وقالت بيلاي، في مقابلة حصرية مع قناة TRT عربي داخل مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي، إن العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية تجاوزت القضاة والموظفين لتطال عائلات بعضهم.
وأضافت أن واشنطن تسعى لضمان عدم ملاحقة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية، وكذلك الجنود الأمريكيين المتورطين في جرائم ارتكبت في أفغانستان، مشددة على أنه لا يحق لأي دولة إملاء الجهات التي تحقق معها المحكمة.
وأوضحت أنها زارت مقر المحكمة فور وصولها إلى لاهاي قادمة من مدينة نورمبرغ الألمانية، والتقت قضاتها وموظفيها والمدعي العام، تضامناً معهم عقب إعلان العقوبات الأمريكية بعد ساعات من فوزها بجائزة نوبل.
ووصفت فرض عقوبات على القضاة بسبب إصدار أوامر قضائية قانونية بأنه "غير قانوني تماماً وغير مقبول"، مشيرة إلى أن الإجراءات الأمريكية تؤثر في عمل الموظفين ورواتبهم، وأن "بعض أبناء القضاة مستهدفون أيضاً".
ورداً على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن إصلاح المحكمة، قالت بيلاي إنها سألت قضاة المحكمة عن طبيعة الإصلاحات المطلوبة، مضيفة: "إنها ليست إصلاحات. إنهم يريدون فقط ضماناً بأن المحكمة لن تلاحق إسرائيل، وأنها لن تلاحق الجنود الأمريكيين المتورطين في جرائم ارتكبت في أفغانستان".
ودعت الدول الأوروبية إلى سن تشريعات تحدّ من آثار العقوبات الأمريكية، مشيرة إلى الدعوات لتفعيل قانون الحجب الذي يهدف إلى حماية الأفراد والكيانات الأوروبية من آثار بعض العقوبات الأجنبية. وقالت: "أعتقد أن المخاطر أصبحت كبيرة بما يكفي لتبرير ذلك. هناك محاولة لإضعاف القانون الدولي، وقد تكون هناك تهديدات إضافية".
وتطرقت بيلاي، المفوضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان والرئيسة السابقة للجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى التقارير المتعلقة بعمليات استخباراتية إسرائيلية ضد المحكمة ومسؤوليها.
وأوضحت أنها لا تمتلك معلومات داخلية بشأن نتائج التحقيقات الأمنية للمحكمة، لكنها كشفت أن لجنة التحقيق الأممية التي ترأستها تلقت إحاطات أمنية من الأمم المتحدة أثناء إعداد تقريرها بشأن الإبادة الجماعية في غزة.
وحذرت من أن المراقبة والتجسس يهددان سرية التحقيقات وسلامة الشهود، مستذكرة قضايا سابقة في كينيا فقد خلالها الادعاء شهوده بعد مقتل بعضهم واختفاء آخرين.
وقالت إن الترهيب يعرقل عمل المحكمة الجنائية الدولية بصورة خطيرة، داعية إلى توفير الدعم التقني والمهني لحماية التحقيقات والشهود من المراقبة والتدخلات.
وفي ما يتعلق بتحقيقات اللجنة الأممية بشأن غزة، أكدت بيلاي أن التوصل إلى استنتاج بارتكاب إسرائيل إبادة جماعية استغرق عامين من جمع الأدلة والتحقق منها، رغم منع المحققين من الوصول إلى إسرائيل وعرقلة تعاون منظمات حقوقية معهم.
وقالت: "كنا شديدي الدقة في التحقيقات، وكل معلومة أوردناها في تقاريرنا تحققنا منها بأنفسنا، ولم ندرج أي واقعة دون التحقق منها".
وأضافت أن اللجنة جمعت شهادات ومعلومات من ضحايا وباحثين وخبراء وعسكريين إسرائيليين سابقين، كما فحصت تصريحات مسؤولين إسرائيليين وخطابات تحريض على العنف والإبادة.
وكانت اللجنة قد خلصت، في تقرير أصدرته في سبتمبر/أيلول 2025، إلى مسؤولية السلطات والقوات الإسرائيلية عن ارتكاب 4 من الأفعال الخمسة التي تحددها اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وهي القتل، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بالفلسطينيين، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم كلياً أو جزئياً، واتخاذ تدابير تهدف إلى منع الإنجاب.
وأكدت بيلاي أن اللجنة وجدت أدلة على نية الإبادة في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين ومجمل الوقائع التي حققت فيها، مستندة إلى خبرتها السابقة قاضية في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا.
ورفضت تجاهل نتائج التحقيق بحجة صعوبة إثبات نية الإبادة، مشددة على تمسك اللجنة باستنتاجاتها، مع الإقرار بأنها هيئة تحقيق مستقلة وليست محكمة تصدر أحكاماً قضائية. في المقابل، رفضت إسرائيل نتائج التقرير واتهمت اللجنة بالتحيز، بحسب زعمها.
وعلى صعيد الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة، حذرت بيلاي من استمرار الاستيلاء على الأراضي وهدم المنازل دون محاسبة، قائلة: "أعتقد أن كل ما يحدث مخطط له".
وأشارت إلى تقرير خاص أعدته اللجنة يتضمن خرائط توثق التحولات في ملكية الأراضي، محذرة من أن السياسات والتصريحات الإسرائيلية تعكس توجهاً للاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية.
وأعربت عن قلقها إزاء ما يتعرض له الفلسطينيون من إطلاق نار وقتل خلال قطف الزيتون، إلى جانب الاعتداءات على الأطفال، معتبرة أن الأوضاع في فلسطين أكثر خطورة مما عاشته جنوب إفريقيا خلال الفصل العنصري، وأن الأمر بالنسبة إلى الفلسطينيين "مسألة حياة أو موت".
وقالت: "من المقلق للغاية أن تنتزع الأراضي من الفلسطينيين وأن تهدم منازلهم أمام أعين العالم، من دون أن يتعرض المسؤولون عن ذلك للمحاسبة". وأكدت أن لجنة التحقيق الأممية ستواصل جمع الأدلة الموثوقة بشأن الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية، بما يدعم المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.
وأضافت: "الفلسطينيون عاشوا في هذه الأرض قرونا، ولديهم تاريخ موثق فيها، لكنهم يواجهون اليوم خطر فقدان أراضيهم بطرق غير قانونية".
وفي سياق متصل، أيدت بيلاي الدعوات إلى إصلاح مجلس الأمن الدولي، وأشادت بموقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومقولته "العالم أكبر من خمسة"، ووصفتها بأنها "تصريح مهم للغاية ودقيق".
وأوضحت أن تركيبة المجلس تعكس موازين القوى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولم تعد تتناسب مع التحولات الدولية، مضيفة: "لا ينبغي السماح للقوى الكبرى بحماية نفسها تحت غطاء استخدام حق النقض. هذا أمر غير مقبول".
ودعت الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى التخلي عن استخدام حق النقض، خصوصاً في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان، مؤكدة أن تعويض ضحايا النزاعات حق وليس منّة.
وكانت لجنة نوبل قد أعلنت، في 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، منح بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي. وقالت بيلاي إن خبر فوزها بالجائزة فاجأها خلال مشاركتها في مؤتمر داخل قاعة المحاكمات التاريخية في نورمبرغ، معتبرة أن الجائزة تكرّم ضحايا الجرائم الدولية الذين لم ينالوا العدالة.
وشددت على ضرورة الحفاظ على الأدلة المتعلقة بالانتهاكات في فلسطين لضمان وصول أصوات الضحايا إلى المحاكم، مستحضرة تجربة جنوب إفريقيا في مقاومة الفصل العنصري، ومعتبرة أن التضامن الدولي مع الفلسطينيين يمنحهم دعماً أوسع مما حظي به نضال بلادها ضد نظام الفصل العنصري.
وبيلاي، التي عاشت مرحلة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وأصبحت أول امرأة غير بيضاء تتولى منصب قاضية في المحكمة العليا هناك، أكدت أنها لن تتقاعد ما دام الظلم قائماً، رغم بلوغها 85 عاماً، قائلة إنها ستواصل "النضال من أجل ضحايا الانتهاكات والظلم في العالم".



















