مقبرة القسّام.. ذاكرة فلسطينية تواجه الطمس في حيفا
الحرب على غزة
6 دقيقة قراءة
مقبرة القسّام.. ذاكرة فلسطينية تواجه الطمس في حيفاتحولت مقبرة الشيخ عز الدين القسام في حيفا إلى ساحة صراع على الذاكرة والهوية الفلسطينية، وسط عمليات تجريف ومصادرة واعتداءات متكررة تهدد واحدة من أبرز الشواهد التاريخية على الوجود الفلسطيني قبل نكبة 1948.
تعود المقبرة إلى ما يقارب مئة عام، وكانت تُعرف في الأصل باسم "مقبرة بلد الشيخ" / وسائل التواصل

على أراضي قرية بلد الشيخ الفلسطينية المهجّرة، الواقعة شرق مدينة حيفا في منطقة الجليل، تقع مقبرة الشيخ عز الدين القسام، واحدة من أبرز المقابر الإسلامية والتاريخية للفلسطينيين في الداخل، والتي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محور جدل واسع، على خلفية الاعتداءات المتكررة التي طالت أجزاءً منها من جماعات يهودية متطرفة.

قرية بلد الشيخ، التي أُقيمت على أراضيها اليوم مدينة "نيشر" الإسرائيلية، كانت قبل نكبة عام 1948 من القرى الفلسطينية البارزة في قضاء حيفا، وكانت تُعد ثاني أكبر قرى قضاء حيفا من حيث عدد السكان، الذين كان معظمهم من المسلمين، قبل أن يتعرضوا للتهجير خلال النكبة، شأنها شأن عشرات القرى الفلسطينية التي هُجّر أهلها من مدنهم وقراهم واحتُلّت القرية عام 1948، وأطلقوا عليها اسم تل حنان وهي الآن جزء من مدينة "نيشر".

ورغم التحولات السياسية والجغرافية التي شهدتها المنطقة بعد عام 1948، بقيت مقبرة الشيخ عز الدين القسام واحدة من أبرز الشواهد الفلسطينية التاريخية القائمة في محيط حيفا، إذ تضم مئات القبور لأهالي بلد الشيخ والقرى المجاورة، إلى جانب قبور شخصيات فلسطينية تاريخية.

تعود المقبرة إلى ما يقارب مئة عام، وكانت تُعرف في الأصل باسم "مقبرة بلد الشيخ"، قبل أن يرتبط اسمها لاحقاً بالشيخ عز الدين القسام عقب دفنه فيها خلال فترة الانتداب البريطاني في ثلاثينيات القرن الماضي.

كما كانت تُعد المقبرة المركزية لأهالي المنطقة، إذ خُصصت لدفن سكان حيفا والياجور وبلد الشيخ وحواسة وعين السعادة والقرى المحيطة، وهو ما منحها مكانة دينيّة وتاريخيّة واجتماعيّة خاصّة لدى الفلسطينيين في المنطقة.

ينظر كثير من الفلسطينيين إلى المقبرة باعتبارها جزءاً من الذّاكرة الجّماعيّة لمدينة حيفا، وشاهداً على الوجود الفلسطيني التاريخي في حيفا ومحيطها.

وتبلغ مساحة المقبرة الأصلية نحو ثلاثة وأربعين دونماً، وقد أُوقفت تاريخياً لخدمة أهالي المنطقة، قبل أن تتعرض أجزاء واسعة منها للمصادرة من قبل الحكومة الإسرائيلية.

وبحسب روايات تاريخية متداولة في المدينة، انطلقت جنازة الشيخ عز الدين القسام من مسجد الاستقلال في حيفا، قبل أن يُدفن في المقبرة التي حملت اسمه لاحقاً، كما تعتبر المقبرة من أكبر مقابر الشهداء التاريخية في فلسطين قبل عام 1948، في ظل الأحداث والمواجهات التي شهدتها منطقة حيفا خلال تلك الفترة

من الذّاكرة التاريخيّة إلى ساحة اعتداءات متكررة

تعرّضت المقبرة خلال العقود الماضية، لسلسلةٍ طويلة من المُصادرات والإجراءات القانونيّة التي طالت أجزاء واسعة من أراضيها، وسط اعتراضاتٍ مُتواصلة من القائمين على الأوقاف الإسلاميّة في المدينة.

وفي حديث خاص لـ TRT عربي مع فؤاد أبو قمير عضو هيئة الأوقاف في حيفا، قال إن المقبرة تتبع لوقف الاستقلال في حيفا، وهو وقف كان يتمتّع باستقلال إداري ومالي قبل عام الـ 1948 وقد تم مصادرة أجزاء من المقبرة عام 1952 رَغمَ استمرار وجود هيئَة متولّين كانت تُدير الوقف داخل المدينة"، معتبرًا أن إجراءات المصادرة التي طالت أجزاء من الأرض جرت بصورة ‘غير قانونية.

وأضاف أبو قمير إنّ تسجيلاتٍ مُصوّرة وشهاداتٍ ووثائق قُدمت للمَحكَمة لإثبات وُجود القُبور داخل المنطقة التي تعرضت للتجريف ضمن توثيقٍ ميداني أجراهُ عام 2016، وبمتابعة من الأوقاف أظهرت فحوصات وخبرات قُدمت للمحكمة سابقًا العثور على رفات وهياكل عظمية داخل المقبرة ما عزز بحسب القائمين على الوقف الرّواية التي توكّد أنّ الموقع يُستخدم كمقبرة تاريخيّة.

وخلالَ السّنوات الأخيرة، تصاعَدت الاعتداءات على المقبرة بصورةٍ لافتة، شملت أعمال تجريف وطمس لأجزاء من الأرض، إضافة إلى إزالة خيم الحماية التي أقامها الأهالي والنشطاء داخل الموقع.

ولم تقتصر الاعتداءات على أعمال التجريف، بل امتدت إلى كتابة شعارات عنصرية على بعض الأضرحة، واقتحامات متكررة نفذتها جماعات يمينية متطرفة.

وتصاعد الجدل حول المقبرة بصورة أكبر بعد دعواتٍ وتهديداتٍ أطلقها وزير الأمن الإسرائيلي " إيتمار بن غفير" حيث طالب بهدم قبر الشيخ عز الدين القسام، وكان بن غفير أشرف على إزالة خيمة نصبتها لجنة الوقف الإسلامي قرب الضريح، في خطوة أثارت موجةَ غضبٍ واسعة بين الأهالي والجّهات المُدافعة عن المقبرة.

من جهتها، اعتبرت جهاتٌ فلسطينيّة وحقوقيّة أنّ إزالة خيمة الحراسة واللّافتات التّعريفيّة وكاميرات المُراقبة من الموقع شكّلت تمهيدًا للاعتداءات التي شهدتها المقبرة لاحقاً.

حيثُ شَهدت المقبرة واحدة من أبرز الاعتداءات الأخيرة في أبريل/نيسان 2026، بعد تنفيذ أعمال تجريف وطمر داخل أجزاء من المقبرة باستخدام مخلفات البناء، وسط اتهامات للشرطة الإسرائيلية بتوفير الحماية للأعمال التي جرت داخل الموقع.

وبحسب الأهالي والناشطين، بدأت الأعمال بصورة مفاجئة ليلًا، قبل أن يتدخل عشرات الشبان والأهالي من حيفا وطمرة وكابول وعدد من البلدات المجاورة لمحاولة وقف عمليات الطمس والتجريف.”

وأعادت هذه الأحداث المقبرة إلى واجهة الجدل داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل، وسط حالة غضب واسعة ومخاوف متزايدة من استمرار الاعتداءات على المقبرة. 

وفي حديث خاص لـTRT عربي مع متولي أوقاف حيفا المحامي خالد دغش، قال: "إنّ الجهات المُشرفة على الوقف تمكنت من استصدار أمر احترازي وأمر منع مؤقت ضدّ الجّهات التي نفّذَت أعمال التّجريف داخل المقبرة.”

وأوضح دغش أن أعمال التجريف الأخيرة طالت ما بين سبعة إلى ثماني دونمات من الجزء الشمالي للمقبرة، مشيرًا إلى أن المحكمة أصدرت قراراً مؤقتاً بوقف الأعمال إلى حين استكمال الإجراءات القضائية.”

وأضاف أن جلسة إضافية ستُعقد في محكمة الصلح بمدينة حيفا للنظر في القضية، والاستماع إلى ادعاءات الشركة الإسرائيلية التي تدّعي ملكية جزء من الأرض، إلى جانب الأدلة التي ستقدمها أوقاف حيفا.

وأكد دغش، أنّ القضية ترتبط بجزء من أرض المقبرة تعرض للمصادرة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ضمن سياسات المصادرة التي طالت أراضي فلسطينية واسعة بعد عام 1948

وقال إن مساحة المقبرة التاريخية تبلغ نحو ثلاثة وأربعين دونماً، فيما جرت مصادرة ما يقارب ثلاثين دونماً منها، قبل أن يُباع جزء من هذه الأراضي لشركات مختلفة.

كما أشار إلى أن القائمين على الوقف لا يعترفون بشرعية هذه المصادرات وعمليات البيع، ويطالبون بإلغائها، رغم تعقيد الوضع القانوني المرتبط بالأرض.

ورغم القرار القضائي المؤقت، يرى القائمون على ملف المقبرة أن الحماية القانونية التي يوفرها القانون الإسرائيلي للمقابر والأوقاف الإسلامية ما تزال محدودة.

وأشار إلى أن الحماية التي يوفرها القانون الإسرائيلي للمقابر والأماكن الدينية ليست بدرجة عالية، مضيفًا أن القرار الحالي يبقى مؤقتاً ولا يضمن مستقبل المقبرة على المدى البعيد.

واتهم دغش الشرطة الإسرائيلية بتوفير الظروف التي سمحت بتنفيذ أعمال التجريف داخل المقبرة، مشيرًا إلى إزالة خيمة الحراسة ومصادرة كاميرات المراقبة قبل فترة قصيرة من وقوع الاعتداء.

المقبرة، صراعٌ على الذاكرة والهويّة 

يرى ناشطون وأهالٍ تحدثت معهم TRT عربي  أنّ ما يجري في المقبرة لا يتعلق فقط بنزاع على الأرض، بل يمتد إلى قضية الحفاظ على المعالم التاريخية والدينية الفلسطينية في المدن والقرى التي شهدت تهجير سكانها بعد عام 1948.

وبالنسبة لكثير من الفلسطينيين في الداخل، لا تمثل المقبرة مجرد موقع للدفن، بل واحدة من آخر الشواهد الحية على الوجود الفلسطيني التاريخي في مدينة حيفا.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحركات القانونية والشعبية لحماية المقبرة، تتزايد المخاوف من تكرار أعمال التجريف أو توسعها مستقبلاً، خاصة في ظل استمرار النزاع القضائي حول أجزاء من الأرض.

ومن المقرر أن تنظر محكمة الصلح في حيفا في الرابع من يونيو/حزيران المقبل بطلب تمديد الأمر الاحترازي الذي أوقف أعمال التجريف داخل المقبرة.

وبين المسارات القضائية والاعتصامات الشعبية، تبقى مقبرة الشيخ عز الدين القسام بالنسبة لكثير من الفلسطينيين في الداخل أكثر من مجرد مقبرة تاريخية، بل مساحة ترتبط بالذاكرة والهوية والوجود الفلسطيني في مدينة حيفا.


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
السعودية تعلن اعتراض وتدمير 3 مسيّرات قادمة من العراق وتؤكد احتفاظها بحق الرد
قطر تجري اتصالات مكثفة لخفض التصعيد بالمنطقة.. ومباحثات إماراتية إثر استهداف محيط منشأة نووية
روسيا تتهم كييف بقصف محطة زابوريجيا النووية.. و4 قتلى جراء هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة
ترمب يهدد إيران: الوقت ينفذ.. ويبحث مع نتنياهو "إمكانية استئناف" الحرب
"خرق فاضح".. تنديد فلسطيني بقرار إسرائيلي إقامة مقرات عسكرية على أرض الأونروا بالقدس
إصابة 4 عسكريين إسرائيليين بعبوة ناسفة جنوبي لبنان.. و"حزب الله" يعلن استهداف قوات وآليات
الصين تحذر واشنطن بشأن تايوان وتدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار مع إيران
تقارير: واشنطن تطرح 5 شروط على طهران لاستئناف المفاوضات معها
أبوظبي: استهداف مسيّرة لمولد كهربائي قرب محطة براكة دون تأثير إشعاعي
وسط إهمال طبي.. هيئة شؤون الأسرى الفلسطينية تحذّر من تفشّي الجرب في سجن عوفر
المحكمة الجنائية الدولية تصدر أوامر اعتقال سريّة بحق 5 مسؤولين إسرائيليين
إيران تعيّن قاليباف ممثلاً خاصاً لشؤون الصين بناء على اقتراح الرئيس الإيراني
غزة.. شهيدان وإصابات بقصف إسرائيلي على خان يونس وتوسيع نطاق التوغل شرقي المدينة
واشنطن تُنهي إعفاء النفط الروسي من العقوبات بعد ارتفاع أسعار الطاقة بسبب حرب إيران
حليف مادورو.. فنزويلا ترحّل وزير الصناعة السابق إلى أمريكا للمرة الثانية بتهم فساد وغسل أموال