وقال: "يجد الإسرائيليون صعوبة في فهم كيف يمكن لأشخاص في الاحتجاجات الجامعية الأمريكية الجمع بين دعم إقامة دولة فلسطينية وبين المطالبة بالقضاء على إسرائيل".
تُعتبر تصريحات جيلبو ملخصاً لما تمر به إسرائيل الآن وسط الرفض الشعبي الدولي لاستمرار الإبادة وخنق المدنيين ونقص الغذاء والمساعدات.
فمن جهة، يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بلاده إلى منعطف خطير نحو فقدان حلفائها مع استمرار الحرب، خصوصاً بعد الهجوم على رفح، ومن جهة أخرى، لا تزال قضية الدعم الفلسطيني العالمي محط استغراب الإسرائيليين الذين كسبوا زخماً دولياً عقب السابع من أكتوبر، لكن سرعان ما فقدوه بعد قتل جيش الاحتلال آلاف المدنيين بحجة "القضاء على حماس".
أبرز ملامح الضغط الغربي على إسرائيل
ووفق تحليل لصحيفة "واشنطن بوست"، فإن الهجوم الإسرائيلي الموسع على مدينة رفح جنوبي قطاع غزة ليس سوى أحدث مثال على تجاهلها للتحذيرات الأمريكية بشأن العمليات العسكرية والأزمة الإنسانية المتنامية في القطاع.
وأضافت الصحيفة أنه بعد التزام إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، "الدعم الصارم" للدفاع عن إسرائيل، تعتقد إدارة بايدن أن استراتيجية إسرائيل الحالية لا تستحق التكلفة من حيث الأرواح البشرية والدمار، ولا يمكنها تحقيق هدفها، وستقوّض في النهاية الأهداف الأمريكية والإسرائيلية الأوسع في الشرق الأوسط.
بدوره، حث الاتحاد الأوروبي، في 15 من مايو/أيار الحالي، إسرائيل على إنهاء عمليتها العسكرية في رفح فوراً، محذراً من أن عدم تنفيذ ذلك من شأنه أن يقوّض العلاقات مع التكتل.
وقال جوزيب بوريل، كبير الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي، في بيان، إن "هذه العملية تؤدي إلى مزيد من تعطيل توزيع المساعدات الإنسانية في غزة وتؤدي إلى مزيد من النزوح الداخلي والتعرض للمجاعة والمعاناة الإنسانية".
وأضاف أن "الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل إلى الامتناع عن مزيد من تفاقم الوضع الإنساني المأساوي في غزة، وإعادة فتح معبر رفح"، وحذر من أن "استمرار إسرائيل في عمليتها العسكرية في رفح سيضع حتماً ضغطاً شديداً على علاقة الاتحاد الأوروبي بإسرائيل".
وأمس الجمعة، حذر وزراء خارجية 13 دولة، الحكومة الإسرائيلية من الهجوم على رفح، وطالبوا بفتح كل المعابر الحدودية في وجه المساعدات الإنسانية وتخفيف معاناة سكان القطاع المحاصَر.
وشدد الوزراء، ومن بينهم مجموعة الدول الـ7 باستثناء الولايات المتحدة، في خطاب موجه إلى نظيرهم الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، على ضرورة توفير مزيد من المساعدات للشعب الفلسطيني.
ووقع الخطاب وزراء خارجية مجموعة الدول، وهي كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى أستراليا والدنمارك وفنلندا وهولندا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية والسويد.
من جهتها، منعت إسبانيا السفن، التي تحمل أسلحة لإسرائيل، بالرسو في موانيها، وذلك بعد رفضها السماح لسفينة بالرسو في ميناء قرطاجنة بجنوب شرق البلاد.
وإسبانيا من الدول التي أبدت تضامناً مع الفلسطينيين خلال الحرب الحالية، كما أنها من المقرر أن تعترف بفلسطين دولةً أواخر شهر مايو/أيار الجاري.
فجوة بين التصريحات والممارسات الفعلية
وفي هذا الصدد، يقول الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي، عصمت منصور، إن الرأي العام في دول أوروبا يؤثر بشكل كبير في قرارات حكوماتها، خصوصاً في وقت الانتخابات والمنافسات الشديدة ومحاولة السياسيين استمالة الرأي العام، لذلك أثرت الحرب على غزة والمشاهد التي تخرج في دور الحكومات الغربية بالتواطؤ مع إسرائيل ودعمها.
ويضيف منصور لـTRT عربي، أن الرأي العام في الغرب أصبح متذمراً ومنتقداً هذه السياسات، وهذا انعكس على مواقف هذه الدول.
ويعتقد منصور أن الدول الغربية حتى الآن لم تغير موقفها بشكل كامل، بل أصبحت نقدية أكثر تجاه سياسات إسرائيل وغير ميالة إلى التعاون معها أو الانحياز الكامل لها، لكن لم يحصل تخلٍّ كامل أو إدانة لممارسات الاحتلال أو قطع علاقات أو عقوبات.
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية عصام عبد الشافي، وجود إشكالية في طبيعة توجهات الأطراف الدولية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي، وتجاه تحولات معركة طوفان الأقصى، وهي الفجوة الكبيرة بين التصريحات الدبلوماسية والممارسات الفعلية على الأرض.
ويقول لـTRT إن دولة مثل الولايات المتحدة لا تتوقف في تصريحاتها عن لزوم التسوية السياسية وحل الدولتين ووقف الحرب والعمل على الوصول إلى تهدئة مؤقتة، وغير ذلك من عبارات، لكن في المقابل لا تتوقف عن دعم الاحتلال الإسرائيلي بالسلاح، واستخدام حق الفيتو لمنع صدور أي قرار تنفيذي داعم لتسوية الصراع سياسيّاً.
ويضيف: "في هذا الإطار لا أراهن كثيراً على بيانات الشجب والإدانة التي تصدر هنا أو هناك، ولا على مناشدات عديد من الأطراف، لأنها تعلم يقيناً أنه لن يستجيب لمثل هذه المناشدات، خصوصاً أنهم في الخلفية تستمر علاقاتهم الاقتصادية والدبلوماسية والتجارية، والعسكرية".
وأشار عبد الشافي إلى عديد من الآليات التي يمكن للدول استخدامها إذا كانت تُريد فعلاً وقف الحرب والضغط على الاحتلال الإسرائيلي، وفي مقدمتها وقف صادرات السلاح وقطع العلاقات الدبلوماسية، ووقف العلاقات التجارية، فضلاً عن ملاحقته جنائياً أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، والاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية وتعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية معها، بوصفها دولة مستقلة بسيادة كاملة على أراضيها.
"دون هذه الإجراءات لن توجد تسوية حقيقية، وستستمر المواجهات العسكرية، حتى لو جرى التوصل إلى هدنة للمواجهة الحالية، لأنها ستبقى حلقة في صراع مستمر من أجل تحرير الأرض والاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإذا لم يحدث هذا سيستمر الصراع"، وفق أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية عصام عبد الشافي.
ويضيف: "بناء عليه، لا أعتقد أننا أمام إمكانية الوصول قريباً إلى صيغة دولية لحل موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في ظل الفيتو الأمريكي، وفي ظل التراجع الأمريكي عن فكرة حل الدولتين، المرفوضة بالأساس من جانب حركات المقاومة الفلسطينية، والمرفوضة جذرياً من جانب الاحتلال، لأن قيام هذه الدولة يعني نهاية المشروع الصهيوني في المنطقة، ولذلك تفعل إسرائيل ما تفعل من عمليات إبادة ومحاولات لإعادة احتلال غزة والسيطرة على المعابر، وإنشاء الميناء البحري لضمان التحكم والسيطرة في القطاع بكل ممراته ومداخله".
ويختم عبد الشافي حديثه بقوله إنه "لا مَخرج لحل الدولتين إلّا بتراجع الولايات المتحدة عن مواقفها، أو تعرض إسرائيل لهزيمة حقيقية تجبرها على القبول بتسوية ولو جزئية".