منذ بداية الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تواجه منصّات التواصل الاجتماعي اتهامات بممارسة التضييق على حرية التعبير والرأي في ما يخص المحتوى الفلسطيني.
وأُغلقت مئات الحسابات والصفحات الفلسطينية، أو قيّد الوصول إليها، على عكس الصفحات الإسرائيلية التي لم يطلها أي تقييد رغم خطاب الكراهية والعنصرية التي تمارسها.
وقد كانت منصات التواصل الاجتماعي ولا تزال المنفذ الوحيد الذي ينشر ويوثّق ما يحدث فعلياً داخل قطاع غزة، في ظل التعتيم الإعلامي الغربي من جهة، وتزييف بعض الوقائع من قِبل جيش الاحتلال من جهة أخرى.
حذف وتضييق
إلى جانب حذف الصفحات، تعرّض المحتوى المتضامن مع سكان غزة ومع فلسطين على منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وإكس (تويتر سابقاً) وإنستغرام ويوتيوب، للرقابة والتحجيم.
وقد ضيّق الوصول إلى أي أخبار أو فيديوهات توثّق جرائم الاحتلال في القطاع أو الضفة الغربية، أو آراء تعبر عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني.
ومثالاً على هذا المعطى، تعرّض حساب (عين على فلسطين) "Eye on palastine" لهذه الرقابة، وهو من أبرز الحسابات التي يتابعها ملايين مستخدمي منصّة إنستغرام، ويهتمّ بتوثيق جرائم وانتهاكات جيش الاحتلال.
بعد أيام من بدء الحرب اختفى الحساب بشكل مفاجئ، ثم ظهر ثانية وأعلن عن حذف مئات الفيديوهات التي نشرها الحساب، كما قُيّد وصول المتابعين إليه، إذ لم يعد يُقترح محتواه على المتابعين، بسبب الحجب الذي تفرضه "خوارزميات" المنصة.
وكذلك تعرّض أشهر الصحفيين الذين يوثقون الحرب عبر حساباتهم لمحاولات استهداف لحساباتهم ومحاولة حجبها أو تضييق الوصول إليها.
وحُجبت حسابات مستخدمين عاديّين أو حذف محتواها من مواقع التواصل، فقط لأنهم شاركوا أخباراً وفيديوهات أو كتبوا عن العدوان على قطاع غزة.
وتقول الناشطة زينب أبو عونة، التي اهتمت بدعم غزة عبر نشر صور وفيديوهات على موقع إنستغرام وترجمتها، إنه منذ بداية الحرب وحتى الآن تعرّض محتواها أكثر من مرّة إلى الحذف، كما تلقّت تحذيرات ولم تعُد منشوراتها تصل إلى متابعيها كما في السابق.
وتوضحّ زينب في حديثها مع TRT عربي أن حسابها جُمّد في بداية الحرب لأيام عدة، وعند عودته فرض عليها إنستغرام عقوبات في ما يخص النشر أو مدى وصول المنشورات إلى مستخدمي المنصّة.
وتؤكّد الناشطة أنها تحرص على توثيق انتهاكات جيش الاحتلال في حق سكان قطاع غزة، خصوصاً في ظلّ التضييق على أيّ محتوى فلسطيني.
تجاوز الرقابة
ومع تزايد هذه الرقابة ابتكر رواد مواقع التواصل بعض الأفكار لتجاوز التضييق من طرف هذه المنصات.
من ضمن ذلك الكتابة بطريقة مشفّرة، واستخدام الأحرف بلا نقاط، أو استخدام فواصل ومسافات بين الأحرف، واستغلال بعض الوسوم (هاشتاغ) التي تدعم إسرائيل وإضافتها إلى المنشورات الداعمة لفلسطين، حتى تنتشر وتصل إلى أكبر عدد من المتابعين.
ويقول المؤثر مصطفى ترك، الذي استعمل التقنية في فيديو له على إنستغرام، إنه استخدم وسماً مناصراً لإسرائيل وموسيقى منتشرة لدى الإسرائيليين حتى يصل الفيديو إلى عدد كبير، بعد حذف فيديوهات عدة كان يدعم بها القضية الفلسطينية.
الاتحاد الأوروبي يتبنّى "الرقابة"
بعد أسبوع من بداية الحرب، ضغَط الاتحاد الأوروبي وهدّد شركات التكنولوجيا بعقوبات قانونية إذا لم تحذف أي محتوى مؤيّد لحركة حماس من منصات التواصل الاجتماعي.
وطالب المفوض الأوروبي للشؤون الرقمية تييري بروتون شركة ألفابِت المالكة لغوغل بتوخّي الحذر بشأن أي "محتوى غير قانوني ومعلومات مضلّلة" محتمَلة على منصة يوتيوب التابعة لها، وضرورة الامتثال لقانون الخدمات الرقمية في الاتحاد الأوروبي.
ورضخت منصة إكس (تويتر سابقاً) لمطالب الاتحاد الأوروبي، وردّت رئيسته التنفيذية ليندا ياكارينو على الانتقادات قائلة: "منذ الهجوم على إسرائيل اتخذنا إجراءات لإزالة أو تصنيف عشرات الآلاف من المنشورات".
ورغم موقف مالك المنصّة إيلون ماسك، الداعم في البداية لإيجاد "مسار سلام بين إسرائيل وغزة"، وموافقته مبدئياً على مدّ غزة بالإنترنت الفضائي، فإن موقفه تغيّر بعد ضغوط من اللوبيات المساندة لإسرائيل، وانضم هو ومنصته إلى الجانب الإسرائيلي.
أما شركة ميتا المالكة لكلّ من فيسبوك وإنستغرام فقد انحازت هي الأخرى ومنذ البداية إلى الصف الإسرائيلي، معلنة اتخاذ خطوات لإزالة أي محتوى يتضمن إشادة ودعماً كبيراً لحركة حماس، وإضافة علامة تمييز المحتوى المقلق على مئات آلاف المنشورات باللغتين العربية والعبريّة وبلغات أجنبية.
اتخذ تليغرام الموقف نفسه بعد ضغوط، إذ تعرضت قنوات تابعة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وكتائب القسام وسرايا القدس للتضييق بضغط من شركة غوغل.
وأوضحت تليغرام لمستخدميها أنه "لا يمكن الوصول إلى بعض القنوات على المنصة بسبب إرشادات منصة تحميل التطبيقات غوغل بلاي (المملوكة لشركة غوغل)، ويمكن الوصول إلى هذه القنوات على نظام آي أو إس (المملوك لآبل)".
رقابة مضاعفة تتسبّب في جرائم حرب
في هذا الشأن تقول الناشطة الفلسطينية منى شتية، المدافعة عن الحقوق الرقمية، إن الجيش الإسرائيلي أو كما تسمى "وحدة السايبر الإسرائيلية"، يرسل طلبات إلى مواقع التواصل لحذف وتحجيم المحتوى الفلسطيني.
وتضيف شتية لـTRT عربي أن شركات التواصل تستجيب للجزء الأكبر من هذه الطلبات منذ بداية الحرب، وهو ما يعني وجود رقابة مضاعفة ومخيفة على الأصوات الفلسطينية على منصات التواصل الاجتماعي.
وترى الناشطة في مجال الحقوق الرقمية أن هذه الرقابة المضاعفة تؤثر في القضية، لأنها تكتم الأصوات الفلسطينية وتمنع نشر الحقيقة وحق الناس في معرفة ما يحدث في قطاع غزة.
وتؤكد شتية أن هذا "يحول دون الوصول إلى الأخبار، وبالتالي خنق الصوت الفلسطيني، وعلى النقيض تسمح باستمرارية الأصوات الإسرائيلية التي تحرض على العنف وخطابات الكراهية".
وتوضّح أن تقريراً نشرته شبكة "أعمال من أجل المسؤولية الاجتماعية" في سبتمبر/أيلول 2022 أشار إلى أن منصّات شركة ميتا منحازة ضد الفلسطينيين وتضاعف رقابتها، في حين لا تراقب أيّ محتوى إسرائيلي.
وتبيّن أنّ هذه المحاولات "تسعى إلى تنميط الفلسطينيين وتشويه صورتهم ونزع الإنسانية عنهم، وتطبيع صورة الخطاب المعادي لهم على منصات التواصل الاجتماعي".
وتشدّد شتية على أن هذه السياسة تسبّبت في "اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، مثل حادث حريق مدينة حوارة بداية هذا العام، الذي شكّل امتداداً لخطاب الكراهية والتحريض والعنف ضد الفلسطينيين على منصات التواصل، كما تمنع المنصات توثيق الانتهاكات وجرائم الحرب التي يتعرض لها الفلسطينيون".
ازدواجية معايير تلاحق مواقع التواصل
من جهته يعتبر الناشط مصطفى الأعصر، الحاصل على زمالة معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أنّ ما تفعله مواقع التواصل ليس مجرّد تضييق، بل هو تعتيم وتستّر على جرائم الاحتلال، وانتهاك صريح وواضح لحرية الرأي والتعبير لفرض ونشر سردية واحدة، ومنع الجانب الآخر تماماً من التعريف بروايته.
ويضيف الأعصر لـTRT عربي أنّ هذه الممارسات عكست ازدواجية المعايير لدى المجتمع الغربي وشركات مواقع التواصل، وهذا يضعنا أمام سؤال: "من المتحكِّم في هذه الشركات ويستطيع منع الأصوات من التعبير عن رأيها؟"، و"هل صاحب شركة أكثر قوّةً من الدول بحيث يمنع أصوات الملايين حول العالم؟".
ويرى الناشط أنّ سياسة مواقع التواصل رضوخ لإسرائيل، ولا تؤثر في الخطاب السياسي فقط، وإنما في اللغة أيضاً، فبعض الألفاظ تعتبره الخوارزميات داعماً للإرهاب أو محرضاً على العنف، مستشهداً بفتاة تدعى "فلسطين" حذف حسابها بسبب اسمها فقط.
ويستشهد على ذلك بأمثال أخرى عدة، مثل "فرض استبدال بعض المصطلحات بكلمات أخرى، فبدلاً من "احتلال" علينا القول "صراع"، وبدلاً من "الحرب" نقول "أزمة" أو "أحداث"، ومع مرور الوقت ونتيجة سياسات مواقع التواصل، قد ينتهي ويختفي بعض هذه المصطلحات، خصوصاً المرتبطة بالقضية الفلسطينية".
من جهته يشير الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز إلى ازدواجية المعايير التي تتّبعها مواقع التواصل، إذ تصف هذه الوسائط نفسها بـ"الحرة والمنفتحة"، ولكن ما شاهدناه منذ بداية الحرب أوضح كثيراً من أنماط التلاعب والتضليل، وفسح المجال لبعض أسوأ المقاربات والممارسات التي تمثّل جرائم مكتملة الأركان.
ويوضّح عبد العزيز في حديثه مع TRT عربي هذا الانحياز قائلاً: "إن إيلون ماسك، على سبيل المثال، تعرّض للضغوط".
ويضيف أنه "عندما حاول أن يتخذ موقفاً مغايراً لبعض الوسائط الأخرى، ويسمح من خلال منصته بمقاربات تعاكس التيار السياسيّ السائد في الغرب حيال أطراف الصراع فإنه واجه فوراً حزمة من الضغوط كانت كفيلة بـ'إقناعه' بتغيير موقفه".
ويبيّن الخبير الإعلامي أنها "ضغوط سياسية يمكنها تلطيخ سمعته، إضافة إلى ضغوط أقوى وأكثر فاعليّة وهي حضّ وتشجيع شركات كبرى على سحب الإعلانات من منصته، بما يفاقم خسائرها وأوضاعها المالية المرتبكة".
ويعتقد عبد العزيز أن الإفراط في التحكم في مواقع التواصل عبر الضغط على مالكيها لتأطير ما يرد بها من تفاعلات قد يؤدي إلى انصراف قطاعات من الجمهور العالمي عنها.
ويرى أنه يجب "إنشاء منصات تواصل لا تخضع للهيمنة الغربية، لتوفير وسط أكثر توازناً وأقل امتثالاً للمصالح والأهواء الغربيّة".