يأتي الاتفاق ضمن سلسلة من الخطوات والإجراءات والتحولات العسكرية في جزيرة قبرص في الأعوام الماضية مع إسرائيل واليونان وغيرها والتي تعتقد أنقرة أنها تهدد التوازنات القائمة في الجزيرة وتهدد حقوق القبارصة الأتراك.
وتسمح اتفاقية إدارة جنوب قبرص اليونانية مع فرنسا بنشر وحدات عسكرية فرنسية بشكل دائم في الجزيرة مما يوفر إطاراً قانونياً لهذا التمركز في موقع حساس أمام السواحل السورية واللبنانية والتركية، وفي قلب شبكة خطوط الطاقة في المنطقة، مع حق التدريب واستخدام المنشآت العسكرية وتنفيذ مناورات مشتركة وتبادل أفراد وتقنيات دفاعية.
ومن المعلوم أن إسرائيل وقعت مع إدارة جنوب قبرص اليونانية واليونان في ديسمبر/كانون الأول 2025 خطة العمل العسكرية المشتركة لعام 2026 والتي تمنح إسرائيل تسهيلات لوجيستية وميدانية كما شكل الطرفان مع اليونان قوة الاستجابة السريعة والتي تتكون من 2500 عسكري 1000 من إسرائيل و1000 من اليونان و1000 من إدارة جنوب قبرص اليونانية ونشر أن هذه القوة شكلت بغرض حماية البنية التحتية للطاقة ومواجهة الأزمات الطارئة في شرق البحر المتوسط.
وغني عن القول أن إدارة جنوب قبرص اليونانية كثف تعاونها العسكري مع إسرائيل ولديها اعتماد كبير ومتزايد على التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلية مثل منظومات الدفاع الجوي والطائرات المسيرة وأنظمة التشويش وغيرها، ولكن يعتقد أن صلب هذا التحالف بين اليونان وقبرص اليونانية وإسرائيل وما أضيف إليه من دور فرنسي يهدف بالدرجة الأولى إلى تطويق تركيا كاستراتيجية لمنع تركيا من زيادة نفوذها في منطقة شرق المتوسط.
ولا ننسى أنه جرت هناك عدة مبادرات استراتيجية لعزل تركيا مثل مبادرة منتدى شرق المتوسط في عام 2019 والتي كانت أكبر من مجرد منصة تشاورية بين عدة دول في مجال الطاقة وأقرب من تجمع جيوسياسي منظم لديه مصالح وتهديدات مشتركة.
لا تعتبر تركيا الاتفاقية الفرنسية القبرصية إطاراً قانونياً للوجود العسكري الفرنسي في الجزيرة ليس لأن هذا الاتفاق يدخل قوة أوروبية كبيرة جديدة إلى معادلة الجزيرة ولكنه يتعارض مع اتفاقية الدول الضامنة الثلاث تركيا وبريطانيا واليونان والتي جرى توقيعها في عام 1960. ولذلك تعتبر تركيا الاتفاقية الفرنسية مع إدارة جنوب قبرص اليونانية مخالفة لاتفاقيات 1960، ومحاولة لتغيير التوازنات الحرجة في الجزيرة من جنب واحد. وترى أنقرة أن اتفاقية 1960 توفر لتركيا إطاراً قانونياً للرد على أي تهديد تتعرض جمهورية شمال قبرص التركية.
وإضافة إلى الجانب القانوني، فإن تركيا رسمت من خلال بيان وزارة الدفاع التركية الرافض للاتفاقية الفرنسية مع إدارة جنوب قبرص اليونانية خطاً أحمر أمام الوجود الفرنسي في قبرص والذي سيحول قبرص إلى قاعدة عسكرية متقدمة لفرنسا ونعلم أن أيضاً وجود قاعدتين عسكريتين بريطانيتين في قبرص اليونانية ولعل هذا الوجود الفرنسي الجديد هو محاولة للعب أيضاً في معادلة الجبهة الجنوبية لحلف الناتو والذي تلعب فيه تركيا دوراً محورياً.
الوجود العسكري الفرنسي في شرق المتوسط
عززت فرنسا حضورها في شرق المتوسط عبر حاملة الطائرات شارل ديغول والتي دعمت عدة مرات مهمات التحالف ضد تنظيم داعش الإرهابي وأيضاً كانت رسالة ردع فرنسية في المنطقة تجاه أي طرف يدخل في أزمة مع فرنسا أو مصالحها، كما أن لديها فرقاطات عسكرية مثل لافاييت قبالة السواحل اليونانية والقبرصية وتجمع معلومات استخبارية، ومن المعلوم أن فرنسا نشرت مقاتلات رافال في قواعدة يونانية في جزيرة كريت وأجرت مناورات مع اليونان وإدارة جنوب قبرص عدة مرات.
وفي مارس/آذار 2026 نشرت فرنسا 12 سفينة حربية بعد أزمة هرمز استعداداً لدعم الملاحة كهدف معلن لكنها بقيت في شرق المتوسط.
الحضور عبر ملف الطاقة
من زاوية أخرى لا يغيب ملف الطاقة عن هذه المعادلة، فشركة توتال إنيرجيز الفرنسية التي لا تعتبر شركة تجارية تتابع نشاطاً تجارياً فحسب بل هي أداة نفوذ للدولة الفرنسية للتحكم في مفاتيح ملفات الطاقة والبنية التحتية لها في لبنان ومصر وإدارة جنوب قبرص اليونانية وسوريا، إذ تشغل شركة توتال حقل قانا قبالة سواحل لبنان وارتبط دخولها للسوق اللبنانية باتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وقد وقعت شركة توتال في مايو/أيار 2026 اتفاقية مع الشركة السورية للبترول لاستكشاف الطاقة قبالة اللاذقية فضلا عن الشراكات مع مصر وإدارة جنوب قبرص.
ولعل التحرك الخطير هو أن باريس تستخدم الشركة كذراع اقتصادي بحاجة إلى حماية عسكرية عبر قواعد عسكرية في المنطقة ولذلك لا نستغرب أن يكون هذا التداخل بين عمل شركة توتال في منطقة شرق المتوسط والقوة العسكرية الفرنسية سبباً لتوترات أو مواجهات في المستقبل. وبخاصة أن عمل الشركة يخفي خلفه تحالفات دولية وعسكرة للمياه وترتيبات في مجال الطاقة غير عادلة تقصي مصالح بعض الفاعلين وتهتم بفاعلين آخرين كما هو الحال في الغاز قبالة لبنان وقبالة سواحل غزة.
وبالطبع من المفهوم أن فرنسا بدأت تتجه بقوة إلى منطقة شرق المتوسط بعد حرب أوكرانيا وتقليل الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي وبالتالي قد تكون فرنسا مدعومة من دول أوروبية أخرى وتقدم نفسها كقائد للاستراتيجية الأوروبية الجديدة وهو الأمر الذي برزت بعض ملامحه في قمة إيفيان الأخيرة لمجموعة السبع.
ومن قبل تقدم فرنسا نفسها كقائدة لأوروبا أكثر انخراطاً في قضايا الشرق الأوسط سواء عبر الحضور العسكري أو الدبلوماسية النشطة أو الشركات الكبرى كما أن هناك سردية فرنسية مبنية على أن فرنسا هي من تملأ فراغ التراجع الأمريكي في المنطقة وهي التي تحمي المصالح الأوروبية جنوباً وشرقاً. وبالفعل يوجد نشاط ملحوظ جداً في قضايا ليبيا ومصر وسوريا ولبنان وجنوب قبرص اليوناني وحتى في ملف غزة.
وفي ظل التوتر التركي-الإسرائيلي، ووجود تنسيق عملياتي واستخباري مباشر واستمرار الصادرات الدفاعية الفرنسية لإسرائيل والتعاون التقني العسكري وفي ظل الوجود الإسرائيلي في جنوب قبرص اليونانية فإنه من الطبيعي أن تشعر تركيا بالتهديد من هذه التحركات ليس في حديقتها الخلفية بل في جوارها الاستراتيجي.
الموقف التركي
من المنطقي أن تعتبر تركيا أن ما يجري في جنوب قبرص اليونانية إذا ما جرى تحليله في سياقه الأوسع هو محاولة لإعادة تشكيل توازنات القوى شرق المتوسط على حساب تركيا وعلى حساب القبارصة الأتراك وبالتالي فإن توصيف مجلس الأمن القومي لما يجري بأنه استفزاز هو عبارة ملطفة تجاه احتمالات الإخلال بالتوازنات الحساسة في جزيرة قبرص ولكن في نفس الوقت فإن السلوك العملي لتركيا سيشمل تحركات رادعة على الأغلب، فبعد تجريد الخطوة الفرنسية من الشرعية القانونية بوصفها مخالفة للقانون الدولية ولمعاهدة 1960، فإن الرئيس أردوغان هدد برد واضح وقوي وحاسم واعتبر أن هذه التحالفات التي تتجاهل تركيا محكوم عليها بالفشل.
ولذلك فإن تركيا ستكثف من المناورات العسكرية مع جمهورية شمال قبرص التركية ومن تواجد مقدراتها العسكرية هناك بخاصة في ظل تطور الصناعات الدفاعية التركية في مجال المسيرات وأنظمة الدفاع وغيرها، وستقوم بالعمل المشترك حتى مع دول من الناتو مثل بلغاريا ورومانيا وبولندا وستعمل على نقاش هذه التحركات في قمة الناتو القريبة في أنقرة.
سترفض تركيا تغيير التوازنات في المنطقة سياسياً وقانونياً وستستعد عسكرياً ولن تتهاون في تأكيد دورها كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي إعادة هندسة للأمن أو للطاقة في المنطقة وخاصة في جوارها المباشر.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.





















