حصد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ضحكات الأطفال الصغار وأحلامهم بقدوم العيد، فبدلاً من أن يأتي العيد باللعب والفرح ويرتدي الصغار ملابس العيد الجديدة، ويتمتعوا بأجواء من البهجة والسرور عقب انتهاء شهر رمضان المبارك، حطّم الاحتلال كل أمنياتهم، وقلب ملامح الفرح في قلوبهم لتدبّ داخلهم مشاعر الحزن والرعب وتمتلئ عيونهم بالخوف والدموع، ولم تكتفِ آلة القتل الإسرائيلية بذلك فقط حيث كانت أرواح أطفال غزة الأبرياء أكثر ما حصدته أسلحة الاحتلال الفتاكة.
ومع اشتداد العدوان أكثر وأكثر، وتتابع مشاهد القتل والدمار كل ليلة، وإزهاق أرواح عائلات بكاملها، من دون أي مبرر، أو وجه حق، يقتلون وهم نيام في بيوتهم، يلتصقون بعضهم بجانب بعض محتمين من أصوات القصف والمدافع التي تهطل عليهم بلا توقف، فيزداد مع كل ذلك خوف الأطفال ورعبهم أكثر، ما اضطر كثيراً من العائلات إلى النزوح إلى أماكن أكثر أمناً لهم ولأطفالهم الذين أصبحوا يعانون من مشكلات نفسية، ومشاعر سلبية بات من الصعب التحكم بها مع كل ذلك الدمار وأصوات المدافع والقذائف التي تهز القطاع بأكمله، ولا تتوقف ولو لساعة.
بعد ستة أيام من العدوان، بدأت الكثير من العائلات بمغادرة بيوتها والتوجه إلى مدارس وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، من دون حتى انتظار أمر تجهيز هذه المدارس لهم، ومتناسين تفشي وباء كورونا في القطاع وكل ما يصحب ذلك من إجراءات وقاية وسلامة، فلم تمتلك العائلات الفلسطينية النازحة من بيوتها قسراً وقتاً للتفكير في كل هذه الأمور، بل تركت كل شيء سريعاً لإنقاذ أطفالها من آلة القتل والتدمير التي تعمدت طمس عائلات بأكملها من السجل المدني الفلسطيني.

في غزة، وعلى الرغم من الدمار والقتل، تجد المواطنين يتماسكون أكثر مع كل عدوان وحرب تشن ضدهم، كثيرة هي العائلات التي قدمت بيوتها أو تشاركتها مع غيرها من العائلات التي خسرت بيوتها وأصبحت مجردة من جدار يحميها، وكثر هم المتطوعون الذين يقدمون مساعدات لتلك العائلات، وغيرهم من الشباب الذين قدموا أرواحهم بالتطوع في الطواقم الطبية والإسعافية والدفاع المدني، يمارسون عملهم تحت القصف الشديد الذي طالهم هم أيضاً ولم يرحمهم، يقاومون بسواعدهم إبادة الاحتلال لقطاع غزة، ويقدمون المساعدة ما أمكن لضحايا العدوان.
الشاب عبد القادر الخطيب يقاوم هو الآخر العدوان لكن على طريقته الخاصة، فسلاحه الذي يمتلكه ليس بارودة أو صاروخاً، بل ملابس ملونة بسيطة وبعض الإكسسوارات وألوان لزينة الوجه التي يخط بها ملامح تدعو إلى الفرح وترسم البسمات على الوجوه.
محا معالم مدينة غزة التي تضج بالفرح وتتحدى الموت وتحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلاً
تطوع الشاب عبد القادر وهو يعمل في مؤسسة "دوحة الإبداع"، مخاطراً بحياته هو وبعض الشباب الآخرين، حيث يخرج عبد القادر من بيته كل يوم متوجهاً إلى مدراس الأونروا التي أصبحت ملجأ قرابة 52 ألف غزيّ هربوا من بيوتهم إليها طلباً للحماية من الموت، ليدخِل إلى قلوب الأطفال الفرحة التي تنسيهم قساوة الحرب، وأصوات المدافع، وهول الدمار المحيط بهم الذي محا معالم مدينة غزة التي تضج بالفرح وتتحدى الموت، وتحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلاً.
بدأت مساعدات "الأونروا" وبعض الجهات المعنية تصل إلى العائلات في المدارس، لكنها كلها مساعدات مادية، أما الجانب الذي يسعى إليه عبد القادر ومؤسسة دوحة الإبداع فهو جانب نفسي معنوي يركز على الأطفال الصغار الأبرياء الذين لا يدركون ما يدور حولهم، وينزوون خوفاً ما يعرضهم لجوانب نفسية مستقبلية.
"نخرج لنقوم بعمل أيام ترفيهية لنفرح الأطفال ونرفع الغم عنهم"
هذا الجانب هو ما التفت إليه عبد القادر وأعضاء المؤسسة وأكده في حديث خاص مع TRT عربي التي رافقته في أثناء فقرات ترفيهية خصصها لإحدى المدارس التي تشهد كثافة من العائلات النازحة. "نحن من سكان حي الرمال، بعد الدمار الذي أصاب برج الشروق، وشارع الوحدة، ورأينا بعدها توجه العائلات بشكل كبير إلى المدارس للاحتماء بها، والوضع الذي يعاني منه الأطفال في داخل المدارس، قررنا كمؤسسة دوحة وإبداع أن نخرج لنقوم بعمل أيام ترفيهية لنفرح الأطفال ونرفع الغم عنهم، استخدمنا فيها طريقة المهرج، وطريقة الدمى والألعاب، والرسم على الوجوه".

توجهت المؤسسة نحو التفكير في مساعدة الأطفال عقب اشتداد العدوان، وقصف الاحتلال لأبراج مدنية، ثم استهداف عائلات بأكملها، وآخرها كانت جريمة شارع الوحدة التي خلفت 46 شهيداً كان 26 منهم هم من عائلة واحدة، فضلاً عن إبادة عائلات أخرى بأكملها. ومع كل هذه المشاهد المروعة كان لزاماً أن يخرجوا ليقدموا المساعدة للأطفال الغزيين الصغار، وحتى للكبار الذين أثقلوا خوفاً على أطفالهم كما أكدوا. "هذا أقل واجب منا لنقدمه للأطفال في كل مناطق القطاع، بدأنا اليوم هنا في المناطق القريبة من بيوتنا على الرغم من الخطر الكبير، ولن ننتهي هنا، سنتوجه بعد ذلك إلى الأطفال في المدارس الأخرى في جباليا وبيت حانون وبيت لاهيا".
ويتحمل هؤلاء الشباب كل التكاليف المادية للقيام بهدفهم الإنساني هذا، مؤكدين أن هذا واجب وطني، توجبه عليهم فلسطينيتهم، متوجهين بالتحية للقدس والشيخ جرّاح.
وقد لاقت فعاليات المؤسسة التي قدمها عبد القادر أمامنا تفاعلاً كبيراً من الأطفال وحتى من الكبار، فأنستهم ولو للحظات قليلة ما يجري حولهم من قتل وتنكيل ودمار، فلعلها استراحة محارب تساعدهم على الصمود أكثر في هذا العدوان الذي لا تظهر أفق لانتهائه بعد.
هذا وبلغت حصيلة العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ بدايته في 10 مايو/أيار من الشهر الجاري 219 شهيداً، بينهم 63 طفلاً و36 سيدة، و1530 مصاباً، غالبيتهم من الأطفال والنساء أيضاً.