وكانت لجنة التعيينات العليا في الخدمة المدنية قد صدّقت الشهر الماضي، بأغلبية أعضائها، على تعيين غوفمان، وخلصت إلى أنه لا توجد شبهات تتعلق بالنزاهة تستوجب منعه من تولي رئاسة الموساد.
وفي أعقاب قرار المحكمة، أبلغ رئيس اللجنة، آشر غرونيس، المحكمة العليا، الأربعاء، عزمه عقد اجتماع جديد للجنة لاستكمال فحص الملف، استجابةً لقرار المحكمة بإعادة النظر في إجراءات التعيين.
وأشار غرونيس في رده إلى قانون تعيين أعضاء اللجنة، في ظل الجدل القائم بشأن استمرار المفوض المنتهية ولايته دانييل هيرشكوفيتس في عضوية اللجنة، أو استبداله بالمفوض الجديد دورون كوهين.
ويأتي ذلك في وقت صعّدت فيه المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية، غالي بهاراف ميارا، موقفها المعارض لتعيين غوفمان، بعدما قدمت إلى المحكمة العليا موقفاً قانونياً دعت فيه إلى إلغاء تعيينه رئيساً للموساد.
وقالت ميارا إن إجراءات التعيين شابتها "عيوب جوهرية" مرتبطة بقضية تشغيل قاصر بصورة تخالف التعليمات، معتبرة أن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتعيين غوفمان "يشوبه انعدام معقولية صارخ، ولا يمكن الدفاع عنه قانونياً".
وأضافت أن المخالفات المرتبطة بآلية التعيين لا تسمح بالإبقاء على غوفمان في المنصب، ويجب أن تؤدي إلى إلغاء القرار بشكل فوري.
كما كشفت المستشارة القضائية أنها اقترحت على المحكمة العليا الاطلاع على وثيقة سرية وقّعها رئيس الموساد الحالي ديدي برنياع، ووصفتها بأنها "وثيقة جوهرية" تتناول خصوصية عمل الجهاز وآلية فحص معايير النزاهة داخله، واستندت إليها ضمن موقفها القانوني المعارض للتعيين.
في المقابل، تمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقراره، مؤكداً أن صلاحية تعيين رئيس الموساد تعود إليه وحده، وقال: "أنا فقط من يعيّن رئيس الموساد، وليس المستشارة القضائية للحكومة ولا المحكمة العليا".
ورغم الأزمة القضائية المتصاعدة، من المتوقع أن يتولى غوفمان رئاسة الموساد خلال نحو أسبوعين ونصف الأسبوع. وبحسب ما نقلته القناة 12 العبرية، فإن غوفمان أكد في أحاديث مغلقة أنه ماضٍ في التعيين رغم الجدل الدائر حوله، قائلاً: "أنوي الذهاب حتى النهاية".
وتأتي هذه التصريحات في ظل معارضة غير مسبوقة من رئيس الموساد الحالي ديدي برنياع، الذي بعث رسالة شديدة اللهجة اعتبر فيها أن غوفمان "غير مناسب وغير جدير" بخلافته في قيادة الجهاز.
ووفقاً للقناة ذاتها، بدأ غوفمان بالفعل تشكيل طاقم عمله، وأجرى سلسلة اجتماعات تسلّم وتسليم مع مسؤولين كبار داخل الموساد، رغم استمرار المعركة القضائية بشأن تعيينه.
قضية الفتى أوري ألمكيس
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى قضية أوري ألمكيس، وهو فتى إسرائيلي كان يدير، وهو في السادسة عشرة من عمره، قناة على تطبيق "تليغرام" نُشرت عبرها معلومات وُصفت بأنها سرية.
وفي مايو/أيار 2022، اعتقل جهاز الشاباك والشرطة الإسرائيلية ألمكيس بعد الاشتباه في نشره معلومات مصنفة، وخضع لتحقيق استمر 44 يوماً، قبل أن تقدّم النيابة العامة الإسرائيلية ضده لائحة اتهام خطيرة تضمنت تهماً تصل عقوبتها إلى 15 عاماً من السجن، وفق ما أوردته صحيفة "هآرتس".
وذكرت الصحيفة، في تقرير نشرته يناير/كانون الثاني 2024، أن ألمكيس أكد خلال التحقيقات أن المعلومات التي نشرها لم يحصل عليها بصفته جهة مستقلة، وإنما نُقلت إليه من ضباط في شعبة الاستخبارات العسكرية، ضمن ما وُصف بأنه "عملية تأثير" قادتها الفرقة 210 التابعة للقيادة الشمالية، التي كان يرأسها حينها رومان غوفمان.
وبحسب روايته التي نقلتها الصحيفة، تواصل معه ضابط برتبة رائد في الفرقة، وطلب منه نشر مواد أمنية عبر قناته على "تليغرام" بهدف التأثير في ساحات مرتبطة بحزب الله وإيران والجيش السوري. كما قال إن ضابطاً آخر من القيادة الوسطى بدأ لاحقاً بتزويده بمعلومات إضافية.
ورغم تكرار ألمكيس لهذه الرواية خلال التحقيق، رفضتها جهات التحقيق سريعاً بعد نفي الجيش وجود أي علاقة له بالقضية، كما لم تُنقل ادعاءاته بصورة كاملة إلى النيابة العامة.
وخلال تلك الفترة، بقي ألمكيس قيد الإقامة الجبرية المشددة، مع فرض سوار إلكتروني عليه ومنعه من استخدام الإنترنت أو التواصل مع العالم الخارجي، إلى أن تمكن محاموه، بعد نحو عام ونصف العام، من إثبات صحة روايته، ما دفع النيابة إلى سحب لائحة الاتهام وإسقاط جميع التهم الموجهة إليه.
وفي وقت لاحق، كشفت تقارير صحفية إسرائيلية أن تحقيقاً داخلياً أجرته شعبة الاستخبارات العسكرية أكد جانباً أساسياً من رواية ألمكيس، إلا أن نتائجه لم تُنقل إلى النيابة العامة.
كما أظهرت التحقيقات أن العملية نُفذت من دون صلاحيات قانونية أو تنسيق مع الجهات المختصة، وأنها عرّضت حياة ألمكيس للخطر.
واكتفى الجيش الإسرائيلي بوصف ما جرى بأنه "أخطاء مهنية" تستوجب إجراءات قيادية داخلية، من دون فتح مسار جنائي بحق المتورطين.
وتحوّلت القضية لاحقاً إلى أزمة سياسية وأمنية، بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ديسمبر/كانون الأول 2025، ترشيح رومان غوفمان لرئاسة جهاز الموساد.
واتهم ألمكيس غوفمان بالتنصل من مسؤوليته وإنكار معرفته به، رغم أنه كان، وفق الادعاءات، على رأس سلسلة تشغيله.
كما برزت شهادة العميد "ج"، الذي قال إن غوفمان نفى أمامه عام 2022 وجود أي علاقة بين الفرقة وألمكيس، قبل أن تظهر لاحقاً روايات ومعطيات مختلفة بشأن القضية.
انتقادات داخل الموساد
وبالتوازي مع الأزمة القضائية، يواجه غوفمان انتقادات متزايدة داخل الموساد نفسه، على خلفية علاقته الوثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إضافة إلى التحفظات المتعلقة بخبرته الاستخباراتية.
وأفادت مجلة "إنتلجنس أونلاين" الفرنسية بأن الرئيس المقبل للموساد يواجه اعتراضات متصاعدة من شخصيات بارزة داخل الجهاز، في حين يواجه المرشح المتوقع لمنصب نائب رئيس الموساد اعتراضات مشابهة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وبحسب المجلة، فإن تعيين نائب المدير الجديد، المتوقع أن يتزامن مع تولي غوفمان رئاسة الموساد، يثير انقسامات حادة داخل الجهاز.
ويُشار إلى المرشح لهذا المنصب بالحرف "E" فقط، وفقاً للقانون الإسرائيلي، إلا أنه يُنظر إليه داخل الموساد، الذي يضم نحو 8 آلاف عنصر، باعتباره من أبرز المقربين من نتنياهو وأكثر المؤيدين له.
ويتمحور أحد أبرز الانتقادات الموجهة إلى المرشح الجديد حول افتقاره لما يُعرف داخل الأوساط الاستخباراتية بـ"الخبرة العملياتية".
فعلى الرغم من أن "E" خدم في الموساد قرابة 20 عاماً، وبدأ مسيرته ضابط تشغيل، فإن أعلى منصب شغله داخل الجهاز كان رئاسة قسم الحرب النفسية، وهو منصب لا يُعد من المواقع المحورية في النشاط العملياتي للموساد، خلافاً للتقاليد المتبعة في تعيين كبار المسؤولين داخل الجهاز.
كما أشارت المجلة إلى أن من أبرز المعارضين لتعيين غوفمان رئيساً للموساد، المدير الحالي للجهاز ديدي برنياع، الذي يستعد لمغادرة منصبه خلال الفترة المقبلة.
ويلفت منتقدو غوفمان أيضاً إلى أنه لا يتحدث اللغة الإنجليزية، التي تُعد اللغة الأساسية في أهم شراكة استخباراتية للموساد، والمتمثلة في العلاقة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
وترى المجلة أن هذه النقطة قد تتحول إلى إشكالية إضافية، وخاصة في ظل احتمالات تصاعد التوتر بين إسرائيل والولايات المتحدة على خلفية الملف الإيراني.
وبحسب التقرير، كان غوفمان من بين مستشاري نتنياهو الذين أكدوا للحكومتين الإسرائيلية والأمريكية أن النظام الإيراني قد ينهار سريعاً في حال شن حملة عسكرية ضده.


















