؤية طويلة الأمد للتحول الاقتصادي والتكنولوجي.

وباتت السياسات المناخية تُنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها جزءاً من استراتيجية تنموية شاملة، بحيث لا تُعد السياسات البيئية عبئاً على الاقتصاد، بل محركاً للابتكار والاستثمار والقدرة التنافسية.

التحول في الطاقة كاستراتيجية اقتصادية

يتجلى هذا التحول بوضوح في قطاع الطاقة، فحتى نهاية أبريل/نيسان 2026، بلغت القدرة الكهربائية المركبة في تركيا 125.4 غيغاواط.

ومن هذه القدرة، جاءت 78.4 غيغاواط من مصادر الطاقة المتجددة، بما يعادل 62.5% من إجمالي القدرة الكهربائية المركبة.

وفي الوقت ذاته، استندت 71.7% من القدرة المركبة إلى مصادر طاقة محلية، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للتحول الطاقي بالنسبة لأمن الطاقة في البلاد.

وتقود الطاقة الشمسية وطاقة الرياح هذا التحول بشكل خاص. فقد ارتفعت القدرة المركبة للطاقة الشمسية إلى 26.8 غيغاواط، لتشكل أكثر من خُمس القدرة الكهربائية الإجمالية في البلاد. كما وصلت القدرة المركبة لطاقة الرياح إلى 15.1 غيغاواط.

وبذلك يبلغ إجمالي مساهمة هذين المصدرين 41.8 غيغاواط، أي ما يعادل نحو ثلث القدرة الكهربائية المركبة في تركيا.

ويتوقع وزير الطاقة والموارد الطبيعية ألب أرسلان بيرقدار أن تتجاوز الطاقة الشمسية الطاقة الكهرومائية لتصبح أكبر مصدر للطاقة المركبة في البلاد قبل نهاية العام.

ولا يُنظر إلى التحول الطاقي باعتباره مساهمة في حماية المناخ فحسب، بل يعد أيضاً مشروعاً اقتصادياً وأمنياً يهدف إلى تقليل الاعتماد على واردات الطاقة، وتعزيز استخدام الموارد المحلية، وخلق سلاسل قيمة صناعية جديدة.

"صفر نفايات".. فكرة تركية ذات تأثير عالمي

قلما ترك مشروع بيئي أثراً على الصورة الدولية لتركيا كما فعلت مبادرة "صفر نفايات". فقد أُطلقت المبادرة عام 2017 برعاية السيدة الأولى أمينة أردوغان، وتحولت خلال سنوات قليلة من حملة وطنية إلى نموذج معترف به دولياً.

ووفقاً لوزارة البيئة التركية، أعيدت ملايين الأطنان من النفايات القابلة لإعادة التدوير إلى الدورة الاقتصادية، مع تحقيق وفورات كبيرة في المياه والطاقة والمواد الخام.

ويشارك اليوم أكثر من ألف مؤسسة معتمدة في البرنامج، بما يشمل المدارس والجامعات والمستشفيات والشركات والبلديات.

كما حظيت المبادرة باعتراف دولي من الأمم المتحدة. ففي عام 2022، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة "اليوم الدولي لصفر نفايات" بمبادرة من تركيا.

وبذلك تحولت مبادرة بيئية وطنية إلى نموذج عالمي مرجعي في مجالي الاقتصاد الدائري وكفاءة استخدام الموارد.

دور جديد لتركيا في دبلوماسية المناخ

لا تكمن الأهمية الحقيقية لمؤتمر COP31 في القضايا التقنية فقط، بل في البعد الدبلوماسي أيضاً. فقلما توجد دولة تتحرك في هذا العدد من الدوائر الجيوسياسية المختلفة في الوقت ذاته كما تفعل تركيا.

فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، وشريك مهم للعديد من الدول في إفريقيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، كما تؤدي دوراً نشطاً في الوساطة بالأزمات الدولية.

ويمنح هذا الموقع الفريد تركيا دوراً محورياً في السياسات المناخية العالمية. فالكثير من المفاوضات المناخية تعثرت لسنوات بسبب الخلافات بين الدول الصناعية والدول النامية، لا سيما بشأن تمويل العمل المناخي، ونقل التكنولوجيا، والتكيف مع آثار الأزمة المناخية.

وترى أنقرة في ذلك فرصة لبناء الجسور بين مختلف الأطراف، انطلاقاً من خبرتها في مسارات التنمية والتصنيع.

ولخص مراد قوروم، الرئيس المكلّف لمؤتمر COP31، هذه الرؤية بثلاث كلمات: "الحوار، والتوافق، والعمل".

وسيسانده في ذلك رئيس مؤسسة "صفر نفايات" وبطل المناخ رفيع المستوى للمؤتمر سامد أغيرباش، الذي سيركز على قضايا الاقتصاد الدائري والمشاركة المجتمعية خلال أعمال المؤتمر.

أكثر من مجرد دولة مضيفة

بالنسبة إلى تركيا، يمثل مؤتمر COP31 أكثر من مجرد حدث دولي كبير، فالمؤتمر يوفر فرصة لعرض خبرات البلاد في مجالات الطاقة المتجددة، والاقتصاد الدائري، والتنمية الحضرية المستدامة، ودبلوماسية المناخ على المستوى العالمي.

وخلال السنوات الأخيرة، حظيت تركيا باهتمام دولي بسبب مبادراتها في السياسة الخارجية، وجهود الوساطة، ونجاحات صناعاتها الدفاعية.

ورغم استمرار أهمية هذه العناصر في تشكيل صورتها الدولية، فإن البلاد أصبحت أيضاً لاعباً مهماً في مجالي التنمية المستدامة والسياسات المناخية.

ومن خلال التوسع في الطاقة المتجددة، والاعتراف الدولي بمبادرة "صفر نفايات"، والأهداف المناخية الطموحة، أظهرت تركيا أن التنمية الاقتصادية وأمن الطاقة وحماية المناخ يمكن أن تسير جنباً إلى جنب.

ويمنح مؤتمر COP31 أنقرة فرصة لنقل هذه الخبرات إلى النقاش الدولي، وتعزيز الحوار بين الدول الصناعية والنامية.

وقد يُنظر إلى أنطاليا 2026 مستقبلاً ليس فقط بوصفها المدينة التي استضافت مؤتمراً عالمياً جديداً للمناخ، بل باعتبارها محطة مهمة في تطور دبلوماسية المناخ الدولية، عززت خلالها تركيا دورها كجسر بين المناطق والمصالح ونماذج التنمية المختلفة.

وبالنسبة إلى دولة تربط بين أوروبا وآسيا والبحر المتوسط ودول الجنوب العالمي، فإن ذلك لا يمثل مهمة دبلوماسية فحسب، بل مسؤولية لأجل الطبيعة أيضاً.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
21 قتيلاً إثر هجمات إسرائيلية متزامنة مع جولة التفاوض الرابعة بين لبنان وإسرائيل
بينها تركيا.. 8 دول تندد باقتحام متطرفين إسرائيليين للأقصى وترفض تغيير الوضع القائم بالقدس
الرئيس أردوغان يبحث مع رئيس وزراء هولندا علاقات البلدين وقضايا دولية
الرئيس أردوغان يستقبل البرهان ويؤكد مواصلة تركيا جهودها لوقف إراقة الدماء بالسودان
وزير الخارجية التركي يزور إندونيسيا الأربعاء لبحث سبل تطوير التعاون الثنائي
روبيو يستبعد رفع العقوبات عن إيران مقابل فتح هرمز وتقرير أممي يتحدث عن تأثّر مليار شخص
رئيس البرلمان التركي: القضية الفلسطينية تمثل مأساة مستمرة منذ عام 1947
وزير الخارجية التركي: ترمب يعتزم المشاركة في قمة الناتو بأنقرة
قمة إسلامية-مسيحية في لبنان تدعو إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية ودعم المهجّرين
"وغد ناكر الجميل".. تقارير صحفية تتحدث عن انفجار ترمب بوجه نتنياهو خلال مكالمة إثر التصعيد في لبنان
غزة بين الاغتيالات وتضييق الجغرافيا.. هل تنجح إسرائيل في مساعيها لخلق واقع جديد؟
مقتل 6 من أفراد عائلة واحدة وانتحار المشتبه به في إطلاق نار بولاية أيوا الأمريكية
الذهب والدولار يستقران وسط ترقب لمفاوضات السلام بين واشنطن وطهران
غوتيريش يدعو للإبقاء على قوة أممية في لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل
وزارة الدفاع التايوانية تؤكد تحطم طائرة تدريب عسكرية ومقتل طيارَيها