كان لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أسباب وجيه دفعته للتوقف عن الرد على أسئلة الصحافيين الإسرائيليين بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن وقف النار المؤقت مع إيران واكتفائه بتوجيه كلمة مسجلة للجمهور الإسرائيلي، أسهب فيها بالحديث عن "إنجازات" جيشه.
فنتنياهو وترمب يعيان أنهما فشلا في تحويل الإنجازات العسكرية التكتيكية، المتمثلة في تصفية قيادات الحكم الإيراني والإضرار بالمقدرات العسكرية والبنى التحتية المدنية ومرافق الطاقة الإيرانية، إلى مكاسب استراتيجية تقرب تل أبيب وواشنطن من تحقيق أهدافهما المعلنة من الحرب.
فقد مثلت الحرب، لإسرائيل، الانتقال من استراتيجية "الكبح العنيف" التي شرعت في تطبيقها ضد إيران منذ عقد ونصف العقد، إلى إحداث تغيير واسع في إيران بوصفه مقدمة لتأسيس نظام إقليمي جديد ينسجم مع المصالح الإسرائيلية. وقد عبر نتنياهو عن ذلك عندما تباهى بخفة في نهاية اليوم الأول للحرب بأنه تمكن من "تغيير وجه الشرق الأوسط".
لكن ما تحقق في الواقع كان عكس ذلك تماماً؛ إذ إن نظام الحكم في إيران لم يصمد فقط، بل أصبح أكثر تماسكاً وتصميماً وتحدياً، وتعززت شرعيته الداخلية والدولية، وتعاظمت ثقته بذاته لدرجة أن يطالب وفده في مفاوضات "إسلام آباد" الولايات المتحدة بالإفراج عن أصول إيرانية شرطاً لإجراء المفاوضات، وليس نتيجة لها.
وإن كانت فرصة لولادة نظام إقليمي جديد بعد الحرب متاحة، فلن تخدم توجهات هذا النظام المصالح الإسرائيلية. فعجز الولايات المتحدة عن حماية دول الخليج من الهجمات الإيرانية، يمكن أن يدفع معظم هذه الدول إلى البحث عن شراكات استراتيجية مع قوى أخرى مثل تركيا وباكستان، تخفض من مستوى اعتمادها على مظلة الحماية الأمريكية.
ومن الواضح أن هذا الواقع سيقلص من فرص توسيع اتفاقات التطبيع، إذ إن معظم الدول العربية والإسلامية التي توصلت إلى اتفاقات، إنما أقدمت على هذه الخطوة طمعاً في تحسين علاقاتها وتجذير شراكاتها مع الولايات المتحدة، انطلاقاً من الشعار القائل "الطريق إلى واشنطن يمر في تل أبيب".
لكن أكبر مظاهر فشل تل أبيب وواشنطن في الحرب تمثل فيها أنها عززت بشكل غير مسبوق من مكانة إيران الإقليمية والدولية بعد إغلاقها مضيق "هرمز"، ما مكنها من التحكم بعصب الاقتصاد العالمي، بشكل أفضى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتحديداً في الولايات المتحدة، وأجّج الانتقادات لقرار شن الحرب في الساحة الأمريكية.
فضلاً عن ذلك، فقد مكن التحكم بمضيق "هرمز" من جني إيران عوائد مالية كبيرة عبر فرض رسوم على السفن التي تمر عبره. وهناك في إسرائيل، على الأقل، من يرى أن أهمية مضيق "هرمز" بالنسبة إلى إيران باتت لا تقل عن أهمية مشروعها النووي.
كما أخفقت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق هدفين رئيسيين من أهداف الحرب، وهما القضاء على المشروع النووي والترسانة الصاروخية الإيرانية. فما زالت إيران تحوز 400 كلغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وهو ما يكفي، نظرياً، لإنتاج 8 قنابل نووية؛ في حين أن أحدث التقديرات الأمريكية تشير إلى أن الهجمات الإسرائيلية والأمريكية المكثفة نجحت فقط في تدمير أقل من 50% من الترسانة الصاروخية الإيرانية. وعشية بدء مفاوضات "إسلام آباد" يوضح الإيرانيون بشكل مثابر أن ترسانتهم الصاروخية وحقهم في تخصيب اليورانيوم غير خاضعين للمساومة.
ويُرجح أن تبحث هذه المفاوضات مصير اليورانيوم المخصب ونسبة التخصيب التي ستعتمدها إيران مستقبلاً في منشآتها النووية، من دون الانتقاص من حقها في التخصيب. مع العلم أن نتنياهو كان يطالب بحرمان إيران ليس فقط من تخصيب اليورانيوم؛ بل أصر أيضاً على وجوب تفكيك منشآتها النووية. ويؤكد كثير من التقديرات في إسرائيل أن ما يعزز من قدرة طهران على المساومة في مفاوضات "إسلام آباد" حقيقة أن مستوى الانتقادات الأمريكية الداخلية لمسار الحرب ونتائجها سيجعل ترمب لا يفكر في استئنافها بغض النظر عن توجهات طهران رغم مواصلته إطلاق التهديدات.
إلى جانب ذلك، فقد طفا على السطح تباين واضح بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن فصل ساحات المواجهة. فقد ذكرت قناة "13" الإسرائيلية أن ترمب هدّد نتنياهو بأنه سيبادر بالإعلان عن وقف إطلاق النار مع حزب الله، بهدف ضمان مواصلة إيران احترام الاتفاق من دون التنسيق مع إسرائيل. وقد يكون الإعلان عن بدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل مقدمة لوقف الحرب ضد حزب الله. وفي حال تحقق ذلك، فإنه سيعد إنجازاً لإيران وإخفاقاً استراتيجياً لنتنياهو، الذي ظل يدعي أنه يرفض ربط المواجهة مع إيران بالحرب ضد حزب الله.
ويرجح أن تلحق الحرب على المدى المتوسط والبعيد ضرراً استراتيجياً غير مسبوق بعلاقة الولايات المتحدة بإسرائيل. فقد تواترت التقارير، وضمنها التحقيق الذي نشرته مؤخراً صحيفة "نيويورك تايمز"، التي تؤكد أن ترمب قرر شن الحرب بعكس توصية كبار مساعديه، بناء على معلومات مضللة ومغلوطة قدمها له نتنياهو. فحسب هذه التقارير أقنع نتنياهو ترمب بأن تصفية القيادات الإيرانية وضمنها المرشد علي خامنئي ستقود إلى تفكك البلاد بسرعة وستعزز من دافعية الجمهور الإيراني للخروج ضده، فضلاً عن زعمه بإنه ليس بوسع إيران إغلاق مضيق "هرمز". في حين أن ما حدث كان خلاف ذلك تماماً.
وهذا ما أفضى إلى موجة انتقادات حادة للسوك الإسرائيلي في أوساط النخب الأمريكية، سواء التي تنتمي إلى الحزب الديمقراطي وتلك التي تنتمي إلى قاعدة مؤيدي ترمب، التي يطلق عليها "ماجا"؛ إذ يجري تحميل نتنياهو المسؤولية عن الإضرار بالمصالح الأمريكية. وقد انعكس تأثير تلك الانتقادات على المزاج الشعبي الأمريكي تجاه إسرائيل.
فحسب استطلاع للرأي العام أجري في الولايات المتحدة بعيد الإعلان عن وقف إطلاق النار فإن 70% من الأمريكيين دون سن الخمسين عاماً يتبنون تصوراً سلبياً تجاه إسرائيل؛ ضمنهم 57% من مؤيدي الحزب الجمهوري و84% من مؤيدي الحزب الديمقراطي. ويمكن أن ينطوي هذا الواقع على مخاطر كبيرة لإسرائيل؛ إذ يمكن أن يسهم المزاج الشعبي السلبي تجاه إسرائيل بالتأثير في نتائج انتخابات التجديد النصفي الحاسمة للكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني القادم؛ فقد تسفر عن فوز مرشحين يتبنون مواقف رافضة لمواصلة تقديم الدعم العسكري لإسرائيل.
وقد انعكست نتائج الحرب سلباً على صورة نتنياهو ومكانته الداخلية. فقد تردد صدى تساؤل استهجاني في استديوهات التلفزة والمنصات العبرية يقول: هل أمضى الإسرائيليون 40 يوماً في الملاجئ فقط من أجل أن يُعاد فتح مضيق "هرمز"، الذي كان مفتوحاً قبل الحرب. وقد أسفرت الحرب عن تآكل كبير في مصداقية نتنياهو على الصعيد الداخلي؛ إذ ذكَّره الكثير من المعلقين بتباهيه في نهاية الحرب التي شنها في يونيو/حزيران 2025 بأنه تمكن من القضاء على المشروع النووي الإيراني وها هو يعود لشن حرب غير حاسمة أخرى أسهمت في تعاظم المخاطر على إسرائيل.
وقد انعكست نتائج الحرب على شعبية حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو؛ إذ دلت الاستطلاعات التي أجريت بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار عن تراجع تمثيل الحزب.
على الرغم مما تقدم، فإن مستقبل وقف إطلاق النار يتوقف على التصميم الذي سيبديه ترمب على لجم إسرائيل؛ إذ سيحاول نتنياهو استغلال كل فرصة لاستئناف الحرب، سواء ضد إيران أم حزب الله أو كليهما؛ ولا سيما قبل موعد الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي من المتوقع أن تجرى في أكتوبر/تشرين الأول القادم. فنتنياهو لا يقاتل فقط من أجل إرثه التاريخي، بل أيضاً من أجل مستقبله الشخصي، فخسارته الانتخابات ستوفر الظروف أمام استكمال محاكمته في قضايا الفساد الخطيرة، التي يمكن أن تقوده إلى السجن.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.


















