حركة فتح بعد المؤتمر الثامن.. بين وعود الاستنهاض وتساؤلات التغيير الحقيقي
سياسة
6 دقيقة قراءة
حركة فتح بعد المؤتمر الثامن.. بين وعود الاستنهاض وتساؤلات التغيير الحقيقيبعد عشر سنوات على آخر مؤتمر عام، عقدت حركة فتح مؤتمرها العام الثامن في مرحلة توصف بأنها الأكثر تعقيداً في تاريخ الحركة السياسي والتنظيمي.
ضمت النتائج تغييراً بنسبة 50% في اللجنة المركزية، أي أن نصف الأسماء هم أعضاء جدد على اللجنة، فيما أظهرت نتائج انتخابات المجلس الثوري تغييرات واسعة / AA

مؤتمر تعتبره الحركة محطة مهمة لترتيب البيت الداخلي وتجديد الشرعيات، بينما يرى محللون سياسيون أن التحدي الأبرز لا يتعلق فقط بالأسماء، بل بقدرة فتح على استعادة حضورها الشعبي والسياسي وعملها الوطني كحركة تحرر لا كحزب سياسي.

وأغلقت حركة فتح أعمال مؤتمرها الثامن في مقر الرئاسة بمدينة رام الله، بعد ثلاثة أيام من الاجتماعات والنقاشات، بمشاركة نحو 2580 عضواً، أغلبيتهم في رام الله، بينما توزع نحو 400 عضو في غزة، و400 في القاهرة، و200 في بيروت، مع اعتماد وسائل الاتصال عبر الإنترنت لضمان مشاركة جميع الأعضاء. 

المؤتمر الذي يُعقد للمرة الأولى منذ عام 2016، لا يأتي في ظروف اعتيادية؛ فالحرب على غزة، والتوتر المتصاعد في الضفة، والتحديات التنظيمية داخل الحركة، جميعها تفرض نفسها على جدول الأعمال.

وضمت النتائج تغييراً بنسبة 50% في اللجنة المركزية، أي إن نصف الأسماء هم أعضاء جدد على اللجنة، بينما أظهرت نتائج انتخابات المجلس الثوري تغييرات واسعة داخل تركيبة الحركة، مع دخول نحو 80% من الأعضاء الجدد، مقابل استمرار عدد محدود من الوجوه القديمة، في خطوة تقول فتح، إنها تعكس توجهاً نحو ضخ دماء جديدة.

محطة استنهاض

بحسب أعضاء فتح، فإن المؤتمر الذي تزامن مع الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، لم يكن لفتح مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل محاولة لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي وتجديد أطره القيادية، في ظل تحديات سياسية وتنظيمية تراكمت على مدار سنوات.

وفي خطوة اعتبرها الأسرى تكريماً لأبناء الحركة، شهدت نتائج المؤتمر حضور عدد من الأسرى المحررين داخل المجلس الثوري واللجنة المركزية، ومنهم الأسير مروان البرغوثي في رأس قائمة اللجنة المركزية.

عضو المجلس الثوري الجديد، والأسير المحرر راتب حريبات يقول، إن تمثيل الأسرى داخل أطر الحركة يحمل دلالات سياسية وتنظيمية.

ويضيف حريبات لـTRT عربي: "أن دخول أسرى محررين أمضى بعضهم أكثر من عشرين عاماً في سجون الاحتلال إلى الصفوف القيادية، يمثل تكريماً لأبناء الحركة، ورسالة بأن ملف الأسرى سيبقى حاضراً داخل القرار الفتحاوي، مشدداً على أن الجيل الجديد داخل الحركة يسعى إلى الدفع باتجاه التغيير، مع الحفاظ على إرث الحركة التاريخي المرتبط بالشهداء والأسرى".

ويؤكد حريبات أن لدى الأعضاء الجدد برامج تتعلق بتطوير الحركة، وإعادة طرح قضايا الأسرى وحقوقهم، إلى جانب ملفات سياسية وتنظيمية أخرى، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستضع على عاتقهم مسؤولية المشاركة في صنع القرار داخل الحركة.

ويقول بصفته أسيراً محرراً: "إن اندفاعنا للترشح والوصول إلى الصفوف القيادية المتقدمة في الحركة نابع من رغبتنا في إحداث التغيير والإصلاح، وحماية الحركة التي تمتلك إرثاً كبيراً من الشهداء والأسرى. نحن نؤمن بأن من يرد صناعة مرحلة جديدة، فلا بد أن يقدّر المراحل السابقة ويستكملها للأجيال اللاحقة. نحترم من سبقنا في الحركة، وسنكون أوفياء للأصوات التي منحتنا الثقة لنكون جزءاً أصيلاً في صنع القرار".

من جانبها، قالت عضو مؤتمر حركة فتح تهاني اللوزي، إن الحركة كانت بحاجة إلى هذه المحطة التنظيمية، وهذا هو الوقت المناسب.

وأكدت لـTRT عربي: "من الناحية اللوجستية، كان المؤتمر على درجة عالية من الترتيب والتنظيم، وشملت النقاشات مختلف الأطر الفتحاوية، إذ جرى بحث القضايا الساخنة التي برزت خلال السنوات العشر الماضية، من 2016 حتى 2026. كما ناقشت اللجان التي جرى تشكيلها عدة ملفات، من بينها لجنة القدس، التي قدمت توصيات مهمة تتعلق بالمدينة واحتياجاتها".

وترى اللوزي أن دخول وجوه جديدة للجنة المركزية بنسبة 50% سيكون له الأثر الكبير بضخ وجوه جديدة قادرة أن تكمل العمل بناءً على القاعدة السابقة. وأضافت: "إن ما جرى لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره عملية ترميم أو إصلاح بقدر ما هو استنهاض واستكمال لمسيرة القيادات السابقة".

 التجديد و النهج القديم

على الجانب الآخر، وبعيداً عن الخطاب التنظيمي للحركة، يرى محللون أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الانتخابات، مع اختبار قدرة الحركة على تحويل نتائج المؤتمر إلى تغييرات فعلية تعالج أزماتها التنظيمية والسياسية، وتعيد بناء علاقتها مع الشارع الفلسطيني.

المحلل السياسي إسماعيل مسلماني قال لـTRT عربي، إن مؤتمر فتح لا يمكن قراءته بوصفه مؤتمراً تنظيمياً فقط، بحكم موقع الحركة داخل النظام السياسي الفلسطيني، معتبراً أن أي تغيير داخل فتح ينعكس مباشرة على مستقبل السلطة الفلسطينية وشكل المرحلة السياسية المقبلة والعلاقة مع الفصائل الفلسطينية الأخرى.

ويرى مسلماني أن إعادة انتخاب محمود عباس رئيساً لفتح، تعكس استمرار التيار التقليدي في الإمساك بمفاصل الحركة.

ويضيف: "تجديد انتخاب محمود عباس، يعكس استمرار النهج السياسي القائم على الشرعية الدولية والعمل الدبلوماسي، رغم الانتقادات الداخلية المتعلقة بضعف الإنجازات السياسية وتراجع الشعبية. ويشير إلى أن الحركة لم تحسم بعد ملف “اليوم التالي” أو مسألة الخلافة السياسية داخل فتح والنظام الفلسطيني عموماً".

ورغم دخول وجوه جديدة إلى أطر الحركة، يعتبر مسلماني أن التحول ما يزال محدوداً نسبياً، وأن القرار المركزي بقي إلى حد كبير بيد القيادات التقليدية، مضيفاً أن المؤتمر أرسل إشارات نحو التجديد، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التحول العميق في بنية القيادة داخل الحركة.

ويرى مسلماني أن التغييرات التي خرج بها المؤتمر قد تساهم في تخفيف بعض الأزمات التنظيمية داخل حركة فتح، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة التحديات الأعمق التي تواجه الحركة، مضيفاً: "الأزمة ليست تنظيمية فقط، بل سياسية أيضاً، وتتعلق بطبيعة المشروع الوطني الفلسطيني، ومستقبل السلطة، والانقسام الداخلي، والعلاقة مع الشارع الفلسطيني".

وأكد أن نتائج المؤتمر ستبقى خطوة لإدارة الأزمة أكثر من كونها حلاً جذرياً لها من دون إصلاح داخلي عميق داخل الحركة وتجديد النخبة السياسية وإعادة بناء الثقة الشعبية وبلورة رؤية سياسية أكثر وضوحاً للمرحلة المقبلة.

مؤتمر خطابي أم تحول فعلي؟

من جانبه، يؤكد المحلل السياسي أمجد شهاب على النقطة الأخيرة التي أكدها مسلماني موضحاً: "أعتقد أن هناك أملاً في تغيير المشهد إذا تحولت هذه الخطابات التي تعيش على الماضي إلى خطوات عملية للإصلاح والتجديد الفعلي لا التجميلي، مع وجود عقد اجتماعي واضح، ومحاسبة للمتنفذين والفاسدين، وقضاء فعّال، وطرح للمشكلات الحقيقية ووضعها على الطاولة ومعالجتها، إلى جانب إشراك الشباب، وتطبيق القانون وميثاق منظمة التحرير، والرجوع إلى إرادة المواطن الفلسطيني، وخاصة أن الفلسطينيين يعيشون خطراً وجودياً يهدد بقاءهم على هذه الأرض".

وحول رأيه في مخرجات المؤتمر، يرى أن المؤتمر بدا أقرب إلى مؤتمر خطابي منه إلى محطة تحول سياسي حقيقية، معتبراً أن الحركة أعادت تثبيت خطابها التقليدي أكثر من تقديم رؤية سياسية جديدة للمرحلة المقبلة.

ويقول شهاب لـTRT عربي، إن المؤتمر كرر الحديث عن الإصلاح من دون تقديم آليات واضحة لتنفيذه، أو توضيح شكل الشراكة الوطنية ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، مضيفاً أن الحركة لجأت إلى الخطاب التاريخي لتجنب الأسئلة الأكثر حساسية المتعلقة بالشرعية، والخلافة السياسية، وأدوات تنفيذ المشروع الوطني الفلسطيني.

ويضيف: "أعتقد أن هذا المؤتمر هو ترسيخ لوضع قائم منذ 2007، ولا يقاس أثره بالخطابات والشعارات بل ببرنامج عمل واضح وإعادة ترتيب الوضع الفلسطيني وإنهاء الانقسام. هناك تغيير بالشكل أكثر من هندسة القرار.

ويطرح شهاب تساؤلات حول طبيعة التغيير الذي أفرزه المؤتمر، معتبراً أن إعادة الوجوه القديمة تعكس استمرار النهج القائم أكثر من إنتاج قيادة جديدة، وخاصة في ظل غياب نقاشات جدية حول البدائل السياسية أو مراجعة المسار السياسي القائم منذ اتفاق أوسلو.

ومع انتهاء أعمال المؤتمر الثامن، تبقى الأنظار متجهة نحو المرحلة المقبلة، وما إذا كانت التغييرات التي أفرزها المؤتمر ستنجح في إحداث تحول فعلي داخل الحركة، أم إنها ستبقى ضمن حدود إعادة ترتيب التوازنات الداخلية.

وبين حديث الحركة عن مرحلة جديدة، وتساؤلات المحللين حول حجم التغيير الذي أفرزه المؤتمر، يبقى الاختبار الحقيقي مرتبطاً بقدرة حركة فتح على تحويل شعارات التجديد والاستنهاض إلى سياسات وأدوات عمل تعيد للحركة حضورها السياسي والتنظيمي، في ظل واقع فلسطيني يزداد تعقيداً على المستويين الداخلي والخارجي.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
بأغلبية ساحقة.. الكنيست الإسرائيلي يصدّق مبدئياً على حل نفسه
الدفاع التركية: هجوم إسرائيل على أسطول الصمود قرصنة.. وليبيا وسوريا تشاركان بمناورات أفس-2026
فيدان يشارك في اجتماع حلف الناتو يومي 21 و22 مايو في السويد
شعر به سكان محافظات سورية.. زلزال بقوة 5.6 درجة يضرب ولاية ملاطيا جنوبي تركيا
البنتاغون يخفض عدد ألوية القوات الأمريكية في أوروبا ويؤجل نشر جنود في بولندا
بتقييد صلاحيات ترمب.. الشيوخ الأمريكي يتحرك لكبح حرب إيران
فانس: تقدم جيد في المحادثات مع إيران.. وإعلام عبري: إسرائيل فوجئت بتأجيل ترمب للهجوم
مطالبات في غزة بتسريع الإجلاء الطبي لآلاف المرضى والجرحى وتواصل القصف الإسرائيلي
ناشطو أسطول الصمود يضربون عن الطعام وسط قلق أممي من الهجوم الإسرائيلي
12 قتيلاً جراء غارات إسرائيلية جنوبي لبنان.. وجيش الاحتلال يعترف بمقتل أحد ضباطه
الرئيس أردوغان: التوترات في المنطقة أبرزت الأهمية الاستراتيجية للعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي
"أعمال بغيضة".. غوتيريش يدين الهجوم على مركز إسلامي في سان دييغو
تحقيقات كسرت الصمت.. TRT عربي تحصد جائزة أمريكية مرموقة
سنتكوم: إجبار 88 سفينة على تغيير مسارها ضمن الحصار البحري على إيران
ترمب: أمام إيران فرصة محدودة لإحراز اتفاق.. وقد نحتاج إلى توجيه ضربة قوية