يحتفل العالم باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في 25 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام، لكن النساء في قطاع غزة يعانين أنواعاً أخرى من العنف قد تكون هي الأبشع، منذ اندلاع الحرب بين حماس وإسرائيل قبل نحو 50 يوماً.
بين النزوح والتهجير والقتل والموت والفقدان والظروف الإنسانية القاسية، تواجه النساء في غزة أيامهن الصعبة، ورغم شعار "لا عذر" الذي أعلنته منظمة الأمم المتحدة لحملتها لمناهضة العنف ضد النساء لعام 2023، فإنّ كل الأعذار لم تُنجِ الفتيات والسيدات من المآسي اللاتي يتعرضن لها كل ساعة في غزة.
قتل وتهجير
العدد الأكبر من ضحايا الحرب على غزة كان من النساء والأطفال، إذ ارتفع عدد الشهداء إلى أكثر من 14854 فلسطينياً، بينهم أكثر من 6150 طفلاً و4000 امرأة، أي 69% من الشهداء من الأطفال والنساء، حسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
وقالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة سيما بحوث إنه في كل ساعة تُقتل 2 من الأمهات الفلسطينيات في قطاع غزة المحاصر، و7 نساء كل ساعتين، وإن ما يقرب من 800 ألف امرأة نزحن من منازلهن في القطاع.
ومن نجون من القصف والأنقاض خرجن للنزوح بأقل الإمكانيات مع مَن تبقى على قيد الحياة من ذويهم، إذ نزح نحو 1.7 مليون شخص في مختلف مناطق القطاع منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فإنّ ما يقرب من 884 ألف نازح يقيمون الآن في 154 منشأة تابعة للوكالة، في كل محافظات قطاع غزة الخمس، فيما يأوي نحو 724 ألف نازح في 97 منشأة في مناطق الوسط وخان يونس ورفح.
معاناة الحوامل
"السيدات الحوامل في غزة في سباق مع الموت"، هكذا وصفت ليلى بكر، المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان في الدول العربية، الوضع في غزة.
ورغم أن جميع النساء يعانين في غزة، فإنّ الأمور مختلفة تماماً بالنسبة إلى الحوامل، إذ تسبب القصف الإسرائيلي بفقدان النساء الحوامل لأجنتهن، بعد استشهاد عدد كبير منهن، وأخريات تعرضن للإجهاض، ومن نجت تواجه مخاوف الولادة في ظل غياب الرعاية الصحية والتخدير أو المسكنات بعد خروج المستشفيات عن الخدمة في القطاع.
وقدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان في فلسطين عدد النساء الحوامل في قطاع غزة بـ50 ألفاً، منهم 5 آلاف حامل كان من المتوقع أن يضعن حملهن خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.
وفي وقت سابق أوضح المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية الدكتور أشرف القدرة أن داخل غزة انهياراً متسارعاً للخدمة الصحية، حيث لا يوجد إمدادات طبية أو وقود، وأصبحت مستشفيات القطاع كلها خارج الخدمة، ولا يمكن إنقاذ من كان يمكن إنقاذه لو توفرت الموارد.
أزمات نفسية
رغم اعتياد الفلسطينيين الظروف الصعبة التي يعيشون بها منذ عقود، فإنّ الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي محت عائلات بكامل أفرادها هي الأعنف هذه المرة، والأمهات والأخوات التي حُفرت فيديوهاتهن في أذهاننا وهُنّ يبكين مَن فقدن، كيف حالهن؟
تحدَّث كثير من الدراسات العلمية عن كسر القلب وآثاره النفسية التي قد تؤدي إلى بعض الأمراض وبدورها إلى الموت، وفي غزة تُكسر قلوب نسائها آلاف المرات مع كل فقيد أو بحياتها التي تسلب منها.
ويقول الدكتور محمد علي، الاستشاري النفسي، إنّ الظروف التي تواجهها المرأة الفلسطينية أغلب حياتها تجعلها قوية، لكن العدوان الإسرائيلي الأخير وضع عليها ضغوطاً أكبر، نتيجة التهجير القسري وفقدان حياتهم واستقرارهم، ومحاولة بحث الأم عن كيفية توفير الأمان لعائلتها وأطفالها.
ويضيف الدكتور علي لـTRT عربي أن الإنسان العادي عندما يفقد مقرباً منه أو يتعرض لحزن، قد يدخل في نوبات قلق واكتئاب وعصبية مفرطة، والحالة النفسية مرتبطة بالعضوية، والاثنتان معاً تؤثران في الشخص في حالة وجود تهديد أو خطورة، كما يعيش أهل غزة الآن.
في المستقبل وبعد انتهاء الحرب، يوضح الاستشاري النفسي أن هذه الأيام ستخلف آثاراً نفسية لن تُمحى، ومع اعتيادهم عدم الأمان يتوقعون دائماً تكرار مثل هذا العدوان أو القصف، وهو ما يضعهم في حالة نفسية غير مستقرة تلازمهم، رغم أنه أكسبهم نوعاً من المرونة النفسية في التعامل في أوقات الحروب.
ويلفت الدكتور علي إلى أن المرأة الفلسطينية رغم ما تتعرض له فإنها قوية في تكوينها، تستطيع وهي في كامل حزنها وقهرها أن تربي أجيالاً تدافع عن أرضها أمام معتدٍ غاصب.
هموم مضاعفة
وبينما يتشارك الجميع في غزة الهموم الأساسية من عدم توافر مكان آمن وندرة الغذاء والمياه، تحمل النساء هناك بالإضافة إلى ذلك هماً إضافياً يزيد عليها الأعباء، ما لا يقل عن 5 أيام من كل شهر، وهو عدم توافر الفوط الصحية.
ولأن النساء تعرف ما تعانيه، فقد بدأ رواد التواصل الاجتماعي في الحديث عن ماذا تفعل النساء في وقت دورتهن الشهرية في أثناء الحرب، ودفع النشر المتواصل على السوشيال ميديا مؤسسة صناع الحياة للتركيز على الفوط الصحية في قوافل المساعدات لغزة، كما يقول عبد الرحمن حبت، مدير إدارة الاحتياجات الأساسية والإغاثية بمؤسسة صناع الحياة في مصر.
ويضيف حبت لـTRT عربي أنه "كان من المهم في المؤسسة توفير المساعدات التي يحتاج إليها أهل غزة، لا سيما النساء، واستطعنا من خلال أول قافلة توفير كميات من الفوط الصحية وحفاضات الأطفال، ثم أصبحت جزءاً رئيسياً من كل قافلة".
واستطاعت المؤسسة توفير شاحنة كاملة في كل قافلة، وفيرة بالفوط الصحية والحفاضات والألبان الصحية، إذ أرسلوا في قافلة 10 شاحنات تحمل ما يقرب من 5 آلاف كرتون يحتوي على بامبرز وعلب أطفال وإسعافات أولية ومقويات غذائية، بهدف توفير الاحتياجات الأساسية التي قد يغفل عنها آخرون، كما يوضح حبت.
وراعت قوافل مساعدات صناع الحياة الفئات العمرية التي تصل إليها المساعدات، فيقول مدير إدارة الاحتياجات الأساسية والإغاثية بالمؤسسة إنه "جرى توفير لبن 1 و2 و3، وحفاضات بمقاسات مختلفة، لتلبية احتياجات الأطفال ومساعدة الأمهات في رعاية أطفالهن في مثل هذه الظروف".
ومع انتشار فيديوهات من الحرب تحركت منظمات المجتمع المدني في مصر لتقديم المساعدات لأهل غزة، واهتمت مبادرة "مستورة" بتقديم المساعدات الطبية والفوط الصحية وحفاضات الأطفال والمياه.
وتقول مؤسِّسة مبادرة "مستورة" شروق مصطفى لـTRT عربي إنه كان من المهم التركيز على احتياجات النساء والمراهقات في ظل الأوضاع الصعبة التي يهتم الجميع فيها بالمأكل والمشرب، ولا يلتفت إلى احتياجات السيدات كالفوط الصحية.
ظروف عمل صعبة
جانب آخر من المعاناة التي تعيشها النساء في غزة يتمثل في ظروف العمل الصعبة خلال الحرب، فمع انقطاع غزة عن العالم نتيجة تكرار قطع الإنترنت، كانت الصحفيات جزءاً مهماً من العمل الإعلامي، الذي أودى بحياة كثير منهن، خصوصاً مع استهداف قوات الاحتلال منازلهن.
ومنذ بداية العدوان الإسرائيلي وصل عدد الضحايا الصحفيين إلى 62 شهيداً، بينهم 6 صحفيات، كان آخرهم الصحفيتان آلاء طاهر الحسنات وآيات خضورة، بعد استهداف منازلهما في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة ومنطقة بيت لاهيا شمالاً.
وقُبيل استشهادها بدقائق قالت خضورة باكية ومذعورة في بث مباشر إن "هذا الفيديو سيكون الأخير، حيث كانت قوات الاحتلال تلقي قنابل فسفورية على المنطقة وتطالب بإخلائها، وخرج الجميع كالمجانين لا يدرون إلى أين يذهبون".
ولا يختلف العمل الصحي عن الإعلامي سوءاً، فصراخ الطبيبة التي فوجئت باستشهاد زوجها بين المصابين ما زال في آذاننا، واستهداف الاحتلال للمستشفيات والمجمعات الطبية وسيارات الإسعاف، حتى انهارت المنظومة الصحية في غزة، ووصل عدد الشهداء من الأطباء إلى 201 شهيد.