ففي ديسمبر/كانون الأول 2019 أُعِدَّ مشروع موازنة العام المالي 2020 وقُدمت إلى مجلس الوزراء الانتقالي لإجازتها. وقد أعدت بواسطة وزراء الفترة الانتقالية القادمين من الخارج، ومستشاريهم الذين أمضوا عقوداً من الزمان خارج البلاد، ولم تُشرَك الأجهزة الفنية العاملة بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي على الرغم من خبراتها التراكمية الكبيرة بإعداد الموازنات.
ومن المؤشرات الدالة على عدم إشراك الأجهزة الفنية اعتماد الموازنة على المجتمع الدولي بأكثر من 50%، كذلك فإن الموازنة زادت بنسبة 200% عن 2019، علماً أن معدل نمو موازنات معظم دول العالم تكون في حدود (5-25%)، وبالتالي رُفضت الموازنة من قِبل مجلس الوزراء الانتقالي لأن اعتمادها على المجتمع الدولي بنسبة كبيرة يعرِّضها للمخاطر، بالإضافة إلى كثرة الأخطاء التي جاءت بأرقام الموازنة نسبة إلى قلة خبرة المكلفين بإعدادها.
قُدمت الموازنة لمجلس الوزراء ثانيةً كسلطة تنفيذية ثم مجلسَي الوزراء والسيادي كسلطة تشريعية مؤقته في ظل غياب المجلس التشريعي وعجز حكومة الفترة الانتقالية عن تشكيل المجلس حتى الآن، ولم تتضح الرؤية هل أجيزت موازنة 2020 نهائياً أم أن اختلاف وجهات النظر حول السياسات الاقتصادية حال دون إجازتها، فذلك الاختلاف بدر من قِبل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (قوى تحالف الحرية والتغيير) مع الجهاز التنفيذي في الدولة.
وقد تمسَّك الأخير بتنفيذ سياسات رفع الدعم عن السلع الاستراتيجية مثل البنزين والجازولين والغاز والخبز والدواء وغيرها من السلع الأخرى، ويأتي تمسُّك الجهاز التنفيذي بهذه السياسات إرضاءً لصندوق النقد والمجتمع الدولي. ويبدو أن السلطة التشريعية المؤقتة اعتمدت الموازنة مع عدم الفصل في القضايا الخلافية وتركها للمؤتمر الاقتصادي القومي الأول.
وقد بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي المستهدف 2.08 تريليون جنيه سوداني، وقد اعتمد سعر الدولار بالموازنة 55 جنيهاً علماً أن سعر الدولار في السوق الموازي بتلك الفترة كان ضعف المحدد بالموازنة، وإذا أعدنا حساب الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لسعر الصرف المعتمد بالموازنة نجده يعادل 37.8 مليار دولار بالمقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي لعام 2017 الذي بلغ 123.1 مليار دولار.
هذا الانخفاض الكبير ناتج عن تدهور قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية بصورة متسارعة. كما بلغت الإيرادات العامة للدولة متضمنة المنح الأجنبية 568.3 مليار جنيه (ما يعادل 10.3 مليار دولار)، فيما بلغت تقديرات الإنفاق العام 641.3 مليار جنيه (ما يعادل 11.6 مليار دولار)، وبالتالي يصبح العجز الكلي المستهدف 73 مليار جنيه (ما يعادل 1.3 مليار دولار)، وقدرت الصادرات لعام 2020 بمبلغ 4.1 مليار دولار والواردات 7.3 مليار دولار وعجز الميزان التجاري 3.2 مليار دولار.
اتخذت حكومة الفترة الانتقالية قرارات تتعلق برفع الدعم في فبراير/شباط الماضي، متجاهلةً برنامج الحاضنة السياسية (الحرية والتغيير) ولم تنتظر انعقاد المؤتمر الاقتصادي، وزاد سعر لتر البنزين من 6 إلى 28 جنيهاً بزيادة 366%، وزيادة لتر الجازولين من 4 إلى 23 جنيهاً بزيادة أكثر من 470%، في خطوة لم تدرس بصورة علمية وأدت إلى زيادة كبيرة في أسعار السلع والخدمات وارتفاع كبير في تكلفة الإنتاج، في الوقت الذي لم تعالج فيه مشكلة الندرة في السلع الاستراتيجية لأن المشكلة التي تواجه الاقتصاد السوداني تكمن في شح النقد الأجنبي وعدم وجود احتياطي كافٍ من العملات الأجنبية لدى بنك السودان المركزي.
وفي خطوة مفاجئة في أغسطس/آب الماضي قدمت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي مقترح تعديل موازنة 2020 لمجلس الوزراء، بحجة تأثر الإيرادات العامة للدولة بجائحة كورونا التي اجتاحت كل دول العالم، وأثرت سلباً وغيرت التوقعات من نمو إلى انكماش.
ولكن تعديل الموازنة العامة للدولة لم يكن بسبب جائحة كورونا فقط، بل عوامل أخرى منها سياسات حكومة الفترة الانتقالية الاقتصادية غير المدروسة، والاعتماد على المجتمع الدولي، وعدم واقعية الموازنة، لذلك خفضت توقعات الناتج المحلي الإجمالي من 2.07 تريليون المخطط له لـ2020 إلى 1.92 تريليون جنيه، أي ما يعادل 16 مليار دولار فقط مقارنة بـ37.8 مليار دولار مطلع العام.
ويأتي هذا التراجع الكبير نتيجة تخفيض قيمة العملة الوطنية ليصبح سعر صرف الموازنة المعدلة 120 جنيهاً مقابل الدولار بدلاً من 55 جنيهاً، وقد رفعت الموازنة المعدلة توقعات معدل التضخم من 30% إلى 65.2%.
ونستطيع أن نؤكد أن متوسط معدل التضخم السنوي لن يقل عن 200% بنهاية العام، إذ بلغ معدل التضخم بنهاية أكتوبر/تشرين الأول 229%. ويعزى ارتفاع معدل التضخم إلى أن السياسات الاقتصادية ذات طبيعة تضخمية متمثلة برفع الدعم والاتجاه نحو تحرير سعر الصرف من دون وجود احتياطيات نقد أجنبي، هذا في ظل عدم وجود أي زيادة في الإنتاج، وحدوث إفراط كبير في الاستدانة من النظام المصرفي، وتمويل مرتبات العاملين بالقطاع العام وأجورهم من موارد غير حقيقية بعد زيادتها 560%. كما أشارت السياسات إلى تحريك سعر الدولار الجمركي 30% شهرياً لمدة عامين، وقد أدت زيادة سعر الدولار الجمركي إلى أثر سالب للغاية على معيشة المواطن.
زاد عرض النقود من 1.03 تريليون جنيه إلى 1.2 تريليون جنيه، وهذه الزيادة تعتبر كبيرة جداً بخاصة إذا ما قارنَّا ذلك مع 2019، إذ بلغ عرض النقود 648.8 مليار جنيه أي بزيادة 85% عن العام الماضي. أما معدل نمو عرض النقود فقد ارتفع من 50.4% إلى 75.6% ومن الواضح أن معدل التضخم لن ينخفض في ظل هذه السياسات.
على جانب آخر بلغ المستهدف للإيرادات الذاتية والمنح الأجنبية في الموازنة المعدلة 396 مليار جنيه مقارنة بالمخطط له والبالغ 568 أي بنسبة انخفاض 30% وبمعادلة الإيرادات بواقع الدولار 120 جنيهاً حسب السعر المحدد في الموازنة المعدلة نجد أن تقديرات الإيرادات والمنح بلغت 3.3 مليار دولار.
وهذا يشير إلى أن تدهور سعر الصرف قد أثر سلباً على الإيرادات العامة للدولة والقوة الشرائية للجنيه السوداني. لقد انخفضت الإيرادات الضريبية من 158.9 مليار إلى 135.5 مليار جنيه. أما الإيرادات العامة فقد انخفضت من 412.2 مليار إلى 238.1 مليار جنيه.
ومن الواضح أن الانخفاض الكبير بسبب تعديل إيرادات منظومة الصناعات الدفاعية من 110 مليارات جنيه إلى 5 مليارات جنيه فقط، بسبب فهم وزير المالية السابق الخاطئ ومستشاريه لإيرادات منظومة الصناعات الدفاعية، التي أعلنت أنها ستسهم في زيادة حصيلة الصادر بمبلغ مليارَي دولار، وهذا بالطبع يدعم الميزان الخارجي وليس الميزان الداخلي كما اعتقد الوزير السابق، وقد خُفضت توقعات عائدات نفط الجنوب والترتيبات المالية الانتقالية من 66.7 مليار إلى 47.1 مليار جنيه.
بالنسبة إلى الإنفاق العام وعلى الرغم من تخفيض الإيرادات بنسبة كبيرة فإن الموازنة قدرت الإنفاق بمبلغ 635.4 مليار جنيه (ما يعادل 5.3 مليار دولار)، وارتفع العجز الكلي بالموازنة إلى 254.3 مليار جنيه إذ زاد العجز بواقع 181.2 مليار جنيه عن مخطط 2020 بزيادة بلغت 248%.
والسؤال المهم هو كيف أجاز مجلس الوزراء هذا العجز الكبير الذي بلغ 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة فاقت كل المقاييس العالمية؟
حسب تقرير العرض الاقتصادي والمالي للفترة من يناير/كانون الثاني إلى سبتمبر/أيلول 2020 الصادر عن بنك السودان المركزي، بلغت سحوبات السودان من القروض والمنح مبلغ 158.8 مليون دولار منها 6.2 مليون دولار سُحبت خلال الربع الأول. ولا توجد سحوبات خلال الربع الثاني، فيما بلغ حجم السحوبات خلال الربع الثالث 152.6 مليون دولار. وبتصنيف السحوبات نجد أن مبلغ 97.6 مليون دولار استلم كمنحة من منظمات الأمم المتحدة، ومبلغ 35.7 مليون دولار كمنحة من صندوق المانحين.
وحول مؤتمر برلين الذي انعقد في يونيو/حزيران الماضي بلغت التعهدات 1.8 مليار دولار ولكن التنفيذ ضعيف، فقط البنك الدولي مهتم بالدعم النقدي المباشر الذي يعادل أقل من دولارين للفرد شهرياً وهو مبلغ زهيد جداً.
لقد انعقد المؤتمر الاقتصادي القومي الأول خلال النصف الثاني من عمر الموازنة، ولم يجرِ التوافق بين الحاضنة السياسية والجهاز التنفيذي، علماً أنه توجد الآن حاضنة سياسية جديدة تتشكل في البلاد تحت اسم مجلس شركاء الفترة الانتقالية، ويمضي مجلس الوزراء في تنفيذ قرارات تحرير أسعار المحروقات وطرح سعرين أحدهما حر والآخر خدمي كما أطلق عليهما، إذ ارتفع لتر البنزين الخدمي إلى 56 جنيهاً والحر إلى 120 جنيهاً ولتر الجازولين الخدمي إلى 46 جنيهاً والحر إلى 104 جنيهات، ما أدى إلى زيادة كبيرة في السلع والخدمات، ولم تعالج مشكلة الندرة بل زادت العبء على المواطن السوداني.
ومن الواضح أن الضغوط تتزايد على المواطنين من خلال الارتفاع غير المسبوق في أسعار السلع والخدمات في ظل الندرة، كما أن تكلفة تعليم الأبناء في المدارس والجامعات الخاصة تضاعفت عدة مرات، وأن تكلفة العلاج ارتفعت بصورة كبيرة بسبب زيادة أسعار الدواء المنتج محلياً بنسبة 100% وعجز الدولة عن توفير النقد الأجنبي بالسعر الرسمي لاستيراد الدواء، وتشهد المؤسسات الصحية تراجعاً كبيراً في تقديم الخدمات الصحية في ظل الموجة الثانية لفيروس كورونا. هذا وقد جرت العادة أن تُنجز إجازة الموازنة المالية في السودان بالنصف الأول من ديسمبر/كانون الثاني كل عام بعد مناقشتها بالجهاز التنفيذي والتشريعي، كما تُعرض على الرأي العام ووسائل الإعلام، بيد أنه لم تُقدَّم هذا العام مقترحات للميزانية لعام 2021 بعدُ على جميع المستويات.
جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRT عربي .