المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي لـTRT عربي: تغييرات قد تحدث في الهيكل الاقتصادي العالمي قريباً
سياسة
8 دقيقة قراءة
المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي لـTRT عربي: تغييرات قد تحدث في الهيكل الاقتصادي العالمي قريباًقال المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي ومُمثل المجموعة العربية وجزر المالديف، الدكتور محمد معيط، إن "العالم قد يتجه نحو مرحلة جديدة من التحولات العميقة في بنية الاقتصاد العالمي.
تتمثّل أبرز مصادر القلق في أسعار الطاقة والغذاء، إلى جانب التضخم وتكلفة التمويل، فضلا عن تأثير ذلك في حركة التجارة العالمية / TRT Arabi

 وقال معيط، في مقابلة خاصة مع TRT عربي، إن "التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي لا تزال قيد التشكّل، وأن ملامحها النهائية ستظل مرهونة بمآلات الأزمات الراهنة، وما ستسفر عنه من توازنات جديدة في الأسواق والتحالفات الاقتصادية الدولية".

وأوضح أن "المخاطر لا تقتصر على جانب واحد، بل تمتد لتشمل أسعار الطاقة والغذاء، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة تكلفة التمويل، إلى جانب اضطراب حركة التجارة العالمية"، مشيراً إلى أن "هذه العوامل مجتمعة ترسم صورة اقتصادية مقلقة تتفاوت حدتها من دولة إلى أخرى بحسب قدراتها علي التحمل والتعامل مع الصدمات المتلاحقة أو هشاشتها".

وأشار مُمثل المجموعة العربية في صندوق النقد الدولي، إلى أن "الأزمات المتلاحقة منذ جائحة كورونا خلّفت آثاراً تراكمية على العديد من الاقتصادات، وخاصة في الدول النامية ومنخفضة الدخل، ما جعلها أكثر هشاشة أمام الصدمات الجديدة. وبالتالي، فإن صدمة الحرب الحالية تضاعف من هذه التأثيرات"، داعياً لضرورة "الاستعداد لصدمات مستقبلية محتملة؛ إذ إن السؤال لم يعد ما إذا كانت ستحدث صدمات جديدة أم لا، بل السؤال: متى ستحدث وما طبيعتها".

ما تقييم صندوق النقد الدولي لأداء الاقتصاد العالمي في خضم الحرب الجارية بالشرق الأوسط؟ وهل نحن فعلاً أمام تحوّل هيكلي في آليات الاقتصاد العالمي بشكل عام؟

هناك تخوّف من تأثير هذه الحرب في الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي العالمي، وهو ما دفع الصندوق إلى خفض توقعاته للنمو الاقتصادي خلال هذا العام. غير أن مستوى القلق والحذر يظلّ مرهوناً بمدى استمرار هذه الحرب واتساع نطاقها وعمق آثارها.

وتتمثّل أبرز مصادر القلق في أسعار الطاقة والغذاء، إلى جانب التضخم وتكلفة التمويل، فضلاً عن تأثير ذلك في حركة التجارة العالمية ومستوى التعاون بين الدول. وبطبيعة الحال، تتفاوت هذه التأثيرات من دولة إلى أخرى؛ إذ إن الدول منخفضة الدخل أو الهشّة أو التي تعاني نزاعات تُعدّ الأكثر تضرراً، خاصة في ظل تراجع الدعم المُقدم من الدول ذات الملاءة المالية نتيجة لتداعيات الحرب.

ومن ثم، فإن الآثار متعددة الجوانب، تشمل ارتفاع تكلفة الحصول على الطاقة والغذاء، وتراجع الدعم، وزيادة التضخم وتكلفة التمويل، وتأثر حركة التجارة العالمية والسياحة، وكل ذلك يرسم صورة عامة لا تبدو مطمئنة. لذلك من وجهة نظري، يظل الصندوق في حالة ترقّب لتطورات وآثار الحرب، لتقييم حجم الأضرار بشكل أدق.

وهناك دول ستكون أكثر تأثراً، مثل لبنان، وكذلك دول في المنطقة متأثرة أكثر بتكلفة أسعار الطاقة والسياحة، كالأردن ومصر والصومال واليمن وبعض دول الشمال الإفريقي، فضلاً عن دول أخرى تتأثر بأسعار الطاقة، وبانعكاسات ذلك على ميزان المدفوعات، وتحويلات العاملين في الخارج، وقطاع السياحة، وهذه التأثيرات مرشحة للتفاقم مع استمرار الحرب لفترة أطول.
 

في ضوء هذه التقديرات، إلى أي مدى يمكن القول، إن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة من عدم اليقين الهيكلي وليس مجرد صدمة مؤقتة مرتبطة بالأحداث الجارية في الشرق الأوسط؟

في الواقع، لم يدخل الاقتصاد العالمي هذه الحالة نتيجة الأزمة الحالية فقط، بل إن جذور هذه الصدمات تعود إلى جائحة كورونا عام 2020، وما تبعها من موجة تضخمية، ثم الحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى الحرب في الشرق الأوسط، بما في ذلك حرب غزة، وأزمة التعريفات الجمركية العام الماضي، وما يشهده العالم حالياً من الحرب مع إيران وما تبعها من آثار في منطقة الخليج ولبنان.

هذه الصدمات المتتالية خلال السنوات الست الماضية، وضعت الاقتصاد العالمي في حالة تحوّل تدريجي مستمر، ومن المؤكد أن هذا التحوّل سوف يترك آثاراً في الهيكل الاقتصادي العالمي.

وعند النظر إلى تداعيات الحرب الحالية، نجد أن الدول المصدّرة للنفط تأثرت بشكل ما، بينما تأثرت الدول المستوردة له بشكل آخر، في حين كانت الدول التي تستورد الطاقة والغذاء وتلك التي تعتمد على المساعدات الدولية هي الأكثر تضرراً، فإن بعض الدول التي تأثرت صادراتها البترولية بشدة تأثرت أيضاً بصورة أو أخرى.

كل ذلك يضع الاقتصاد الإقليمي والعالمي في مسار تحوّل مستمر، فيما يظل الشكل النهائي لهذا التحوّل مرتبطاً بنتائج الأزمات الراهنة، لكن من المؤكد أننا سنشهد تغيّرات في الهيكل الاقتصادي العالمي، مع تزايد الحديث عن أهمية التحالفات الإقليمية، وتعزيز التجارة البينية، ودور أكبر للمؤسسات المالية الإقليمية في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة.

بالانتقال إلى المنطقة العربية، كيف يقيّم صندوق النقد الدولي الأثر الكلي لهذه الحرب؟ وهل يمكن القول، إن التأثير متوازن؟ أم إنَّ هناك دولاً تتحمّل العبء الأكبر ولا سيما في ظل تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز؟

التأثيرات في المنطقة العربية متباينة؛ فهناك دول تمتلك قدرات مالية، وهوامش في موازناتها، واحتياطيات كبيرة، فضلاً عن موارد طاقة، ما يمكّنها من امتصاص الصدمات بشكل أفضل، وخاصة مع وجود تنوّع في مصادر الدخل لديها.

في المقابل، هناك دول مستوردة للطاقة، وغالباً ما تكون مستوردة للغذاء أيضاً، وتعتمد بدرجات متفاوتة على تحويلات العاملين في الخارج، إلى جانب اعتمادها على قطاعات مثل السياحة والتصدير. هذه الدول تتأثر بشكل أكبر، ولا سيما مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين، وتأثير التضخم العالمي في معدلات التضخم المحلية نتيجة لتضخم أسعار الطاقة والغذاء والأسمدة وتكاليف التأمين والشحن والنقل. 

أما الفئة الأكثر تضرراً، فهي الدول التي تجمع بين استيراد الطاقة والغذاء، والاعتماد على الدعم والمنح الخارجية، وتعاني في الوقت ذاته من هشاشة اقتصادية أو نزاعات داخلية. هذه الدول تواجه التأثير الأكبر مما يحدث حالياً.

كما يجب الأخذ في الاعتبار أن موازين المدفوعات لدى هذه الدول ستتأثر بشكل ملحوظ، ما سينعكس على أسعار صرف العملات، وهو ما يخلق تأثيراً مزدوجاً في معدلات التضخم ومستويات الدين.

لاحظنا وجود تباين في توقعات النمو التي أصدرها صندوق النقد الدولي لعدد من الدول العربية.. إلى أيِّ مدى يعكس ذلك اختلالات عميقة وهيكلية بين الاقتصادات العربية، وليس مجرد تبعات آنية لما يجري في الشرق الأوسط؟  

بالتأكيد، هناك تفاوتات جوهرية بين الاقتصادات العربية؛ فبعض الدول تعتمد على مصدر أو مصدرين أو ثلاثة كمكوّنات رئيسية للدخل القومي، في حين تمتلك دول أخرى تنوعاً أكبر في مصادر دخلها. هذا عامل أساسي في تفسير التباين.

إلى جانب ذلك، فإن الأزمات المتلاحقة منذ جائحة كورونا خلّفت آثاراً تراكمية على العديد من الاقتصادات، ما جعلها أكثر هشاشة أمام الصدمات الجديدة. وبالتالي، فإن صدمة الحرب الحالية تضاعف من هذه التأثيرات، هذا بالإضافة إلى إذا كانت تلك دول تعاني مشكلات هيكلية أساسية في التركيبة الاقتصادية من قبل تلك الأزمات، فهذا يزيد التحديات الاقتصادية لهذا النوع من الدول. 

ومن هنا، أصبح من الضروري عند التخطيط الاقتصادي مراعاة عاملين أساسيين:

الأول هو أن حالة عدم اليقين لم تعد ظرفاً مؤقتاً، بل أصبحت سمة دائمة في الاقتصاد العالمي.

والثاني هو ضرورة الاستعداد لصدمات مستقبلية محتملة؛ إذ إن السؤال لم يعد ما إذا كانت ستحدث صدمات جديدة، بل متى ستحدث وما طبيعتها؟

الدول التي تأثرت بشكل كبير خلال السنوات الخمس أو الست الماضية هي الأكثر عرضة للتأثر حالياً. لذلك، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في هيكلة الاقتصادات، من خلال تنويع مصادر الدخل، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، إلى جانب زيادة الاستثمار، وخصوصاً في مجالات التنمية البشرية وتحسين مناخ الاستثمار وإدخال المزيد من التكنولوجيا والتحول الرقمي والذكاء الصناعي.

كما أن تعزيز الصلابة الاقتصادية يتطلب توفير هوامش مالية أفضل، وتبني سياسات مالية ونقدية أكثر كفاءة ومرونة، بما يمكّن من التعامل مع حالة عدم اليقين والصدمات المستقبلية.

في المحصلة، كلما ازدادت قدرة الاقتصاد على التكيّف مع عدم اليقين ومرونته وتنوعه وبناء الاحتياطيات والمساحات داخل موازناته، ازدادت صلابته، وهو ما يستدعي عملاً مكثفاً لإعادة بناء الاقتصاد على أسس هيكلية أكثر متانة. 

على صعيد الاستجابة، أعلن صندوق النقد الدولي استعداده لتقديم دعم طارئ لمساعدة الدول المتضررة من صدمة أسعار الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط. هل بدأ بالفعل تقديم هذا الدعم؟ وما الدول التي ستستفيد منه؟ 

بالفعل، هناك دول تتواصل حالياً مع صندوق النقد الدولي، نظراً لما خلّفته هذه الأزمة من آثار تستدعي دعماً مالياً، وقد أعلنت مديرة الصندوق، كريستالينا جورجيفا، تخصيص ما بين 20 و50 مليار دولار للتعامل مع هذه الطلبات.

ومن المهم التمييز بين حالتين:

هناك دول لا ترتبط حالياً ببرامج مع الصندوق، وتسعى للحصول على دعم سريع للتعامل مع آثار تلك الحرب علي موازناتها وموازين مدفوعاتها.

وفي المقابل، هناك دول لديها برامج قائمة العديد منها ممول، لكنها تأثرت بالأزمة الحالية، ما يستدعي إعادة النظر في التمويلات المرتبطة بتلك البرامج، وأيضاً مستهدفات هذه البرامج ومدى تأثرها بتبعات هذه الحرب، والصندوق أكد أنه سوف يراعي ذلك عبر دراسة حالة كل دولة على حدة.

ولا يقتصر دور الصندوق على التمويل فقط، بل يشمل أيضاً تقديم الدعم الفني والاستشارات فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية المناسبة والملائمة، لمساعدة الدول على التعامل مع تداعيات الأزمة، حتى في الحالات التي لا تتطلب تمويلاً مباشراً.

مَن الدول التي تتواصل مع صندوق النقد الدولي حالياً للحصول على دعم أو تمويل أو حتى استشارات؟

 في العادة، لا يُعلن عن أسماء الدول التي تجري مشاورات مع الصندوق قبل صدور بيانات رسمية، نظراً لحساسية هذه المسائل.

لكن يمكن الإشارة إلى بعض الحالات المُعلنة بالفعل؛ فلبنان، على سبيل المثال، يتفاوض مع الصندوق بشأن برنامج دعم لإصلاح اقتصادي شامل، ويُعد من أكثر الدول تأثراً بالأزمة الحالية، في ظل تداعيات الحرب في الجنوب، وما نتج عنها من أعباء داخلية شديدة.

كذلك، تتأثر دول أخرى مثل الصومال، التي كان الصندوق قد وافق بالفعل -حتى قبل تصاعد هذه الأحداث- على زيادة التمويل ضمن برنامجها القائم، وخاصة أنها تأثرت بانخفاض الدعم والمساعدات التي كانت تقدّم لها.

وبشكل عام، فإن الدول التي تتواصل مع الصندوق ليست محصورة ضمن مجموعة واحدة، بل تتوزع على عدة دوائر تمثيلية داخل الصندوق، سواء في إفريقيا أم الشرق الأوسط أو غيرها، ما يجعل الصورة الكاملة غير متاحة بشكل مركزي لدى مكتب مدير تنفيذي واحد داخل المؤسسة.

 

 

 

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
انخفاض أسعار النفط مع تعهد ترمب بمساعدة السفن العالقة في هرمز
سنتكوم تنقل طاقم سفينة إيرانية إلى باكستان تمهيداً لإعادتهم
إصابة 10 أشخاص في إطلاق نار خلال حفلة بأوكلاهوما الأمريكية
"فخّ موت".. مفوض أممي يدعو إلى محاسبة المسؤولين عن استهداف 300 صحفي في غزة
بريطانيا تبدأ محادثات للانضمام إلى خطة تمويل أوروبية لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو
روسيا: قد نطرح مبادرات جديدة لنزع أسلحة الدمار الشامل بالشرق الأوسط
قتلى وجرحى بقصف إسرائيلي جنوبي لبنان.. وحزب الله يرد باستهداف تجمعات عسكرية للاحتلال
طهران تراجع ردّ واشنطن على خطتها.. وإعلام عبري يتحدث عن رفض ترمب لها
ترمب يعلن تحركاً "لتحرير" سفن بهرمز.. وطهران: أي تدخل سيُعتبر انتهاكاً لوقف النار
17 قتيلاً بينهم قيادي في "درع السودان" شرقي ولاية الجزيرة.. ونزوح جديد بشمال كردفان
تزامناً مع الحصار الأمريكي.. هيئة بريطانية: زوارق صغيرة تهاجم سفينة شحن قرب مضيق هرمز
لمواجهة تراجع صورتها الدولية.. إسرائيل تضاعف ميزانيتها الدبلوماسية إلى 730 مليون دولار
فقدان جنديين أمريكيين خلال مناورات "الأسد الإفريقي" جنوبي المغرب
استشهاد فلسطيني وإصابة العشرات خلال اقتحامات إسرائيلية في نابلس والقدس واعتقالات واسعة بالضفة
يلتقي خلالها نظيره فيدان.. وزير خارجية الكويت يزور تركيا الاثنين