وبشكل مختصر كما ذكرت عدة مواقع إخبارية، فإن البند الثامن يتحدث عن عملية حصر وجمع السلاح بشكل تدريجي، ووفقاً لجداول زمنية وبقيادة من اللجنة الوطنية وبرقابة وتحقق من مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية، مع مشاركة في حصر البنية التحتية، ولتسهيل تمرير هذا البند على الفصائل الفلسطينية ذكر هذا البند أنه لن يكون مطلوباً من أي جماعة مسلحة نقل أسلحتها إلى إسرائيل.
أما البند التاسع، فهو يتناول، كما رشح، برامج إعادة شراء للأسلحة الشخصية والخفيفة من الأشخاص والعشائر مع تفاصيل حول عمليات تسجيل السلاح وإصدار وإلغاء تراخيص وجمع الأسلحة غير المرخصة وهو أمر منوط باللجنة الإدارية التي تعتبر صاحبة السلطة في هذا الملف وفق خارطة الطريق.
وقد نشر الباحث والصحفي الفلسطيني وسام عفيفة بعضاً من بنود هذه الخارطة ومنها إعادة هيكلة المنظومة الأمنية، إذ تنص الخارطة على إخضاع عناصر الشرطة القائمة للفحص والتدقيق وفق معايير مهنية وقانونية، ودمج من تنطبق عليهم الشروط في جهاز الشرطة، مع نقل جميع أسلحة الشرطة إلى سلطة اللجنة الوطنية.
كما تقترح الورقة كذلك توقيع اتفاق للسلم الاجتماعي يتضمن التزامات ملزمة بوقف كافة “أعمال الاقتتال الداخلي والعنف والاستعراضات المسلحة”، بالتوازي مع انتشار قوة الاستقرار الدولية في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
شرط المرحلة الأولى حاسم في رد الفصائل
وفي 13 يونيو/حزيران الجاري أعلنت حماس أنها سلمت رد الفصائل الفلسطينية على خطة خارطة الطريق التي كان ممثل مجلس السلام نيكولاي ميلادينوف قد قدمها للحركة وللفصائل قبل شهر تقريبا. وجاء الرد بعد جولات من المباحثات والمشاورات بين الفصائل الفلسطينية فيما بينها وبين حماس والوسطاء ( مصر وقطر وتركيا).
وكان من الواضح أن الفصائل الفلسطينية تراعي التعامل بمسؤولية وإيجابية عالية مع تطبيق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كمحدد للتعامل من جهة مع تأكيدها ضرورة تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة بكامل تفاصيلها، إذ التزمت حماس كل التفاصيل بينما انتهك الاحتلال الإسرائيلي كل بنود المرحلة الأولى تقريبا.
وعلى مدار شهر ونصف كان هناك جمود في المباحثات بسبب إصرار حماس والفصائل الفلسطينية على تطبيق المرحلة الأولى بكل تفاصيلها قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهو مطلب محق ومنطقي في تسلسل عملية تطبيق الاتفاق، وكذلك لإدراك الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حركة حماس أن الاحتلال الإسرائيلي يضغط من خلال مجلس السلام وممثله ميلادينوف للمضي نحو عملية نزع السلاح في غزة ويختزل كل بنود الاتفاق في هذه العملية.
ولهذا سلّطت حماس في ردها الضوء على ضرورة الالتزام الكامل بما ورد في خارطة الطريق بشأن دخول اللجنة الإدارية المتفق عليها والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وإعادة الإعمار وصولاً إلى تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني بإقامة دولته ونيل حقه في تقرير المصير، وهي الأمور التي لم يركز عليها ميلادينوف بقدر تركيزه على قضية السلاح.
صيغ غامضة ومقاربات حذرة
وفق ما نشر عديد من وسائل الإعلام حول رد حماس فقد توصلت الحركة والفصائل الفلسطينية إلى مقاربات بشأن جميع البنود وبخاصة البند الثامن الذي يتناول موضوع السلاح، ويلاحَظ أن رد حماس تجنب الإشارة إلى مصطلح "جمع السلاح" وتناول مصطلح "حصرو تخزين" السلاح الثقيل فقط ولم يتحدث عن السلاح الخفيف، والأهم أنه ربط هذه العملية التي ستجرى بشكل تدريجي وجدول زمني بعملية الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي يسيطر عليها في غزة، بمعنى أن عملية التنفيذ لن تجري إلا بعد الانسحاب الإسرائيلي.
كما جرى ربط ما سبق باستكمال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بجميع استحقاقاتها بما فيها البروتوكول الإنساني ووقف الاغتيالات ودخول اللجنة الإدارية وتفكيك المليشيات المسلحة.
وفي نقطة أخرى كانت موضع نقاش عدا عن عملية حصر السلاح جرى تداول مفهوم جديد هو "تحييد البنية التحتية للمقاومة"، وهو مصطلح غامض، ولكن على الأغلب أن اسرائيل تهدف من ورائه إلى تفكيك كل قدرات المقاومة المادية والتنظيمية وتسعى لخلق ذرائع لاستهداف الأشخاص الذين تريد التخلص منهم مستغلة هذه المصطلحات الفضفاضة.
وعملياً تريد إسرائيل تدمير الأنفاق الهجومية والدفاعية وورش التصنيع ومراكز القيادة، كما أنه قد يكون استخدام مصطلح التحييد هو جزء من عملية تمرير مشروع نزع السلاح في ظل رفض المقاومة لنزع السلاح.
وبالتالي هي وضع صياغات ملطّفة يمكن أن تواجه برفض أقل ولكنها تحول المقاومة بالنهاية من فاعل عسكري وسياسي مؤثر إلى تيار سياسي ضعيف بلا أي قدرات ردعية، كما أن هذا يحصل دون أي مقابل سياسي حقيقي.
وأمام هذا الرد المقدم من الفصائل الفلسطينية والذي كان متوقعاً أن لا يحظى بقبول إسرائيلي، أشارت جهات إعلامية إلى أن الوسيط المصري طلب من وفد حماس البقاء في القاهرة لمدة أطول من أجل إحداث تطور في المفاوضات بناء على ما جرى من مباحثات في الآونة الأخيرة ويبدو أيضاً أن هناك عملية سباق مع الزمن جرت من أجل أن يجلس ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية ليعطيهم رده على الرد الذي قدمته الفصائل.
وفي السياق ذاته ذكر أيضاً أن ميلادينوف يريد نقاش البند الثامن وبخاصة فيما يتعلق بالسلاح الخفيف والسلاح الشخصي الذي لم يجرِ الحديث عنه في رد الفصائل وكذلك سلاح العشائر، مع ورود أخبار عن أفكار حول عروض مالية كبيرة للعشائر في حال تسليم سلاحها.
جولات متجددة
لا يتوقع أن تسفر الجولة الأخيرة عن نتائج ملموسة، فلا تزال الحالة عبارة عن حراك بلا حسم وجولات متعددة وتعديلات على الأفكار المعدلة، ولكن النقطة الأهم أن المباحثات تدور بين فصائل المقاومة والوسطاء ثم تتوصل إلى صيغ ربما تكون مقبولة، ثم يجري الجلوس مع ممثل مجلس السلام الذي يضع تعديلات جديدة جوهرها وسقفها هو نزع سلاح غزة بالدرجة الأولى، وأن دولة الاحتلال الإسرائيلي باتت وكأنها لا تتحمل أي مسؤولية في هذه العملية. فنتنياهو يدير كل هذه العملية بدون أن تتحمل إسرائيل عواقب هذه المماطلات وعدم التزامها بتعهدات المرحلة الأولى كما أن الضغط الخارجي يمارس بشكل أساسي على الفصائل الفلسطينية دون ضغط حقيقي على إسرائيل حتى على المستوى الإعلامي.
رغم كل ما سبق جرى الحديث عن أجواء إيجابية في القاهرة وتوافق على "استكمال التنفيذ" ولكن الواقع يشير إلى عدم وجود أي اختراق جوهري في القضايا العالقة، ويتوقع أن تكون هناك جولة أخرى في الأيام القادمة ويتوقع أن يعمل ميلادينوف على تلبية شكلية لعملية استكمال المرحلة الأولى بحيث يجري تحسين بعض الظروف في الملفات الإنسانية وربما دخول اللجنة الإدارية ولكن هذا سيكون على الأغلب لفترة قصيرة ربما أيام أو أسابيع قليلة، وذلك لضغط الفصائل الفلسطينية نحو المضي نحو تنازلات في ملف السلاح.
إن الحقيقة المؤسفة أنه بالرغم أن حرب الإبادة بصورتها الفجة قد تراجعت فإن الحرب مستمرة والاغتيالات مستمرة والحالة الإنسانية مأساوية وتستفيد إسرائيل بشكل كبير من الوضع الحالي، وهي لديها خطط جاهزة لاستئناف عمليات كبيرة على غزة وتستخدمها كفزاعة وورقة ضغط على المفاوضات الجارية.
كما أن المقاومة الفلسطينية أمام تحدّ كبير، فهي لا تجد من المقبول مبدئياً أن تُساق إلى أي صيغ تفكك بنيّة مقاومة لشعب تحت الاحتلال، ولكنها معنية أيضاً بمنع عودة الحرب على شعب تعرض لحرب إبادة ولا يزال يحتاج إلى حلول في ظل المأساة الإنسانية الهائلة.









