أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن بلاده تعتزم بدء الملء الثاني في الصيف القادم (رويترز) (Reuters)
تابعنا

انسداد مزمن تعانيه المفاوضات المتعلقة بسد النهضة، في ظل فشل الأطراف في التوصل إلى حلول مرضية تعالج الهموم التنموية لإثيوبا والمخاوف المائية لكل من مصر والسودان.

وساطة إماراتية وصمت في القاهرة

وفي ظل هذا الواقع مثل إعلان مجلس الوزراء السوداني 23 مارس/ آذار الجاري ترحيبه "المبدئي" بالوساطة التي تقدمت بها الإمارات تطوراً لافتاً شهده هذا الملف.

ووفقاً ما نشرته وكالة الأنباء السودانية (سونا) ناقش المجلس تقريراً من لجنة فنية "تشكلت من الوزارات ذات الصلة للتعاطي مع مبادرة دولة الامارات العربية المتحدة للوساطة بين السودان وإثيوبيا في قضية الحدود، وبين السودان ومصر وإثيوبيا حول قضية سد النهضة"، مضيفاً أنه أمَّن "على ما ورد في تقرير اللجنة الفنية من مقترحات ورحب بالمبادرة من حيث المبدأ، في إطار الحفاظ على المصالح الوطنية العليا للبلاد".

ولم يصدر بعد رد فعل عن القاهرة على هذه الخطوة، لكن يذهب مراقبون إلى أن هذه الوساطة التي لم تُعلن بنودها بعد قد تؤثر سلباً على قوة الموقف التفاوضي المصري حول سد النهضة، الذي يعد مسألة وجودية بالنسبة إلى القاهرة.

فقد كان للتصعيد الأخير على الحدود السودانية الإثيوبية انعكاساته المباشرة على ملف سد النهضة، حيث برز تقارب ملحوظ بين الخرطوم والقاهرة في الموقف من آلية إدارة المفاوضات، تزامن ذلك مع تباعد عن أديس أبابا التي لطالما كانت الأقرب إلى السودان.

لم يقتصر التقارب المصري السوداني على ملف السد بل كان له جانب عسكري حيث شارك الجيش السوداني للمرة الأولى في مناورات سيف العرب ونسور النيل في مصر، كما وقع الطرفان اتفاقية عسكرية تغطي مجالات متنوعة منها "تأمين الحدود".

وأتاح التوتر الإثيوبي السوداني فرصة للقاهرة لممارسة ضغوط على أديس أبابا، من خلال دعم الخرطوم في حال تورطها في حرب مع إثيوبيا حول أراض حدودية.

كما أن التوافق مع الخرطوم قد يفتح المجال أمام القاهرة لإرسال مساعدات من خلال الحدود السودانية الإثيوبية لدعم حركات مسلحة داخل إثيوبيا في حرب بالوكالة، في لحظة تعاني فيها أديس من تبعات الحرب في تيغراي واضطرابات عرقية.

ولذلك فالعديد من علامات الاستفهام تحيط بالوساطة الإماراتية، ومدى توافقها مع المصالح الاستراتيجية المصرية، وخصوصاً أن ورقة الخلاف الإثيوبي السوداني تعد أقوى أدوات الضغط المصرية.

هذه التساؤلات حول الوساطة الإماراتية ترتبط بأن أبو ظبي التي تتمتع بعلاقات وطيدة مع أديس أبابا لم تمارس ضغوطاً على الأخيرة لتليين موقفها في المفاوضات، كما أن العديد من التقارير تؤكد أن لأبو ظبي استثمارات كبيرة في المجال الغذائي ترتبط باستكمال السد، بما يؤثر في النهاية على موقفها منه.

المخاوف المصرية من تفكيك المسارات يعززها وصف رئيس الوزراء الإثيوبي في برلمان بلاده 23 مارس/آذار السودان بالبلد "الشقيق"، مستبعداً احتمالية الحرب بين البلدين، وأنه "لا يمكن لإثيوبيا أن تكون عدواً للسودان، ولا يمكن للسودان أن يكون عدواً لإثيوبيا، ولا يمكن فصل إثيوبيا عن السودان".

وشهد يناير/كانون الثاني الماضي تداولاً لرغبة أبو ظبي في قيام بوساطة بين البلدان الثلاثة، إذ أعلنت وكالة الأنباء السودانية (سونا) زيارة وفد رفيع المستوى من الخارجية الإماراتية إلى الخرطوم حيث استمع لشرح مفصل من مسؤولين في وزارتي الري والخارجية السودانيتين.

إثيوبيا حديث القوةأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أمام نواب البرلمان الإثيوبي في نفس الجلسة أن أديس أبابا ستقوم بالملء الثاني لسد النهضة في يوليو/تموز المقبل.

ومع دعوته الشعبين المصري والسوداني إلى تفهم أن بلاده ليس لديها النية للإضرار بهما، فقد أكد أنه لا يمكن ربط التعبئة بتوقيع اتفاق، وأن تأجيلها سيكلف إثيوبيا "مليار دولار".

ترافق هذا الإعلان مع وصف دينا مفتي المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية مقترح الوساطة الرباعية بغير المجدي. وجدد التزام أديس أبابا بالمحادثات التي يرعاها الاتحاد الإفريقي، مضيفاً أنه من غير الملائم الدعوة إلى مقترح الرباعية قبل معرفة النتائج النهائية للمفاوضات التي يقودها الاتحاد المذكور.

جاء إعلان مفتي رداً على الدعوة السودانية المصرية إلى تدويل قضية سد النهضة، والخروج من حصرية الرعاية الإفريقية للمفاوضات من خلال إضافة رعاة آخرين: الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار يرى مراقبون أن قوة الموقف الإثيوبي تنبع من استمراره في فرض حقائق صلبة على الأرض من خلال تواصل العمل على إكمال إنشاءات السد، والقيام بالتعبئة الثانية معتمداً على بطء المفاوضات في الوصول إلى نتائج نهائية، وهو ما وصفه وزير الري المصري محمد عبد العاطي بالمماطلة وإهدار الوقت في المفاوضات.

وتحاجج كل من القاهرة والخرطوم أن فشل المفاوضات التي رعاها الاتحاد الإفريقي طوال الفترة الماضية في الوصول إلى حلول مرضية لأطراف الأزمة يدفع إلى تدويل الملف، في حين يبدو أن المسكوت عنه هو أن نفوذ إثيوبيا في المؤسسة الإفريقية يعرقل التوصل إلى نتائج نهائية.

إدراك أديس أبابا أن دخول وسطاء جدد سيعني المطالبة بتجميد الوضع على حاله يدفعها إلى رفضه، مستندة على اتفاقية المبادئ الموقعة بين مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015.

ونصت اتفاقية المبادئ في مادتها العاشرة على أنه "إذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، أو الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول/رئيس الحكومة"، وبالتالي فدون إجماع الأطراف الثلاثة لا يمكن إطلاق أي وساطة جديدة.

ولم يكن إعلان إثيوبيا اعتزامها بدء الملء الثاني في الصيف الأول من نوعه، إذ سبقه تصريح بنفس المضمون رد عليه وزير الخارجية المصري سامح شكري والسودانية مريم الصادق المهدي ببيان مشترك في 2 مارس/آذار الجاري.

وأكد الوزيران أن تنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة بشكل أحادي سيشكل تهديداً مباشراً للأمن المائي لمصر والسودان، وخاصة فيما يتصل بتشغيل السدود السودانية، وأنه يهدد حياة 20 مليون مواطن سوداني، كما أكدا أن هذا الإجراء سيعد خرقاً مادياً لاتفاق إعلان المبادئ المبرم بين الدول الثلاث في الخرطوم بتاريخ 23 مارس/آذار 2015.

مصر والسودان وضيق الخيارات أمام هذا الواقع تجد القاهرة والخرطوم نفسيهما في موضع لا تُحسدان عليه، في حين تضيق الخيارات أمامهما بشكل مستمر.

حيث لم تسفر وساطة الولايات المتحدة والبنك الدولي فبراير/شباط 2020 عن تحول في مسار المفاوضات كما كانت تأمل القاهرة، نتيجة انسحاب أديس أبابا من التوقيع على مسودة اتفاق على آليات تشغيل السد عرضتها واشنطن.

وهو ما اضطر مصر إلى اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، في يونيو/حزيران من نفس السنة، سعياً للضغط على أديس أبابا، ولكن النتيجة لم تكن مرضية للقاهرة حيث أحال مجلس الأمن الملف إلى الاتحاد الإفريقي، ما أعاد الكرة إلى المربع الأول.

ويرى مراقبون أن مصر والسودان قد تلجآن إلى مخاطبة الدول والمؤسسات الدولية المساهمة في تمويل السد للضغط على إثيوبيا، انطلاقاً من أن السدود التي عليها خلافات لا يجوز تمويلها دولياً.

ويبرز بين الحين والآخر أصوات تدعو إلى اللجوء إلى الحل العسكري باعتباره الخطوة الأخيرة للتخلص من شبح السد الذي ترى فيه مصر تهديداً وجودياً لأمنها المائي.

غير أن السلطات المصرية أو السودانية لم تعلن تبنيها لهذا النوع من الإجراءات، وهو ما يُعزى إلى التداعيات الخطيرة لهذه، كما أن الاحتمالات المرتفعة لأن تزيد هذه الخطوة من توريط الإقليم الذي يعاني أصلاً من هشاشة أمنية عالية تدفع القوى الدولية إلى كبح جماح تلك الدعوات.

TRT عربي
الأكثر تداولاً