لم يكن تأسيس حزب العدالة والتنمية في 14 أغسطس/آب 2001 مجرد إضافة حزب جديد إلى المشهد السياسي التركي، بل جاء في لحظة كانت فيها البلاد تبحث عن مخرج من سنوات طويلة من عدم الاستقرار السياسي والأزمات الاقتصادية وسط حضور ثقيل للمؤسسة العسكرية في الحياة المدنية. وفي الوقت نفسه، كانت قطاعات واسعة من المجتمع المحافظ تشعر بأنها لا تجد تمثيلاً سياسياً يعكس تطلعاتها بعد سلسلة من المواجهات بين الدولة والأحزاب ذات الخلفية الإسلامية.
في هذه البيئة ظهر حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، بعد شهرين من قرار المحكمة الدستورية حلّ حزب الفضيلة، مقدماً نفسه بخطاب "محافظ ديمقراطي" أكثر انفتاحاً، وساعياً إلى بناء تجربة مختلفة عن الأحزاب التي سبقته.
ولم يحتج الحزب إلى وقت طويل لاختبار قدرته على تحويل هذا الخطاب إلى قوة انتخابية. فبعد نحو عام فقط من تأسيسه، حصل على نحو 34% من الأصوات في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2002، وتمكن من تشكيل الحكومة منفرداً، منهياً بذلك مرحلة الحكومات الائتلافية الهشة، ومفتتحاً مرحلة سياسية جديدة ستترك أثرها العميق في تركيا طوال ربع القرن التالي.
إعادة تشكيل أولويات الدولة
في السنوات الأولى التي أعقبت وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، شرع الحزب في إعادة ترتيب أولويات الدولة التركية، سواء في إدارتها لشؤونها الداخلية أو في طبيعة حضورها في الخارج. وفي الداخل، عمل على تعزيز ارتباط الشرعية السياسية بالإرادة التي تعبر عنها صناديق الاقتراع، بالتوازي مع تحديث البنية الاقتصادية والخدمية، ولا سيما في قطاعات الصحة والمواصلات والتعليم.
وساعدت التحولات التي شهدتها تلك السنوات على توسيع قاعدة الدعم الشعبي للحزب بين شرائح مختلفة من المجتمع التركي. ولم يقتصر الأمر على تحسين الطرق والبنية التحتية، بل سعت الحكومات المتعاقبة بقيادة حزب العدالة والتنمية إلى ترسيخ نموذج للدولة القادرة على تقديم الخدمات وإنجاز المشروعات الكبرى.
فتوسعت شبكة الطرق، وأُنشئت الجسور والأنفاق والمطارات، وتحسن الربط بين مدن الأناضول والمراكز الاقتصادية الكبرى، بما أسهم في تسهيل حركة الأفراد والبضائع وتقليل كلفة التنقل الداخلي.
وفي القطاع الصحي، شهدت البلاد توسعاً في بناء المستشفيات وتوظيف الأطباء والكوادر الطبية وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين. أما في التعليم، فتوسع انتشار الجامعات في مختلف الولايات التركية، بالتوازي مع إدخال أدوات وتقنيات جديدة إلى المدارس وتحديث جانب من بنيتها التعليمية.
لكن الأثر السياسي الأهم لهذه التحولات ربما تمثل في الصورة التي أخذت تترسخ لدى قطاع واسع من المواطنين عن الدولة في عهد أردوغان وحزب العدالة والتنمية: دولة أكثر حضوراً في حياتهم اليومية، وإدارة تقاس قدرتها بمدى ما تنجزه وما تقدمه من خدمات. وهكذا تحول الإنجاز الخدمي، إلى جانب كونه أداة لتحسين حياة المواطنين، إلى أحد المصادر الأساسية التي استند إليها الحزب في بناء شرعيته وتعزيز حضوره الشعبي.
وتزامن ذلك مع العمل على استعادة الاستقرار المالي بعد الأزمات الاقتصادية التي مرت بها البلاد، وجذب الاستثمارات وتوسيع الصادرات والانفتاح على أسواق جديدة. وأسهمت هذه السياسات في تحقيق معدلات نمو مرتفعة وتحسن مستويات الدخل خلال مراحل من تلك الفترة، كما منحت الشركات الصغيرة والمتوسطة مساحة أكبر للنمو. ومن مدن الأناضول تحديداً، برزت طبقة متنامية من رجال الأعمال والشركات التي استفادت من الفرص الاقتصادية الجديدة ومن اتساع ارتباط تركيا بالأسواق الخارجية، لتصبح بدورها جزءاً من التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي رافق صعود حزب العدالة والتنمية.
العلاقات المدنية-العسكرية
أعاد حزب العدالة والتنمية تعريف العلاقات المدنية-العسكرية في تركيا، التي عُرفت بإرث الانقلابات والتدخل العسكري في مختلف شؤون السياسة. ولذلك عمل الحزب، بصورة تدريجية ومن خلال حكوماته المتعاقبة، على تقليص نفوذ المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وتوجيهها نحو دورها الحقيقي: حماية البلاد وحدودها من الأعداء والتهديدات، والتركيز على تطوير القوة العسكرية.
ومضى هذا المسار عبر إصلاحات قانونية ودستورية، وعبر تعزيز الرقابة المدنية على مجلس الأمن القومي وقرارات المؤسسات العسكرية والأمنية. ولم يكن الأمر سهلاً؛ إذ مرّ بمخاضات صعبة، من بينها محطة المذكرة الإلكترونية في 2007، ومحاولات إدخال البلاد في الفوضى عام 2013، وصولاً إلى محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016.
وقد أدى ثبات حزب العدالة والتنمية على رؤيته إلى انتقال مركزية القرار في البلاد من المؤسسة العسكرية والأمنية إلى القيادة المدنية التي تعبر عن الإرادة الشعبية، وكان لهذه العملية بغير مبالغة تداعيات جذرية على كل أبعاد الحياة في تركيا.
السياسة الخارجية
على المستوى الخارجي، كانت تركيا قبل حزب العدالة والتنمية تسير في نهج يتسم بالانكفاء الداخلي، وكان تحركها الدولي أقل نشاطاً بكثير، وخصوصاً تجاه قضايا الشرق الأوسط وفي المجالات الحيوية لتركيا في البلقان والقوقاز ومع الدول التركية الأخرى. وكان يُؤخذ عليها تمركزها حول الغرب.
لكن بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، تبنى الحزب سياسة أكثر نشاطاً وتوازناً. ولم يتبنَّ القطيعة مع الغرب، بل أعاد تقديم تركيا بوصفها دولة محورية لا مجرد "دولة جسر" كما في بعض الاستراتيجيات الغربية. وتبنت مؤسسات السياسة الخارجية التركية مبادرات جديدة، مثل تصفير المشكلات مع دول الجوار، والسياسة متعددة الأبعاد، والدبلوماسية النشطة، والوساطة.
وهذه السياسة جعلت تركيا اليوم من أكثر الوسطاء نشاطاً وانخراطاً، بعد خبرة طويلة. ولعل دور تركيا وسيطاً في الحرب الروسية-الأوكرانية، وجهودها في مساعي تسوية الحرب الأمريكية-الإيرانية، وانخراطها في مساعي إنهاء الحرب على غزة، كلها أدوار جاءت بعد سنوات طويلة من العمل في هذا المجال، وبناء الثقة والعلاقات مع أكبر عدد ممكن من دول العالم، وعقد اتفاقيات تجارية، وإلغاء التأشيرات مع عدد من الدول، وإنشاء خطوط طيران، وتقديم منح دراسية.
وعلى الرغم من توتر علاقات تركيا مع عدد من الدول في مرحلة الربيع العربي، أظهرت أنقرة قدرة عالية على الاستدارة وإعادة التموضع بما يخدم مصالحها العليا ويجنبها الأخطار. فاستعادت علاقاتها مع دول المنطقة بسرعة، بل إن التطورات الأخيرة التي تُوجت باتفاق مكة، وأفضت إلى تحالف بين تركيا والسعودية وباكستان، تشير إلى تحول استراتيجي في التعامل مع قضايا المنطقة وعلاقاتها، واستعداد لمستقبل تكون فيه الإرادة الإقليمية صاحبة الكلمة.
ولعل قدرة قادة حزب العدالة والتنمية، وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان، على جعل الدولة التركية أكثر تصالحاً مع الإرادة الشعبية في تركيا، تؤدي دوراً مهماً في النجاحات البارزة لمسارات الاستقلال والإرادة الوطنية. ويُعد مسار الصناعات الدفاعية، الذي تطور في تركيا خلال عهد حزب العدالة والتنمية بصورة ملحوظة، مثالاً واضحاً على ذلك؛ إذ ينعكس إيجاباً على تطوير العلاقات الإقليمية وتجنيب منطقة الشرق الأوسط الصراعات البينية.
وينسجم هذا مع تحركات شخصيات وازنة محيطة بالرئيس أردوغان في حزب العدالة والتنمية، مثل هاكان فيدان وإبراهيم قالين. وقد عبّر قالين عن رؤية تركيا التي تجمع بين الواقعية في بناء الردع والاكتفاء الذاتي، والتكامل الإقليمي في معالجة القضايا، ورفض الفتنة الهوياتية في منطقة يمكن أن يتحول فيها التباين الهوياتي والقومي من أداة تفكيك يستغلها الأعداء إلى رافعة قوة وتعاون.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.





















