وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه بغداد تحديات متشابكة، تشمل تراجع إمدادات الغاز، واتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، إلى جانب الضغوط المالية والفنية التي تعرقل تطوير قطاع الكهرباء منذ سنوات.
ويراهن العراق على مشاريع الربط الكهربائي مع تركيا والخليج والأردن بوصفها أحد أسرع الحلول لتعزيز استقرار الشبكة الوطنية وتقليل حدة الانقطاعات خلال أشهر الذروة الصيفية.
وأعلنت وزارة الكهرباء العراقية في 16 مايو/أيار 2026، إنجاز 94% من مشروع الربط الكهربائي الخليجي، الذي يربط محطة الوفرة الكويتية بمحطة الفاو جنوب العراق بطول يبلغ نحو 285 كيلومتراً.
وأكدت الوزارة أنّ المشروع يُعد من أبرز مشاريع الربط الدولي التي تعوّل عليها بغداد لدعم مرونة الشبكة الوطنية خلال الصيف، مع استمرار الأعمال الفنية بمشاركة فرق دولية.
وكانت دول مجلس التعاون الخليجي قد وقّعت في أكتوبر/تشرين الأول 2024 عقد تنفيذ مشروع ربط السوق الخليجية للكهرباء مع العراق، بهدف تزويد بغداد بنحو 3.94 تيراواط/ساعة سنوياً وبأسعار تقل عن تكلفة الإنتاج المحلي، وفق وسائل إعلام عراقية.
وقال المتحدث باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى، في 28 أبريل/نيسان 2026، لوكالة الأنباء العراقية "واع"، إنّ خطوط الربط مع دول الجوار ستدخل الخدمة قبل الصيف، بقدرة إجمالية تبلغ نحو 1250 ميغاواط.
وأوضح أنّ العراق سيحصل على 600 ميغاواط من تركيا، و500 ميغاواط من الربط الخليجي، إضافة إلى 150 ميغاواط من الأردن، على أن تُوزع هذه الطاقة لدعم تجهيز محافظات الجنوب والشمال والعاصمة بغداد والأنبار.
وحول ذلك، يقول عبد المطلب أربا، رئيس قسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة صباح الدين زعيم في إسطنبول، إن خط الربط الكهربائي بين تركيا والعراق يمكن أن يسهم بشكل كبير في التخفيف من حدة أزمة الكهرباء خلال أشهر الصيف، لكنه لن يشكل بمفرده حلاً جذرياً ودائماً للمشكلة.
ويبين أربا في حديثه لـTRT عربي، أن الطلب على الكهرباء في العراق يرتفع بشكل كبير خلال الصيف، في وقت تواجه فيه القدرة الإنتاجية الحالية صعوبة في تلبية الاستهلاك المتزايد، ما يجعل الدعم الطاقي القادم عبر تركيا خطوة مهمة للحد من انقطاعات الكهرباء وتعزيز أمن الإمدادات.
ويضيف أن أنقرة تنظر إلى العراق بوصفه شريكاً إقليمياً مهماً في قطاع الطاقة، وسوقاً واعدة للتعاون الاقتصادي، مشيراً إلى أن مشاريع الطاقة تسهم في تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين.
ويرى أربا أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة دفعت نحو الحاجة إلى شراكات أكثر تنوعاً وأمناً في مجال الطاقة، وهو ما يمنح التعاون التركي-العراقي أهمية إضافية خلال المرحلة الحالية.
كما أشارت وزارة الكهرباء العراقية في 7 مارس/آذار 2026 إلى أنّ مشاريع الربط مع تركيا والأردن والخليج تمثل جزءاً من خطة أوسع لتوسيع شبكة الربط الإقليمي وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، وخاصة في فترات ذروة الطلب الصيفية.
فجوة الإنتاج
وتكشف تقديرات وزارة الكهرباء أنّ مشاريع الربط، رغم أهميتها، لن تكون كافية وحدها لإنهاء الأزمة، في ظل اتساع الفجوة بين الإنتاج الفعلي وحجم الطلب المحلي.
ويقول الخبير الاقتصادي العراقي أحمد صدام، إن مشاريع الربط الكهربائي مع تركيا والخليج لن تكون كافية لتخفيف أزمة الكهرباء خلال صيف 2026، بسبب ارتفاع مستوى الاستهلاك الفعلي الذي يقترب من 50 ألف ميغاواط في أوقات الذروة.
ويوضح في حديثه مع TRT عربي، أن هذه المشاريع تمثل حلاً جزئياً، رغم أهميتها الاستراتيجية في إدخال العراق تدريجياً إلى سوق كهرباء إقليمية، متوقعاً دخول مشروع الربط الخليجي الخدمة خلال الصيف الحالي.
وأكدت الوزارة، بحسب وكالة الأنباء العراقية "واع"، في 29 أبريل/نيسان 2026، أنّ إنتاج المنظومة المستهدف يتراوح بين 29 و30 ألف ميغاواط، بينما قد يتجاوز الطلب الفعلي خلال الصيف 60 ألف ميغاواط.
وأشارت إلى أنّ تراجع إمدادات الغاز الإيراني وانخفاض إنتاج الغاز الوطني قد يؤديان إلى فقدان نحو 5 آلاف ميغاواط من القدرة الإنتاجية، ما يهدد بخفض ساعات التجهيز خلال ذروة الأحمال.
وأضافت الوزارة أنّ جميع خطوط الربط مع دول الجوار أصبحت جاهزة فنياً، إلا أنّ الاعتماد على استيراد الكهرباء يتطلب تخصيصات مالية مستقرة، في وقت ما تزال فيه الموازنة العراقية تواجه تعقيدات سياسية وتشريعية.
ويعتقد صدام أن ما سيصل إلى العراق من مشروع الربط الخليجي لن يتجاوز 500 ميغاواط، وهي كمية محدودة مقارنة بحجم الطلب الكلي، مشيراً إلى أن الفجوة بين العرض والطلب ستبقى بحدود تتراوح بين 10 و15 ألف ميغاواط.
ويبيّن أن إجمالي الكهرباء المستوردة من تركيا والخليج، والبالغة نحو 1100 ميغاواط، يمكن أن يسهم في تقليل اعتماد العراق على إيران بنسبة تقارب 16%، خاصة مع مساهمة الغاز الإيراني حالياً في إنتاج نحو 7 آلاف ميغاواط من الكهرباء.
وذكرت صحيفة "الصباح" العراقية الرسمية في 7 مايو/أيار 2026، أنّ مشروع الربط مع تركيا دخل مراحله النهائية، بعد استكمال الأعمال الفنية والهندسية، ولم يتبقَّ سوى بعض الإجراءات الإدارية المرتبطة بالتشغيل الفعلي.
ويشير صدام إلى أن العراق لا يزال بعيداً عن تحقيق الاكتفاء الطاقي، بسبب اتساع فجوة الإنتاج ووجود فاقد كهربائي يقدر بنحو 50% من إجمالي الطاقة المنتجة نتيجة التجاوزات وضعف الجباية.
ويردف الخبير الاقتصادي أن ارتفاع الاستهلاك السنوي بأكثر من 10%، مقابل بطء نمو الإنتاج، جعل وزارة الكهرباء غير قادرة على مواكبة الطلب المتزايد، ما يبقي أزمة الطاقة قائمة رغم مشاريع الربط والاستيراد.
حلول سريعة
وإلى جانب مشاريع الربط طويلة الأمد، تتجه بغداد إلى حلول إسعافية سريعة لتقليل ضغط الصيف، عبر إعادة تفعيل التعاون مع الشركات التركية المتخصصة بإنتاج الطاقة المؤقتة.
ويشير أربا إلى أن تركيا تمتلك بنية تحتية متطورة وخبرة مهمة في مشاريع الربط الإقليمي، غير أن استدامة تدفق الكهرباء بصورة منتظمة ستعتمد أيضاً على مستوى التنسيق الفني بين البلدين وكفاءة شبكات النقل واتجاهات الطلب الإقليمي.
ويلفت الأكاديمي التركي إلى أن المشروع قد يتجاوز مستقبلاً كونه دعماً مؤقتاً للطاقة، ليتحول إلى جزء من سوق طاقة إقليمي متكامل، وخاصة مع إمكانية ربط العراق بمنظومة الطاقة الأوروبية عبر تركيا، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة واستقراراً سياسياً وتوافقاً قانونياً وفنياً بين الأطراف المعنية.
وفي إطار ذلك، التقى وزير الكهرباء العراقي علي سعدي وهيب، بممثلي شركة "كارباورشيب" (BKPS) التركية، لغرض إعادة تشغيل باخرة أم قصر المتوقفة حالياً في المواني العراقية.
ويأتي ذلك ضمن إجراءات الوزارة لتدارك أحمال الذروة لصيف 2026، إذ جرى خلال اللقاء الاتفاق على خطوات سيجري العمل عليها لإدخال السفينة التركية وإعادتها إلى الخدمة.
وكان العراق قد استأجر خلال عام 2025 باخرتين لتوليد الكهرباء من الشركة التركية بقدرة تقارب 300 ميغاواط لكل سفينة، قبل انتهاء العقد وسحب إحدى السفينتين مع الإبقاء على الأخرى بانتظار تجديد الاتفاق.
وتشير التقديرات إلى أنّ سفن التوليد العائمة توفر حلاً سريعاً مقارنة بمحطات التوليد التقليدية، إذ يمكن تشغيلها خلال فترات قصيرة ومن دون الحاجة إلى بنية تحتية معقدة أو استثمارات طويلة الأمد.
وفي السياق ذاته، أوصت لجنة الكهرباء والطاقة النيابية العراقية في 18 مايو/أيار 2026، بالإسراع في التعاقد على الربط الكهربائي مع تركيا بقدرة 900 ميغاواط، إضافة إلى تفعيل شراء الطاقة من البارجة التركية المتوقفة في مواني البصرة.
ويعكس ذلك تصاعد الرهان العراقي على الشراكة مع تركيا في ملف الطاقة، سواء عبر مشاريع الربط الكهربائي أو من خلال حلول التوليد السريع، في محاولة لتخفيف حدة أزمة الكهرباء التي تتحول كل صيف إلى أحد أكثر الملفات حساسية داخل البلاد.














