العماد جوزاف عون ، رئيس أركان الجيش اللبناني ، في قاعدة جوية عام 2018 (AFP)
تابعنا

هذا ليس تحليلاً من خبير اقتصادي متشائم، ولا تقدير موقف ورد في مقال في صحيفة لبنانية، إنما هو تقرير رسمي صادر عن البنك الدولي. التقرير أشار كذلك إلى أن لبنان يغرق نحو إحدى أشد الأزمات حدّة وسط تقاعس متعمّد من المسؤولين.

كما الكثير من التقارير الهامّة المتعلقة بلبنان، لم يلقَ تقرير البنك الدولي اهتماماً من اللبنانيين المنشغلين بالتجاذب بين رئيس الحكومة المكلَّف سعد الحريري ورئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل ومعه رئيس الجمهورية ميشال عون حول ملف تشكيل الحكومة. بالتزامن مع هذا الجمود يشهد الوضع الاقتصادي والنقدي والاجتماعي المزيد من الأزمات.

الانهيار غير المسبوق الذي يعيشه لبنان حسب تقرير البنك الدولي، دفع إلى البحث عن حلول استثنائية وغير مألوفة لإيجاد مخرج للأزمة، في ظل انسداد أفق الحل واستمرار تعنّت القوى السياسية.

من بين المخارج التي جرى الهمس بها في الآونة الأخيرة، هو تشكيل حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون تنفّذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة والتي تشكل مدخلاً لخروج لبنان من النفق المظلم، خاصة أن مؤسسة الجيش اللبناني رغم كل الفساد الذي أصاب مؤسسات الدولة وإداراتها وطبقتها الحاكمة، ما تزال تحظى بثقة شريحة واسعة من اللبنانيين، الذين يعتبرون أن الجيش يكاد يكون المؤسسة الوحيدة التي ما زالت تقدم أداء وطنياً جامعاً، بعيداً عن الانقسام الطائفي والمذهبي والفساد الذي نخر إدارات الدولة.

هذا بالإضافة إلى أن الأداء الذي قدّمه قائد الجيش منذ تولّيه منصبه كان متوازناً وإيجابياً، نجح من خلاله في إبعاد المؤسسة العسكرية عن الاصطفاف السياسي، وحافظ على مسافة من جميع الفرقاء، وإن كان محسوباً على رئيس الجمهورية.

اقتراح تشكيل حكومة عسكرية لم يأتِ من فراغ، فقد شهدت الأيام الماضية مؤشرات هذا الاقتراح. فخلال زيارة قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون لباريس، ومن خارج جدول أعماله المقرر، التقى عون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، الأمر الذي اعتُبر سابقة، ومفاجأة ثقيلة لبعض السياسيين اللبنانيين، وخصوصاً لمن طلبوا مواعيد من قصر الإليزيه ولم يتم تحديدها لهم.

يأتي ذلك في وقت يتمّ الحديث فيه عن فرض باريس عقوبات على عدد من كبار المسؤولين اللبنانيين، ومنعهم من دخول الأراضي الفرنسية. لقاء ماكرون بقائد الجيش الذي تجاوز فيه الرئيس الفرنسي البروتوكول من خلال استقباله "موظفاً" لبنانياً برتبة قائد جيش، قرأه البعض تشجيعاً فرنسياً لقائد الجيش على اتخاذ خطوة تشكيل حكومة عسكرية تُشرف على مرحلة انتقالية، تمهّد للانتخابات النيابية والرئاسية المقبلة.

في حين قرأه آخرون، بأنه إشارة واضحة من الرئيس الفرنسي للطبقة السياسية في لبنان، بأن جوزف عون هو مرشح جدّي لرئاسة الجمهورية ليكون خلفاً لميشال عون بعد انتهاء ولاية الأخير العام المقبل. خاصة أنها ليست المرة الأولى التي ينتقل فيها ضابط من قيادة المؤسسة العسكرية إلى قصر بعبدا، فقد سبقه إلى ذلك بعد اتفاق الطائف رئيسان للجمهورية هما إميل لحود وميشال سليمان.

لذلك لن يكون مستغرباً وصول جوزف عون إلى رئاسة الجمهورية، خاصة أن هناك مقولة متداولة في أوساط اللبنانيين تقول بأن "كل قائد للجيش في لبنان هو مرشح طبيعي لرئاسة الجمهورية".

في مقابل هاتيْن القراءتيْن للقاء الرئيس الفرنسي بقائد الجيش، حرص المسؤولون في لبنان على تسخيف الخطوة والتقليل من أهميتها، واعتبروا أن حفاوة قصر الإليزيه بقائد الجيش مؤشر على الاهتمام الذي توليه باريس للمؤسسة العسكرية، وتأكيد لتمسكها بدورها الوطني الجامع لكل اللبنانيين.

لم يكن لقاء الرئيس الفرنسي بقائد الجيش الإشارة الوحيدة، بل تعزّزت بتزامن إشاعة سرت في الأوساط الإعلامية مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية طلبت من العماد جوزف عون تشكيل حكومة عسكرية لكنه رفض طلبها.

كان يمكن لهذه الإشاعة أن تبقى في إطار التكهنات، لكن قيادة الجيش منحتها أهمية خاصة بإصدار بيان رسمي نفت فيه "الإشاعة" واعتبرت أنها "لا تمت إلى الواقع بصلة".

بعيداً عن اللفتة الرئاسية الفرنسية تجاه قائد الجيش، والإشاعات في الأوساط الإعلامية، وبعيداً كذلك عن طموحات العماد جوزف عون الرئاسية أو مدى استعداده لتنفيذ انقلاب عسكري، يبقى السؤال: هل لبنان مؤهّل أصلاً كي يتسلم الجيش مقاليد السلطة فيه؟ وهل البنية السياسية والتركيبة الطائفية المعقّدة للبنان يمكن أن تنسجم مع نظام عسكري أسوة بالعديد من الأقطار العربية الأخرى؟

ففي معظم الدول العربية تلعب المؤسسة العسكرية دوراً محورياً في إدارة شؤون الدولة سواء بصورة مباشرة أو من وراء ستار، بينما الوضع في لبنان مختلف.

فالمؤسسة العسكرية كما جميع مؤسسات الدولة الأخرى تخضع لتوازنات طائفية من الصعب تجاوزها.

صحيح أن الطابع العام للجيش وطني بعيد عن الاصطفافات، لكن هذا لا ينفي أنه يخضع لسلطة زعماء الطوائف الذين يتحكمون بكل مفاصل الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية. لذلك ينفرد لبنان عن أقرانه من الدول العربية، بأن السلطة النافذة فيه هي سلطة زعماء الطوائف وليست المؤسسة العسكرية، وقد سبق للجيش أن شهد خلال الحرب الأهلية انقسامات في صفوفه، فصارت هناك ألوية تابعة لبيروت الغربية (الإسلامية) لها قيادتها وأوامرها، وألوية أخرى تتبع لبيروت الشرقية (المسيحية) ولها قيادتها وأوامرها، وفي كلتا الضفتين كان الجيش يخضع لقوى الأمر الواقع.

المرة الوحيدة التي شهد فيها لبنان نفوذاً قوياً للمؤسسة العسكرية كان في عهد رئيس الجمهورية فؤاد شهاب (1958–1964)، والسبب في ذلك يعود إلى إحباط محاولة انقلاب فاشلة نفذها الحزب القومي السوري الاجتماعي عام 1961 على السلطة، فتبع هذه المحاولة تدخّل سافر للجيش في اللعبة السياسية بداعي الحؤول دون تكرار المحاولة، وتحوّل جهاز مخابرات الجيش الذي كان يُطلق عليه اسم "المكتب الثاني" إلى جهة تتدخل بكل صغيرة وكبيرة في حياة اللبنانيين. حتى الحكومة العسكرية التي ترأسها قائد الجيش حينذاك العماد ميشال عون عام 1989 بعد تعذّر انتخاب رئيس للجمهورية، سرعان ما تحوّلت إلى جبهة مسيحية طائفية لا علاقة لمؤسسة الجيش بها، وصار عون زعيماً للمنطقة المسيحية، في مقابل زعامات المنطقة الإسلامية.

ولعلّ تجارب اللبنانيين مع رؤساء الجمهوريات القادمين إلى سدة الرئاسة من قيادة الجيش لا تبشر بتكرار الكرّة. فالرئيس ميشال سليمان يتّهمه فريق من اللبنانيين بالفساد والتبعية للمحور الأمريكي والسعي لمحاصرة حزب الله، في حين أن فريقاً آخر يتهم الرئيس إميل لحود بالتبعية للمحور المقابل وتنفيذ رغبات النظام السوري، بينما يعايش معظم اللبنانيين هذه الأيام بكثير من الأسى واللوعة ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون الذي كان قبل ثلاثة عقود قائداً للجيش.

للنظام الطائفي في لبنان مثالب كثيرة، لكن من مزاياه أنه يحول دون تسلّط العسكر وطموحه لتولّي مقاليد السلطة، وهو ما تفتقده معظم الدول العربية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً