تابع المجتمع الدولي من كثبٍ قمة الناتو التي عُقدت في عاصمة ليتوانيا فيلنيوس، خلال يومي 11 و12 يوليو/تموز الجاري، وزادت القمة من قوة هذا التحالف العسكري الدولي.
وقبل فترة قال الرئيس الفرنسي ماكرون إنّ "الناتو ميّت دماغياً"، كما انتقد الرئيس السابق للولايات المتحدة دونالد ترمب، الحلف وقال إنّ الدول الأعضاء في الناتو يجب أن تزيد من إنفاقها العسكري.
ومنذ بدء الحرب الروسية في أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، كانت نظرة الناتو في السنوات الأخيرة ضعيفة نوعاً ما، ومع ذلك، فإنّ هذا الوضع يتغيّر مع العملية التي تلعب فيها تركيا أيضاً دوراً نشطاً، لذا تعدّ قمة فيلنيوس -التي كان التركيز الرئيسي فيها على تركيا- ذات أهمية حاسمة بالنسبة إلى حلف الناتو.
وبدأت القمة بمناقشة قضايا عدة، مثل كيفية تشكيل السياسة الدولية، وتوجه السياسة الخارجية لتركيا، والحرب في أوكرانيا، ومستقبل حلف الناتو، كما حملت رسائل مهمة من حيث المستوى الذي وصلت إليه إستراتيجية توسيع الناتو.
ملف الإرهاب على جدول أعمال الناتو
وفي السنوات الأخيرة، لا سيّما في المناخ الجيوسياسي الجديد الذي نشأ مع حرب أوكرانيا، تُعدّ تركيا واحدة من أكثر الدول تأثيراً وفاعليةً حول العالم، ومن خلال تحدّي الغرب واتخاذ خطوات دفاعية وطنية، وإثبات قوتها العسكرية، فإنّ تركيا تنفذ سياسة توازن دقيقة.
في قلب هذه السياسة، اتخذ الرئيس أردوغان وحكومته موقفاً حازماً من أجل أمن تركيا، وأرجأ عضوية الناتو في السويد وفنلندا، اللتين ابتعدتا عن السياسات التي أرضت أنقرة في محاربة الإرهاب لفترة. وقد أوفت فنلندا بمطالب تركيا في اتفاقية مدريد وأصبحت عضواً وشاركت في قمة فيلنيوس، التي أعطت فيها تركيا الضوء الأخضر لعضوية السويد في الناتو.
وتعتبر هذه الخطوة، بتشجيع من الولايات المتحدة الأمريكية، هي خطوة إيجابية لأمن السويد وتوسع الناتو، لكنّ العملية لم تنتِه بعد، فإذا أوفت السويد بمطالب تركيا، قد توافق الجمعية الوطنية التركية الكبرى على العضوية، لكنّ القرار النهائي سيظل عند الرئيس أردوغان، والنقطة التي يجب تأكيدها هنا هي نجاح تركيا في إدراج مكافحة الإرهاب في جدول الأعمال الدولي خلال عملية عضوية الناتو في السويد وفنلندا.
تتوقع تركيا دعماً من الدول "الحليفة" لها في حربها التي تخوضها ضدّ الإرهاب منذ سنوات عدّة، وعلى رأس هذه التنظيمات الإرهابية تنظيما "غولن" الإرهابي وPKK الإرهابي وامتداداته في سوريا.
وضعت تركيا قضية الإرهاب على جدول أعمال الناتو وتتوقع من حلفائها التعاون في هذه القضية، لذلك يمكن لتركيا التأكد من أنّ أجندة الأمن العالمي تركّز على التنظيمات الإرهابية، مع إنشاء تنسيق مكافحة الإرهاب ضمن نطاق منظمة حلف شمال الأطلسي، وستتابع تركيا بدورها عملية مكافحة الإرهاب.
وفي واقع الأمر، جرى إنشاء آلية أمنية ثنائية بمشاركة وزراء السويد وتركيا جنباً إلى جنب مع الآلية المشتركة الدائمة بين تركيا والسويد وحلف شمال الأطلسي، وقد يزداد التعاون في مكافحة الإرهاب، إذ ستقدّم السويد خارطة طريق تتضمن خطوات ملموسة في حربها ضدّ التنظيمات الإرهابية، بما في ذلك تنظيم "غولن" الإرهابي وPKK الإرهابي، وستتابعها تركيا.
تركيا وسياسة توسيع الناتو
إنّ تركيا تتمتع بدور مهم في الناتو، إذ تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، بالإضافة إلى أنّها الدولة التي دعمت دائماً سياسة الباب المفتوح للحلف، وحتى الآن، لم ترفض تركيا أي دولة أرادت أن تصبح عضواً في التحالف لأسباب تعسفية.
وأرى أنّ قمة فيلنيوس عزّزت من أهمية تركيا في المظلّة الأمنية الغربية، كما زادت موافقة تركيا على عضوية السويد من مصداقية الناتو، إذ أنقذت التحالف من أزمة العضوية.
وترجع موافقة تركيا على عضوية فنلندا والسويد لأنّها تحترم قوانين ومبادئ التحالف، ومع ذلك، فإنّ طلب تركيا تسريع عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مقابل موافقة السويد على أن تصبح عضواً في الناتو، أعاد إلى الذهن تساؤلات حول تغيير تركيا سياستها الخارجية.
ويمكن القول بسهولة، إنّ التوجه الاستراتيجي لتركيا في السياسة الخارجية لن يتغير جذرياً، إذ يرتبط هذا الوضع بسياسة الحكم الذاتي الاستراتيجي التي تتبناها أنقرة، إذ لا تريد أن تعتمد بشكل كامل على الغرب أو الشرق، لكن يبدو أنّ الدول الغربية غير مرتاحة لهذه السياسة التركية.
سياسة أنقرة تجاه الاتحاد الأوروبي
رغم أن عديداً من أعضاء الاتحاد الأوروبي هم أعضاء في الناتو، وأنّ كثيراً من الوعود يجري تقديمها، فإن الدول الغربية لا تحبّذ عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.
وقد صرّحت السويد بأنّها ستدعم عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، إلا أنّ دولاً أوروبية عدّة قدمت وعوداً مماثلة من قبل، لكن توجد أسباب كثيرة لإعلان هذه المواقف دون اتخاذ خطوات جادّة.
السبب الأول، هو نظرة الدول الأوروبية إلى الهيكل الديني والثقافي لتركيا على أنّه "تهديد" لها، بينما تنظر إلى عضوية تركيا القوية عسكرياً في الاتحاد الأوروبي على أنّها تطوّر من شأنه تغيير التوازنات في أوروبا.
أمّا السبب الثاني هو القوة العسكرية، إذ تخشى العواصم الغربية قوة تركيا العسكرية، التي تعمل على "إقامة النظام" أو تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط. ورغم أنّ مشاركة تركيا في مشروع بيسكو -الخاص بالتنقل العسكري- تأتي على جدول الأعمال من وقت لآخر، فإن الّلوبي المناهض لتركيا ينشط داخل الاتحاد الأوروبي -لا سيّما الجهات التي تعادي تركيا في أوروبا، مثل جنوب قبرص واليونان- والتي تعيق هذه العمليات.
والسبب الثالث، هو القوة السياسية التي ستكسبها تركيا في حال انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، إذا أصبحت تركيا عضواً في الاتحاد فستحصل على مقاعد في البرلمان الأوروبي أكثر من ألمانيا، إذ يجري تشكيل عدد النواب في البرلمان وفقاً لعدد سكان البلدان، كما يمكن أن تؤثر تركيا، التي ستنشط في الاتحاد الأوروبي من خلال البرلمان، على الأمن والسياسة الأوروبيَّين.
أمّا السبب الرابع، وهو يتعلق بملف الهجرة، ومن مصلحة أوروبا أن تستضيف تركيا عدداً كبيراً من اللاجئين، لكن إذا أصبحت تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي، فيمكن للاجئين بتركيا دخول أوروبا، وهذا ما يقلق الاتحاد الأوروبي.
التوجه الاستراتيجي لتركيا
من المحتمل جداً أن تواصل تركيا سياسة التوازن بين الغرب وروسيا، ورغم زيارة زيلينسكي الأخيرة وإطلاق سراح الجنود الأوكرانيين من كتيبة آزوف، فإنّ تصريحات الرئيس أردوغان بأنّ أوكرانيا تستحق عضوية الناتو، أزعجت روسيا، إلا أنّ التآزر في خط أنقرة وموسكو مستمر.
إنّ تأكيد اتفاقية مضيق مونترو في النص المنشور بعد قمة فيلنيوس يمنع روسيا من قطع العلاقات مع تركيا، وبالمثل، فإنّ آلية الحوار التي تحتفظ بها تركيا مع الجانبَين في حرب أوكرانيا تجعل أنقرة أيضاً ذات قيمة بالنسبة إلى موسكو، لكن يمكن لروسيا اتخاذ خطوات لتقليل أجواء التعاون مع تركيا في سوريا، إذ يمكنها منع إرسال المساعدات الإنسانية إلى شمال سوريا عبر الأمم المتحدة.
وقد تتسبّب قوات حفظ السلام الروسية في ناغورنو كاراباخ بإشعال الأجواء، ويرتفع سعر الغاز الطبيعي الروسي. وبانتهاء اتفاقية ممر الحبوب -في 17 يوليو/تموز- ربّما يواجه الروس في هذه المرحلة صعوبات من الاتفاق الذي عزّزت تركيا صورتها من خلاله.
وأعتقد أنّ السبب الرئيس لعدم ربط الدول الأوروبية بين عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي وعضوية السويد في الناتو أنّ تركيا لديها نهج فريد، إذ تمتلك أنقرة بقيادة الرئيس أردوغان رؤية مستقلة لا تتناسب مع قالب أو صيغة معينة. ولا تريد الدول الأوروبية أن تجعل عضوية السويد في الناتو مشروطةً بعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي؛ لأنّ تركيا تعمل في الوقت ذاته على مواصلة تعاونها مع جهات فاعلة، مثل روسيا والصين ودول الخليج والولايات المتحدة.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.






















