تابعنا
تسعى السعودية مؤخراً لوضع حد لقضية المخدرات التي تنتشر بالمملكة وأصبحت "آفة" تهدد الشباب، حسب وصف وزارة الداخلية التي أطلقت حملات أمنية واسعة لاستهداف مروجيها ومهربيها وضبط الشحنات على الحدود، أبرزها "الكبتاغون".

تسعى السعودية مؤخراً لوضع حد لقضية المخدرات التي تنتشر بالمملكة وأصبحت "آفة" تهدد الشباب، حسب وصف وزارة الداخلية التي أطلقت حملات أمنية واسعة لاستهداف مروجيها ومهربيها وضبط الشحنات على الحدود، أبرزها "الكبتاغون".

شكّل عقار "فينيثيلين" المعروف بالاسم التجاري "الكبتاغون" هاجساً لدى السعودية، فعلى مدار العقد الماضي أصبح المخدر الأكثر انتشاراً بين الشباب بالخليج العربي، وبخاصة السعودية. وتعد سوريا إحدى المصادر الرئيسية له.

حملات داخلية وتحذيرات على مواقع التواصل

أطلقت المديرية العامة لمكافحة المخدرات السعودية حملات أمنية تستهدف المهربين والمروجين ومصادرة المواد المخدّرة، منذ أبريل/نيسان الماضي بعنوان "الحرب على المخدرات"، إذ صرّح وزير الداخلية السعودي عبد العزيز بن سعود بأن "الحملة تُحقق نتائج ملموسة، وأنها لا تزال ببدايتها"، حسب صحيفة عكاظ.

الجهود السعودية تأتي في ظل تفاقم عمليات التهريب البرية والبحرية لموادٍ مخدّرة، أبرزها "الميثامفيتامين" المعروف باسم "الشبو"، و"الكبتاغون"، إذ كانت هذه المادة آخر الشحنات الواصلة إلى ميناء جدة في 16 من أيار/مايو الحالي وعثرت الجمارك على 1,395,930 حبة مُخبأة بألواح خشبية، على عكس ما تُرسل عادة عبر شحنات الفواكه والخضار أو لوازم غذائية وغيرها.

وتزامناً مع الحملات الأمنية، وبشعارَي "رحلّة تضيّع كل شيء" و"شيء يُضيّع كل شيء"، يحاول مجلس الصحة الخليجي التحذير من التأثيرات "الخطيرة" لتعاطي "الكبتاغون" عبر حملة على مواقع التواصل تضمنت تأثير المواد المخدّرة على الجهاز العصبي والتنفسي والدوري، والآثار الاجتماعية على الأهل والأصدقاء.

خارجياً.. كبح "الكبتاغون" من سوريا

رغم نفي دمشق صلتها أو تورطها بتجارة "الكبتاغون"، وبينما تعلن أحياناً عن قمع حملات تهريب المخدرات، فإن سوريا وفق صحيفة نيويورك تايمز تعد من أكبر مصانع إنتاجه وتصديره، وذلك بإشراف ماهر الأسد قائد "الفرقة الرابعة" التابعة لقوات النظام السوري، فضلاً عن تزعُّم التجارة من قِبل رجال أعمال تربطهم علاقات وثيقة بالنظام، وجماعة حزب الله، وفق تحقيق نشرته الصحيفة.

ويُعتبر الكبتاغون أحد دعامات اقتصاد النظام السوري في تجارة تُدر له مليارات الدولارات، إذ حصلت سوريا منه عام 2020 قيمة سوقية لا تقل عن 3.46 مليار دولار أمريكي، بينما تجاوزت قيمة تجارته بمنطقة الشرق الأوسط عام 2021 5 مليارات دولار أمريكي، وفق تقرير معهد نيولاينز للأبحاث بواشنطن.

ويرى مراقبون أن مساعي السعودية لكبح انتشار المخدرات أحد أسباب التقارب الدبلوماسي بين الرياض ودمشق منذ أواخر مارس/آذار الماضي، بعد قطيعة دامت 12 عاماً، إذ تصدّرت قضية مكافحة تهريب المخدرات محادثات وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ونظيره السوري فيصل المقداد، نيسان/أبريل الماضي.

إضافة إلى ما تطرق إليه اللقاء التشاوري في 1 مايو/أيار بين وزراء خارجية العراق والأردن والسعودية ومصر مع النظام السوري، في العاصمة الأردنية، عمان، حول مكافحة المخدرات وتحديد مصادر إنتاجه من سوريا.

ووفق هذه المعطيات فإن عودة النظام السوري إلى الجامعة العربية ومشاركته بقمة جدّة في 19 مايو قابلتها مكاسب على صعيد ضبط تصدير الكبتاغون، وفق خبراء.

وفي 10 مايو ذكر تقرير لرويترز أن الدول العربية التي كسرت عزلة رئيس النظام السوري بشار الأسد تريده أن يكبح تجارة المخدرات المزدهرة بسوريا مقابل علاقات أوثق. وأشار التقرير إلى أن القادة العرب يطلبون شيئاً في المقابل لإعادة الاندماج، لا سيما وقف إنتاج وتهريب مخدر الكبتاغون، رغم نفي السلطات السورية ضلوعها بهذه التجارة التي تستخدمها الآن "ورقة ضغط".

وحسب 3 مصادر مطلعة على اجتماع 1 مايو في عمّان قال وزير خارجية حكومة النظام السوري فيصل المقداد لنظرائه إن "تقدم كبح تجارة الكبتاغون يعتمد على الضغط العربي على الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات"، حسب تقرير رويترز.

ووفق مصدر إقليمي مقرب من دمشق ومصدر سوري مقرب من دول الخليج على دراية بالاتصالات نقلت عنهم رويترز أيضاً، فإن السعودية، وهي سوق كبير للكبتاغون، اقترحت تعويض سوريا عن خسارة التجارة في حال توقفها، وعرضت أربعة مليارات دولار كتعويض على هيئة مساعدات، وذلك بناء على تقديرات الرياض لقيمة التجارة، بينما نفى مصدر في وزارة الخارجية السعودية للوكالة ما تردد عن مناقشات بين السعودية وسوريا حول أي تمويل من هذا القبيل.

الباحث والمحلل السياسي السعودي مبارك آل عاتي استبعد بحديث لـTRT عربي طرح السعودية هذا السيناريو، معتبراً أن "للسعودية مشروعاً واضحاً معلناً للحرب على المخدرات ومكافحتها بكل الوسائل الشرعية".

وقال آل عاتي إن "السعودية تتعامل مع سوريا بمبدأ دولة لدولة وفق القرارات الشرعية والدولية المعترف بها ووسط السلوك السياسي المعتاد، وهي عازمة على استمرار حربها على المخدرات بكل مكان، مع احترام السيادة السورية".

وأشار إلى أن "مكافحة المخدرات بتنسيق عالٍ بين الدول الخمس التي اجتمعت بعمّان وكان من نتائجها غارة الطيران الأردني بسوريا بتنسيق مع الدول العربية".

وتابع المحلل السعودي: "الحرب على المخدرات من أولويات التفاهمات العربية مع سوريا وستكون خطوات عملية معلنة وواضحة لكبح أخطار (الكبتاغون التي تأتي من داخل سوريا، وخطوات لفرض كل الوسائل الأمنية الشرعية التي تمنع تصدير هذه الآفة إلى الدول المجاورة لسوريا كالأردن ودول الخليج وتحديداً السعودية".

بدوره يرى الباحث الخبير بمعهد نيولاينز كرم شعّار أن "ضبط النظام السوري تصدير المخدرات، إن كان راغباً بذلك، يتحدد وفق مبلغ التعويض، وإن استطاعت الدول الخليجية تلبية مطالبه فسيتخلى عن هذه التجارة".

ولم يستبعد شعّار خلال حديثه لـTRT عربي أن تتأثر طبقة التجار ومنتجي المخدرات والمقربة من النظام السوري من احتمالية حرمانهم دَخْلَ التجارة في ظل ضغوط وقف تدفقها، معتبراً "هذه الطبقة ستقاوم تحويل الأرباح على هيئة تعويض مالي مباشر من الخليج إلى رأس النظام دون الاستفادة منها"، على حد قوله.

"الكبتاغون".. ورقة مساومة وأولوية للسعودية

تحدثت CNN الأمريكية بتقرير لها أنه وفق محللين فإن المخدرات التي تسبب الإدمان والتي أصبحت شريان الحياة الاقتصادي لسوريا طوال عقد من العزلة قد تكون الآن "ورقة مساومة" حيث تحاول سوريا إعادة العلاقات مع الدول المجاورة.

وصرّحت مديرة معهد نيولاينز كارولين روز للشبكة بأن الكبتاغون "رُوِّج على أنه بطاقة تفاوض بمحادثات التقارب بين النظام السوري ونظرائه الساعين لإعادة العلاقات، إذ استفاد من سيطرته على هذه التجارة، ويعطي الآن إشارات للدول التي تفكر بإعادة العلاقات بإمكانية تقليل تجارته كبادرة حسن نية".

الباحث الخبير بمعهد نيولاينز كرم شعّار قال لـTRT عربي إن "ملف المخدرات أصبح أولوية لدول الخليج وعلى رأسها السعودية، خصوصاً بعد خفض التصعيد مع إيران بوساطة صينية". ويرى شعّار أن التسوية السياسية بسوريا صارت ثانوية بالنسبة إلى السعودية مقارنة بقضية المخدّرات.

ورغم عدم تأكيد الأخبار المتداولة حول اقتراح تعويض السعودية سوريا بالأموال على هيئة "مساعدات" رجّح شعّار أن تكون المساعدات عبر آلية لا تخضع للعقوبات، أي عبر الأمم المتحدة، وذلك حال موافقته على خفض إنتاج المخدرات.

وشرح شعّار أن الدول التي تفكر بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري، والتي تُفكّر بإعطائه تعويضاً مالياً لوقف المخدرات، لا تستطيع ذلك مباشرةً بسبب خطر تعرُّضها للعقوبات الغربية، والحل هو أن يجري التبرع بالمبالغ للأمم المتحدة لإنفاقها بسوريا، إذ تلتزم الأمم المتحدة فقط العقوبات الأممية، لا الفردية كتلك المفروضة من أمريكا أو منظمات دولية كالاتحاد الأوروبي.

فيما أوضح الباحث السعودي مبارك آل عاتي لـTRT عربي أنه حال رصد مبالغ كمساعدات لسوريا من السعودية فإنها "ستكون عبر الطرق السياسية والدبلوماسية المعلنة، خصوصاً أن لدى المملكة مظلة معلنة للمساعدات الإنسانية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ومساعدات الصندوق السعودي للتنمية".

وقال إن "هذه المساعدات يجب أن تحقق النزاهة والشفافية وتمنع ذهاب الأموال إلى أي سبل مشبوهة قد يجري استغلالها، إذ تؤكد السعودية دائماً أن أي مساعدات ستدفع لسوريا يجب أن تتوجه إلى الشعب السوري ومشاريع البنى التحتية".

وأشار آل عاتي إلى أن "المساعدات وفق استراتيجية مبادرة (خطوة مقابل خطوة) التي وضعتها الأردن، بأن أي تعاون مع سوريا يجب أن تقابله خطوة من بشار كي تُبنى الثقة ويكون لأي مساعدات ثمن إصلاحي في الداخل".

TRT عربي
الأكثر تداولاً