شهد العام المنقضي تضخماً ملحوظاً في أسعار الغذاء العالمية التي تُعَدّ من أكثر الأسواق استقراراً، وكانت الدول النامية الأكثر تأثراً بهذا التضخم الذي سبّب نقص الإمدادات.
فماذا حدث العام الماضي وسبّب هذه الطفرة في الأسعار؟ وهل يحمل العام الجديد أملاً في تراجع الأسعار وعودة التوازن إلى تجارة الحبوب والمحاصيل؟
بدءاً بكورونا وانتهاءً بهجمات البحر الأحمر
ظهر عدد من الأزمات المختلفة التي تسببت في زيادة أسعار الغذاء العام الماضي، على رأسها ظاهرة النينو المناخية المؤدية إلى الجفاف الذي أثّر في مساحات الأرز في قارة آسيا، وكذلك أدت حرب أوكرانيا إلى ارتفاع أسعار القمح والبترول.
ويرى أحمد سعيد، أستاذ القانون التجاري الدولي، أن أزمة الغذاء هذه بدأت بالفعل قبل ما يقرب من 4 سنوات، مشيراً إلى الركود الذي حدث في فبراير/شباط 2020 عند تجار المحاصيل؛ بسبب الحجر الصحي إثر انتشار كورونا.
ويضيف سعيد لـTRT عربي، أن المزارعين قلّلوا المساحات التي كانوا يزرعونها إلى 50% للموسم الزراعي التالي حتى لا يحدث هدر للمخزون مثل العام الأول، وحين أعادت أوروبا فتح الحركة الدولية في يناير/كانون الثاني 2022 كان المعروض أقل مما أُنتج.
ويستثني سعيد روسيا والصين "اللتين استغلّتا هذه الأزمة، فشنت روسيا حربها على أوكرانيا وهي متأكدة من عدم تطبيق العقوبات التجارية عليها لاحتياج أوروبا إلى البترول والقمح الذي تُصدره إليها روسيا، أما الصين فأعلنت أنها لن تُعيد فتح الحركة إلا بعد أن تصل إلى (زيرو كوفيد)".
ويلفت إلى أن الصين "كانت حجتها الخوف على صحة مواطنيها ولكن الحقيقة أنها حرصت على تقليل الاستهلاك من البترول والغذاء، وبالتالي لم يُصبها التضخم الذي وصل في أوروبا إلى 9% وفي أمريكا 12%، أما الصين حتى هذه اللحظة لم يتجاوز معدل تضخمها 2%".
ويشير أستاذ القانون التجاري الدولي إلى أن أحد أسباب التضخم كان إفراط أمريكا في طباعة عُملتها التي تقوم عليها تجارة عالمية وعدم التزامها بربط الطباعة باحتياطي الذهب لديها، ورفع سعر الفائدة عليه إلى 5.5%.
من ناحية أخرى ومع نهاية العام، ظهرت مشكلة جديدة هددت بارتفاع أسعار الغذاء والبترول مرة أخرى؛ فهجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر عطّلت رحلات الشحن، وأعلن كثير من الشركات الكبرى تجنب عبور قناة السويس التي يمر بها 15% من إجمالي التجارة العالمية و30% من تجارة الحاويات.
وغيَّرت هذه الشركات طريقها إلى رأس الرجاء الصالح، ما زاد وقت وتكلفة الشحن بإضافة 10 أيام إلى الرحلة من آسيا إلى أوروبا، وكذلك زيادة استهلاك الوقود.
وعلى الجانب الآخر من العالم، تعاني قناة بنما الجفاف، ما أجبر المسؤولين على خفض عدد السفن المارة بها، من 31 إلى 25 سفينة يومياً، كما أعلنوا أنها ستخفض تدريجياً حتى 18 سفينة بدءاً من فبراير/شباط القادم.
وفي هذا الصدد، يوضح د.إيهاب الدسوقي، رئيس قسم الاقتصاد في جامعة السادات، لـTRT عربي، أن "زيادة العبء على خطوط التجارة حول العالم، ورفع قيمة التأمينات على السفن المارة، وتباطؤ حركتها، وطول المسافة، كل ذلك يعني زيادة جديدة في أسعار الغذاء".
الأرز والقمح من المحاصيل الأكثر تأثراً
يعتمد أكثر من 3.5 مليار شخص على الأرز غذاءً رئيسياً، وتنتج دول آسيا ما يقرب من 90% من الأرز الذي يحتاج إلى مياه غزيرة في زراعته، ومع ظاهرة النينو سينخفض معدل الأمطار ويزيد الجفاف.
وبالفعل انخفض الإنتاج في عام 2023، ما جعل الهند تضع قيوداً على تصدير الأرز، وقفز السعر بنسبة 9.8% بعد استقراره لخمس سنوات، وأيضاً ارتفع في تايلاند وفيتنام.
مكتب الإحصاء التابع للحكومة الهندية ذكر الدول العربية التي تضررت من تقييد التصدير وارتفاع الأسعار، وهي بالترتيب: الإمارات والسعودية ومصر والجزائر وسلطنة عُمان وقطر والسودان واليمن، وهي ضمن أكبر 20 دولة تستورد الأرز الأبيض غير البسمتي من الهند.
أما عن القمح الذي يشكّل المحصول الرئيسي للحبوب عالمياً بنسبة 20% من البروتين والسعرات الحرارية لـ3.5 مليار شخص في 94 دولة، حسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن إنتاجه تأثر مع نقص الرطوبة، ما جعل دولة كالهند تُضطرّ إلى الاستيراد لأول مرة منذ 6 سنوات.
كما بلغ متوسط مؤشر منظمة الأغذية والزراعة (فاو) لأسعار الأغذية 120.4 نقطة في نوفمبر/تشرين الثاني، إذ عوّضت زيادة مؤشرات أسعار الزيوت ومنتجات الألبان والسكر الانخفاض في مؤشرات أسعار الحبوب واللحوم، وبلغ هذا المؤشر 14.4 نقطة (10.7%) أقلّ من مستواه قبل عام.
من ناحية أخرى، سيضطر المزارعون في أستراليا وهي ثاني أكبر مُصدّر للقمح عالمياً، إلى زراعة محاصيلهم في تربة جافة في أبريل/نيسان القادم، كما أن تقلص محصول 2023 بسبب الحرارة الشديدة، قد يدفع الصين وإندونيسيا إلى البحث عن موردين في أمريكا الشمالية وأوروبا ومنطقة البحر الأسود.
عام جديد.. أمل جديد؟
رغم التقلبات المناخية التي تؤثر في زراعة الذرة وفول الصويا والقمح في أمريكا الجنوبية، فإنه من المتوقع أن يتحسن إنتاجها بسبب الأمطار الغزيرة التي سقطت على الأرجنتين، وهي واحدة من كبرى الدول المصدِّرة للحبوب، مما سيعزز من إنتاجها لهذه الحبوب.
أما عن أثر مجموعة "بريكس" التي انضمت إليها مصر والسعودية والإمارات منذ ثلاثة أشهر، وستفعَّل عضوياتها في يناير/كانون الثاني الجاري، في خفض أسعار السلع المستوردة من الصين وروسيا والهند، يقول د.إيهاب الدسوقي: "لا أظن أن التعامل التجاري سيجري على أرض الواقع بعملة أخرى غير الدولار، وليس كما جرى الاتفاق عليه بالتبادل باليوان الصيني، ما يعني أن أسعار الغذاء لن تُخفض مع العام الجديد".
ويتفق معه د.رشاد عبده، أستاذ الاقتصاد والتمويل الدولي، ويقول إنه "في مصر على سبيل المثال وبعد الانضمام إلى بريكس منذ 3 أشهر لم تتخذ الحكومة المصرية أي ترتيبات للإعداد للتجارة من خلال بريكس".
ويوضح عبده في حديثه مع TRT عربي، أنه "لم تتشكل لجان لدراسة (ماذا بعد بريكس؟) مثلاً، وليست لدينا مجموعة اقتصادية قوية أعدَّت لهذا الانضمام ودرست السوق، أيضاً لو اشتريت باليوان من الصين بما يعادل 14 مليار دولار، وهو حجم الاستيراد من الصين، فماذا سأصدّر لهم بنفس القيمة في المقابل؟ لهذا، لا أعتقد أن الأسعار ستنخفض".
على خلافهما يتفاءل د.أحمد سعيد، ويقول إن "الأسبوع القادم سيجري توفير اليوان الصيني في البنوك، وبالتالي يستطيع التاجر المصري أو السعودي أن يستورد بهذه العملة، ما يعني ضربة قوية لسوق الدولار السوداء، وانخفاض سعر الدولار".
ويضيف أنه "في الشهر الماضي كان البنك المركزي الصيني في مصر لعمل نظام ربط وتحويل بنكي بين العملات المصرية والصينية والهندية، وهذا سيؤثر في الدول النامية أيضاً، فحين تنجح مصر والإمارات والسعودية في هذه التجربة وتحلّ مصر أزمتها الاقتصادية، ستتبعها بقية الدول في العالم النامي".
ويؤكّد سعيد أن "هذا سيعني وجود توازن بين قوتين تجاريتين تتنافسان، فهيمنة أمريكا على سوق التجارة العالمية بعملتها يجب أن تتوقف، وأن توجد قوى أخرى بديلة عن التعامل بالدولار".