ويتضمن التقرير ثلاثة محاور رئيسية، ركز الأول على الجوانب العسكرية والتقنية، أما المحور الثاني، فتناول التأثيرات السياسية والجيوسياسية للحرب، في حين خُصص المحور الثالث لتقييم الحرب من منظور تركي، وضم عدداً من الاستنتاجات والتوصيات المتعلقة بتركيا.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقرير هو الثاني الذي تصدره أكاديمية الاستخبارات التركية حول الحرب على إيران، بعد أن تناولت في تقريرها الأول حرب الـ12 يوماً.
وفي هذا التقرير، نستعرض أبرز ما جاء في المحورين الأول والثاني، على أن نخصص تقريراً منفصلاً للمحور الثالث نظراً إلى أهميته وما يتضمنه من خلاصات وتوصيات رئيسية.

الذكاء الصناعي سلاحاً
يشير التقرير إلى أن الحرب الأخيرة أظهرت أن الذكاء الصناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة في دعم القرار أو تحليل المعلومات الاستخبارية، بل تحول إلى عنصر أساسي داخل منظومات القيادة والسيطرة.
وفي هذا السياق، برز عاملان حاسمان أعادا تشكيل طبيعة الحرب الحديثة: التسارع غير المسبوق في عملية اتخاذ القرار، والتحديات المرتبطة بالمسؤولية والصلاحية مع انتقال جزء متزايد من القرارات إلى الأنظمة المؤتمتة.
ومن أبرز التحولات التي فرضها الذكاء الصناعي، تقليص دورة "الملاحظة والتموضع واتخاذ القرار والتنفيذ" (OODA)، التي وضعها المنظّر العسكري جون بويد، إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي جعل "التفوق في القرار" عاملاً حاسماً في حسم المواجهات العسكرية.
لكن التقرير يحذر في الوقت ذاته من أن تسارع دورة القرار إلى ما دون قدرة الإنسان على الفهم والاستيعاب، قد يدفع الأنظمة القتالية إلى العمل بصورة شبه مستقلة، خاصة في العمليات الجوية.
وفي هذا الإطار، يرى التقرير أن قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض التفوق الجوي فوق إيران خلال فترة قصيرة لم ترتبط فقط بتفوق المنصات العسكرية، بل أيضاً بامتلاك آليات أسرع في جمع البيانات واتخاذ القرار والاستجابة العملياتية.
الدفاع الجوي متعدد الطبقات تحت الاختبار
وعلى صعيد الدفاع الجوي، يشير التقرير إلى أن مفهوم "الدفاع متعدد الطبقات" التقليدي لم يعد كافياً في مواجهة التهديدات الحديثة، خصوصاً مع تصاعد هجمات الإغراق والتشبع باستخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة الانتحارية.
ويضيف أن الدفاع الجوي لم يعد "درعاً" مستقلاً، بل أصبح جزءاً من منظومة حرب متكاملة تعتمد بصورة أساسية على شبكات الإنذار المبكر والمستشعرات.
غير أن استهداف الرادارات وشبكات الاستشعار أظهر هشاشة هذه المنظومات، ما يفرض -وفق التقرير- إعادة بناء الدفاع الجوي الحديث على أسس جديدة تشمل توزيع المستشعرات، وتعزيز الأنظمة الاحتياطية، وزيادة القدرة على الحركة والمناورة.
ويؤكد التقرير أن فعالية الدفاع الجوي لم تعد مرتبطة فقط بمنظومات الاعتراض، بل بقدرة الشبكة بأكملها على الصمود والاستمرار تحت الضغط المكثف.
كما أظهرت الحرب أن الأنظمة الدفاعية الثابتة والقابلة للتوقع يمكن أن تنهار بسرعة عندما يمتلك الطرف المهاجم زمام المبادرة وعنصر المفاجأة.
وفي ضوء ذلك، يدعو التقرير إلى تبني عقيدة جديدة للدفاع الجوي تقوم على أربعة مرتكزات رئيسية: بنية دفاعية موزعة وغير مركزية، ودمج القدرات الهجومية ضمن منظومة الدفاع، وتحقيق فعالية أكبر من حيث الكلفة عبر استخدام أسلحة الطاقة الموجهة والحرب الإلكترونية، إلى جانب الاعتماد على الذكاء الصناعي في تقييم التهديدات والاستجابة السريعة لها.
كما يشدد التقرير على ضرورة دمج الدفاع الجوي بالحرب السيبرانية والهجمات الوقائية الاستباقية، مع حماية شبكات الدفاع من عمليات التعمية الإلكترونية والهجمات السيبرانية التي قد تشل قدرتها قبل استهدافها عسكرياً.
وفي جانب آخر، أعادت الحرب التأكيد على أهمية التحصينات والمنشآت تحت الأرض، إذ يرى التقرير أن التموضع الفيزيائي والتصميم المعماري للمنشآت العسكرية لا يقل أهمية عن أنظمة الدفاع النشطة.
ويشير إلى أن استمرار إيران في الحفاظ على وتيرة إطلاق الصواريخ رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة ضد المنشآت الواقعة تحت الأرض، يعكس محدودية تأثير حملات القصف على البنى المحصنة.
أما فيما يتعلق بالمنصات العسكرية الكبرى، فيرى التقرير أن الحرب كشفت تحول حاملات الطائرات والمنصات الضخمة من منصات قوية إلى أهداف عالية القيمة وعالية المخاطر في الوقت نفسه.
ويوضح أن التهديدات منخفضة الكلفة، مثل المسيّرات، والزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية المضادة للسفن، جعلت هشاشة هذه المنصات أكثر وضوحاً، خصوصاً في البيئات الجغرافية المعقدة.
ويؤكد التقرير أن السيطرة على السماء باتت مرتبطة أولاً بالهيمنة على الطيف الكهرومغناطيسي. فالتفوق الجوي لم يعد يعني فقط القدرة على تشغيل الطائرات، بل يشمل أيضاً القدرة على الاستشعار والاتصال والتوجيه، ومنع الخصم من القيام بهذه الوظائف.
كما يلفت التقرير إلى أن الحرب كشفت أزمة متزايدة في استهلاك الذخائر، خاصة الذخائر الموجهة بدقة وصواريخ الاعتراض الدفاعية. فالأهداف المحصنة والمنشآت تحت الأرض تحتاج إلى ضربات متكررة، فيما يرتفع استهلاك الذخائر بصورة تراكمية كلما طال أمد الحرب.
ويحذر التقرير من أن ارتفاع كلفة الذخائر الموجهة وبطء إنتاجها قد يؤديان إلى استنزاف المخزونات بسرعة، خصوصاً في ظل العمليات العسكرية الممتدة.
ويضيف أن مؤشرات تراجع مخزونات صواريخ الدفاع الجوي لدى الولايات المتحدة وحلفائها تعكس تحديات جدية تتعلق بقدرة الأنظمة الدفاعية على الاستمرار في مواجهة الحروب طويلة الأمد.
إيران: النظام تغير ولم يسقط
وفي ما يتعلق بإيران ما بعد الحرب، يشير التقرير إلى أن التغييرات التي طالت المناصب المدنية والعسكرية ستؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل البلاد، بما قد يعزز نفوذ بعض الأسماء والتيارات أو يضعفها.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أنه، حتى الآن على الأقل، لم تظهر أي انشقاقات كبرى داخل النظام، وأن المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية لا تزال تتحرك ضمن حالة واضحة من التماسك الداخلي.
ويرى التقرير أن الصراعات التي ستشهدها المرحلة المقبلة ستبقى، كما كان الحال منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، ضمن إطار إعادة توزيع النفوذ وتقاسم السلطة بين مراكز القوى المختلفة، من دون أن تصل إلى مستوى يهدد بنية النظام أو استمراريته.
وفي هذا السياق، يلفت التقرير إلى ما وصفه بالأخطاء الناتجة عن التصورات الخاطئة لطبيعة السياسة الإيرانية. فمع كل موجة احتجاج أو تصعيد عسكري، تعود إلى الواجهة توقعات انهيار النظام، مدفوعة -بحسب التقرير- بتقديرات تبالغ في هشاشته، روّجت لها شرائح من الجاليات الإيرانية في الغرب، إلى جانب قناعة أمريكية وإسرائيلية بإمكانية تحفيز حراك اجتماعي قادر على تهديد النظام من الداخل.
ويشير التقرير إلى أن هذه التصورات تصدرت النقاشات خلال احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026، ثم عادت بقوة مع اندلاع الحرب الأخيرة، إلا أن مجريات الأحداث أظهرت سريعاً أن إسقاط النظام الإيراني لم يكن مطروحاً بصورة واقعية، على الأقل في المدى القريب.
كما يستبعد التقرير احتمال تحول إيران إلى نموذج شبيه بـ"الدكتاتورية العسكرية"، رغم تنامي نفوذ الحرس الثوري الإيراني.
ويؤكد أن النظام الإيراني يستند، من حيث الشرعية والبنية المؤسسية، إلى العمل السياسي ومراكز التوازن الداخلية، وهو ما يجعل السياسة المدنية قادرة على الحفاظ على دورها خلال المرحلة المقبلة، كما حدث بعد الحرب الإيرانية-العراقية، وكذلك عقب حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة.
وحول مستقبل القيادة في إيران، يتناول التقرير موقع مجتبى خامنئي بوصفه أحد أبرز الأسماء المطروحة في مرحلة ما بعد الحرب، مشيراً إلى وجود مقاربتين أساسيتين لفهم دوره داخل النظام.
المقاربة الأولى ترى أن مجتبى خامنئي يُعد فاعلاً مؤثراً داخل مؤسسات النظام منذ سنوات، مستفيداً من علاقاته داخل مكتب المرشد والدائرة المقربة من "بيت القيادة"، إضافة إلى نجاحه في بناء شبكة نفوذ خاصة به، ما مكنه من التحرك بسرعة لملء الفراغ الذي برز خلال الحرب.
أما المقاربة الثانية، فترى أن وجود مجتبى خامنئي في قمة الهرم لا يعني بالضرورة امتلاكه مركز الثقل الحقيقي داخل النظام، إذ إن النخب العسكرية والأمنية التي تعزز نفوذها خلال الحرب باتت تمثل لاعباً أساسياً في تحديد موازين القوة داخل البلاد.
ووفق هذا التصور، يبدو من الصعب أن يظهر القائد الجديد لإيران بوصفه شخصية مهيمنة تمسك بكامل مفاصل النظام، كما كان الحال مع المرشد السابق.
وفي ما يتعلق بتداعيات الحرب على الدور الإقليمي الإيراني، يشير التقرير إلى أن أي تراجع أمريكي مستقبلي في مستوى الانخراط العسكري بالمنطقة، سواء في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أو أي إدارة لاحقة، قد يفتح المجال أمام توسيع النفوذ الإيراني إقليمياً، خصوصاً إذا شمل ذلك تقليص الوجود العسكري الأمريكي أو إخلاء بعض القواعد والمنشآت المتضررة.
وفي هذا الإطار، يرجح التقرير أن تتجه طهران، التي تعرضت لخسائر وأضرار كبيرة خلال الحرب، إلى زيادة ضغوطها السياسية والأمنية على الدول التي تعتبرها الحلقة الأضعف ضمن التحالف المقابل، في محاولة لإعادة ترميم نفوذها الإقليمي وتعويض خسائر المواجهة الأخيرة.
إسرائيل: الهيمنة المباشرة
ويرى التقرير أن الحرب الأخيرة كشفت عن نقطة تحول جوهرية في الهوية الإستراتيجية لإسرائيل، تمثلت في انتقالها من العقيدة الأمنية التي حكمت سلوكها منذ تأسيسها إلى مرحلة جديدة تقوم على فرض هيمنة إقليمية مباشرة وحمايتها عبر القوة العسكرية التقليدية.
ويشير التقرير إلى أن هذا التحول يدفع إسرائيل تدريجياً نحو أن تصبح دولة ومجتمعاً أكثر عسكرة، مع تصاعد حضور المؤسسة العسكرية والأمنية في المجالين السياسي والاجتماعي.
وبحسب التقرير، فإن إسرائيل تجاوزت عملياً مرحلة حروب الاستنزاف التي كانت تُدار عبر الفاعلين الوكلاء، وانتقلت إلى نمط من الصراع المباشر بين الدول.
ويبرز ذلك بصورة واضحة من خلال الردود المنسقة التي نفذتها أطراف مرتبطة بإيران، مثل حزب الله والحوثيين والفصائل العراقية هو ما دفع إسرائيل إلى التعامل مع "الحرب متعددة الجبهات" باعتبارها واقعاً بنيوياً دائماً، وليس ظرفاً استثنائياً مؤقتاً.
ويحذر التقرير من أن الخطر البنيوي الأعمق بالنسبة لإسرائيل لا يرتبط فقط بتعدد الجبهات، بل بترسخ مفهوم "الحرب الدائمة" والعداء المستمر والاحتلال طويل الأمد تجاه دول وشعوب المنطقة.
ويرى أن هذا الواقع قد يساهم في تعزيز حضور التيارات السياسية الأكثر تطرفاً داخل إسرائيل، وتحويلها تدريجياً إلى تيار سائد يمتلك قاعدة اجتماعية أوسع.
وفي المحصلة، يشير التقرير إلى أن هذا المسار قد يُبقي إسرائيل في حالة أزمة دائمة، سواء على مستوى علاقتها بدول المنطقة، أو في ما يتعلق بتزايد الضغوط والانتقادات داخل الرأي العام الدولي.
كما يلفت التقرير إلى أن انعكاسات الحرب على الداخل الإسرائيلي تبدو حاسمة في هذا السياق، إذ ساهمت الحرب في تعزيز حالة التماسك الصهيوني داخل المجتمع الإسرائيلي وترسيخها بصورة أعمق.
تراجع استراتيجي
وفي ما يتعلق بالسياق الأمني العالمي، يرى التقرير أن الحرب بين محور الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كشفت عن نمط جديد في إدارة الصراعات الدولية، يقوم على احتواء الحرب وضبطها بدلاً من منعها بالكامل.
فبحسب التقرير، ورغم عدم القدرة على الحيلولة دون اندلاع الحرب، فإن الأطراف المتصارعة نجحت في إبقائها ضمن حدود معينة، من خلال إدارة متعمدة لمستويات التصعيد، حتى في أثناء تنفيذ عمليات عسكرية عالية الكثافة.
ويعزو التقرير ذلك إلى ارتفاع كلفة الانزلاق نحو مواجهة شاملة، في ظل عوامل حساسة مثل القدرات النووية، وأمن الطاقة العالمي، وانخراط القوى الكبرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الصراع.
ويشير التقرير إلى أن التوصل السريع إلى وقف إطلاق النار عكس وجود قدرة لدى الأطراف الدولية والإقليمية على التحكم بإيقاع الحرب ومنع خروجها عن السيطرة، إلا أن هشاشة هذا الوقف واستمرار التوترات الميدانية يؤكدان، في المقابل، أن الصراع لم ينتهِ فعلياً، بل جرى تجميده مؤقتاً ضمن توازنات هشة وقابلة للانفجار مجدداً.
وفي هذا الإطار، يصف التقرير المشهد الدولي الناشئ بأنه نموذج لا تُمنع فيه الحروب، بل تُدار وتُضبط ضمن حدود معينة. كما يرى أن الصراعات القصيرة وعالية الكثافة باتت مرشحة للتحول إلى نمط متكرر في العلاقات الدولية، في وقت تشهد فيه الحروب بين الدول عودة متزايدة إلى واجهة النظام العالمي.
ويؤكد التقرير أن هذه التطورات تضع الاستراتيجية الأمريكية، وخصوصاً تركيز واشنطن على منطقة آسيا-المحيط الهادئ، تحت ضغط متزايد.
فالأهداف الأمريكية المتعلقة بموازنة الصين، والحفاظ على الردع في ملف تايوان، وضمان التزامات التحالفات الدولية، باتت تواجه تحديات كبيرة نتيجة الأعباء العسكرية والسياسية التي فرضتها الحرب الأخيرة.
وبحسب التقرير، فإن الولايات المتحدة تقترب تدريجياً من عتبة توسيع التزاماتها العالمية بما يتجاوز قدراتها الفعلية، الأمر الذي قد يدفعها نحو مسارات استنزاف أو تراجع استراتيجي على المدى الطويل.
في المقابل، يرى التقرير أن الصين كانت الطرف الذي حقق أكبر المكاسب الاستراتيجية بأقل تكلفة عملياتية خلال الحرب. فقد حافظت بكين طوال فترة الصراع على موقف حذر وغامض، انسجاماً مع نهجها التقليدي القائم على الصبر الاستراتيجي وتجنب الانخراط المباشر. كما أن انشغال الولايات المتحدة مجدداً في الشرق الأوسط يمنح الصين هامش مناورة أوسع في منطقة آسيا-المحيط الهادئ.

















