دور الشيخ أحمد ياسين في المشهد الفلسطيني والعربي لا يُقدَّر بمجرد الزمان والمكان، إنه دور يتعدى الحدود الزمانية والمكانية حيث يمتد تأثيره إلى الأبعاد الأعمق والأوسع فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، إذ يَعدّ الشيخ أحمد ياسين رمزاً للصمود والمقاومة، وهو زعيم حركة حماس الإسلامية، التي تركت بصمة عميقة في المشهد السياسي الفلسطيني وتأثيراً ملحوظاً على الوضع في المنطقة بأسرها.
في هذا المقال، سنستكشف حياة ومسيرة الشيخ أحمد ياسين ودوره البارز في النضال الفلسطيني، وكيف أثّرت أفعاله وفكره على تطور الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
سنسلط الضوء على أحداث مهمة في حياته، بما في ذلك اعتقاله وتحريره من السجون الإسرائيلية وتأثيره الكبير في توجيه الحركة الفلسطينية نحو الأهداف السياسية والمقاومة المسلحة، سنتناول أيضاً اللحظة الحاسمة في حياته؛ اغتياله عام 2004 على يد القوات الإسرائيلية.
مَن الشيخ أحمد ياسين؟
الشيخ أحمد إسماعيل ياسين، وُلد في 28 يونيو 1936 واستُشهد في 22 مارس 2004، كان داعياً إسلامياً ومجاهداً بارزاً في فلسطين، وهو أحد أعلام الدعوة الإسلامية في هذه المنطقة، وأسّس وترأس أكبر جامعة إسلامية في غزة، وهو المجمع الإسلامي. أيضاً كان مؤسساً وزعيماً لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وقادها حتى استشهاده.
نشأة وحياة الشيخ أحمد ياسين:
وُلد أحمد إسماعيل ياسين في قرية تاريخية تُدعى جورة عسقلان عام 1936. هذا العام شهد أيضاً اندلاع أول ثورة مسلحة ضد الزحف الصهيوني المتنامي داخل الأراضي الفلسطينية.
وقد فقد أحمد ياسين والده عندما كان عمره لا يتجاوز 5 سنوات.
انضم أحمد ياسين إلى مدرسة الجورة الابتدائية وأكمل تعليمه حتى الصف الخامس فيها، وفي عام 1948 شهد أحمد ياسين الهزيمة العربية الكبرى المعروفة بـ"النكبة"، وقتها كان يبلغ من العمر 12 عاماً فقط وهذه الفترة تركت أثراً عميقاً في حياته الفكرية والسياسية لاحقاً، تعلم منذ هذه الفترة أن الاعتماد على قوى الفلسطينيين أنفسهم وتسليح الشعب هو الأمر الأجدى بدلاً من الاعتماد على الدول العربية المجاورة أو المجتمع الدولي.
الشيخ أحمد ياسين عبّر عن هذا الفكر بقوله: "أزالت القوات العربية السلاح من أيدينا باعتبار أن القوات المسلحة هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن الدفاع، وهذا أثّر بشكل كبير على مصيرنا. عندما هُزمنا، استغلت القوى الصهيونية هذا الوضع لارتكاب المجازر والمذابح لترويع الناس، لو كانت أسلحتنا بأيدينا، لتغيَّرت مسارات الأحداث".
لم يسلم هذا الطفل الصغير من النكبة، حيث اضطر هو وعائلته للهجرة إلى قطاع غزة، مرَّت الأسرة بفترة صعبة تميزت بالفقر والجوع والحرمان، مثل معظم اللاجئين في تلك الحقبة الزمنية.
كان الشاب يذهب إلى معسكرات الجيش المصري بصحبة بعض أصدقائه ليجلب ما يمكن أن يحتاج إليه الجنود ليقدموه لعائلاتهم وأحبائهم وذويهم. قرر أيضاً ترك الدراسة لفترة قصيرة في عام 1949-1950 ليساعد أسرته المؤلفة من سبعة أفراد من خلال العمل في أحد مطاعم تقديم الفول في غزة، ثم عاد مرة أخرى لمواصلة تعليمه.
أكمل أحمد ياسين دراسته الثانوية خلال العام الدراسي 1957-1958، ورغم اعتراض البعض في البداية عليه بسبب حالته الصحية فإنه نجح في الحصول على فرصة عمل. كان معظم دخله يأتي من مهنة التدريس، إذ كان يعمل مدرساً، وكان ما يأتي من عمله يذهب لمساعدة أسرته المحتاجة.
ما سبب شلل الشيخ أحمد ياسين؟
في عام 1952، عندما كان في سن السادسة عشرة، تعرض أحمد ياسين لحادثة خطيرة أثُرت على حياته بشكل دائم، أُصيب بكسر في فقرات العنق خلال لعبه مع بعض أصدقائه، بعد 45 يوماً من وضع رقبته في جبيرة من الجبس، تبين أنه سيضطر لقضاء بقية حياته وهو رهين الشلل الذي أصابه في تلك الفترة.
بالإضافة إلى الشلل الكامل الذي عاشه، عانى أحمد ياسين مجموعة من الأمراض والإصابات الأخرى، فقد فَقَدَ بصره في العين اليمنى بعد أن تعرض للضرب في أثناء جولة من التحقيق على يد المخابرات الإسرائيلية خلال فترة سجنه، كما عانى ضعفاً شديداً في إبصار العين اليسرى، وكان يعاني من التهاب مزمن في الأذن، وكانت لديه حساسية في الرئتين، بالإضافة إلى الإصابة ببعض الأمراض والالتهابات المعوية الأخرى.
زوجة أحمد ياسين وأبناؤه
الشيخ أحمد ياسين تزوج بحليمة ياسين عام 1959، وهي من أقاربه من جهة العمومة. ظلت حليمة ياسين سنداً لزوجها طوال حياتهما المشتركة حتى وافتها المنية في غزة في 23 يونيو 2020 بعد صراع مرير مع المرض عن عمر يناهز 76 عاماً.
من هذا الزواج، أنجبت حليمة ياسين 11 من الأبناء: 3 ذكور و8 إناث.
النشاط السياسي للشيخ أحمد ياسين
في سن العشرين، شارك أحمد ياسين في المظاهرات التي نشبت في غزة احتجاجاً على العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر عام 1956، وأثبت خلال هذه المظاهرات قدراته الخطابية والتنظيمية الملموسة، حيث نشط جنباً إلى جنب مع رفاقه في الدعوة لرفض الإشراف الدولي على غزة، مؤكداً أهمية عودة الإدارة المصرية إلى هذا الإقليم.
بدأت مواهب أحمد ياسين الخطابية تبرز بشكل واضح، وأصبح نجماً بين دعاة غزة، حيث لفت ذلك انتباه المخابرات المصرية التي كانت تعمل في المنطقة.
في عام 1965 اعتُقل في إطار حملة اعتقالات شملت دعاة الإخوان المسلمين الذين اعتُقلوا سابقاً في عام 1954.
أمضى أحمد ياسين نحو شهر في الزنزانة الانفرادية، ثم أُفرج عنه بعد أن تبين أنه لا علاقة تنظيمية بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين.
فترة الاعتقال تركت آثاراً عميقة على أحمد ياسين، حيث عبَّر عن كراهيته الشديدة للظلم، وأكد أهمية أن تقوم السلطات على العدل واحترام حقوق الإنسان.
انضم أحمد ياسين إلى فكر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر عام 1928، واعتنق فكرتها في فهم الإسلام وتطبيقه بشمولية في جوانب الحياة المتعددة.
النكبة وتأثيرها على حياة أحمد ياسين
بعد هزيمة 1967 التي أدت إلى احتلال إسرائيل جميع الأراضي الفلسطينية بما في ذلك قطاع غزة، استمر الشيخ أحمد ياسين في تحفيز المصلين من منبر مسجد العباسي الذي كان يخطب فيه، داعياً إلى مقاومة الاحتلال، كما نشط في جمع التبرعات ومساعدة أسر الشهداء والمعتقلين، ثم تولى رئاسة المجمع الإسلامي في غزة.
نشاط الشيخ أحمد ياسين في المجال الديني أثار استياء السلطات الإسرائيلية، وفي عام 1982 اعتُقل واتُّهم بتشكيل تنظيم عسكري وحيازة أسلحة، وحُكم عليه بالسجن لمدة 13 عاماً، لكنه أُطلق سراحه مرة أخرى عام 1985 في إطار صفقة تبادل الأسرى بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة).
تأسيس حركة حماس ودور الشيخ أحمد ياسين في ذلك
في عام 1987، توصل الشيخ أحمد ياسين إلى اتفاق مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي في قطاع غزة الذين كانوا ينتمون إلى تيار أفكار الإخوان المسلمين، وقرروا تشكيل تنظيم إسلامي بهدف مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق تحرير فلسطين. أطلقوا عليه اسم "حركة المقاومة الإسلامية"، المعروفة باسم "حماس" بصورة اختصارية، لعبت حماس دوراً مهماً في انتفاضة فلسطينية اندلعت آنذاك، اشتهرت بـ"انتفاضة المساجد"، ومنذ ذلك الحين أصبح الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لتلك الحركة.
حياة الشيخ أحمد ياسين تحت الاحتلال الإسرائيلي والاعتقالات الكثيرة
في أغسطس/آب عام 1988 مع تصاعد أعمال الانتفاضة الفلسطينية، بدأت السلطات الإسرائيلية بالنظر في وسيلة لوقف نشاط الشيخ أحمد ياسين، حيث داهمت منزله وفتشته، وهددته بالنفي إلى لبنان.
مع تصاعد حوادث قتل الجنود الإسرائيليين واغتيال العملاء الفلسطينيين، أقدمت السلطات الإسرائيلية في 18 مايو/أيار 1989 على اعتقال الشيخ أحمد ياسين، بالإضافة إلى مئات من أعضاء حركة حماس.
في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1991، أصدرت إحدى المحاكم العسكرية حكماً بالسجن مدى الحياة بالإضافة إلى 15 عاماً إضافياً على الشيخ أحمد ياسين، جاءت التهم الموجهة إليه في لائحة الاتهام بسبب دوره في التحريض على اختطاف جنود إسرائيليين وقتلهم، وتأسيس حركة حماس وجهازيها العسكري والأمني.
في 13 ديسمبر/كانون الأول 1992، حاولت مجموعة فدائية تابعة لكتائب عز الدين القسام، وهو الجناح العسكري لحماس، الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين وعدد من المعتقلين المسنين الآخرين، وخطفوا جندياً إسرائيلياً قرب القدس في هذا السياق.
قدمت حماس اقتراحاً لإسرائيل بشأن مبادلة الجندي الإسرائيلي الذي اختُطف بالإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين، ولكن السلطات الإسرائيلية رفضت هذا العرض، بدلاً من ذلك شنت هجوماً على مكان احتجاز الجندي مما أسفر عن مقتله ومقتل قائد الوحدة الإسرائيلية المهاجمة، وكذلك قائد مجموعة الفدائيين.
في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1997، أُفرج عن الشيخ أحمد ياسين بعد محاولة فاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل، في العاصمة الأردنية عمّان، قبضت السلطات الأمنية الأردنية على اثنين من عملاء الموساد الإسرائيلي وسلمتهما لإسرائيل مقابل إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين.
بسبب الاختلاف في السياسة بين حماس والسلطة الفلسطينية، فُرضت مراراً وتكراراً الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين من السلطة الفلسطينية، ويُعترف بأهمية أحمد ياسين للمقاومة الفلسطينية والمشهد السياسي الفلسطيني.
أحمد ياسين يتنبأ بزوال إسرائيل
في أبريل 1998، أُجريَ لقاء مع الشيخ أحمد ياسين بعد الإفراج عنه في صفقة بين الأردن وإسرائيل بعد محاولة اغتيال فاشلة لرئيس المكتب السياسي لحماس في الأردن خالد مشعل، تطرق الحديث إلى فكرة برنامج "شاهد على العصر" وأبدى ترحيبه بها. قدم شهادته حول مستقبل إسرائيل، معتمداً على القرآن وتوالي الأجيال، حيث تنبأ بانتهاء إسرائيل في الربع الأول من القرن القادم عام 2027، وأشار إلى أهمية الثقة والاستمرار رغم اليأس الذي يمكن أن يسيطر على الناس.
أبرز أقوال الشيخ أحمد ياسين
من أبرز كلمات الشيخ أحمد ياسين التي ستبقى خالدة في الذاكرة:
"إن من مظاهر وعلامات السلامة أن تشعر الأمة بقلق إزاء قضية فلسطين، قضية الأمة، ولكن المقاومة مستمرة، وفي كل يوم هناك عمليات وشهداء وتضحيات، أما قضية السور فهي هامشية".
"إننا طلاب شهادة، لسنا نحرص على هذه الحياة، هذه الحياة تافهة رخيصة، نحن نسعى إلى الحياة الأبدية".
"أؤكد لكم أن الله غالب على أمره، وأن ثقتنا في الله أولاً، ثم في شعوب أمتنا المسلمة، الشعوب المؤمنة كبيرة وعالية، وإننا بفضل الله ثم بدعائكم ودعمكم سننتصر، وسيجعل الله لنا ولكم بعد عسر يسراً".
"عندما تختلّ موازين الصراع لا بدّ من وجود العمل العسكري الذي يضر بمصالح العدو ويجعله يركع".
"المقاومة تزيد المؤمنين صلابة، كالنار عندما يوضع عليها الذهب تزيده لمعاناً".
محاولة اغتيال الشيخ أحمد ياسين
في السادس من سبتمبر/أيلول 2003، تعرض الشيخ أحمد ياسين لمحاولة اغتيال من إسرائيل، حيث استهدفت مروحيات إسرائيلية شقة في غزة، حيث كان أحمد ياسين وإسماعيل هنية، وأُصيب الشيخ بجروح طفيفة في ذراعه اليمنى.
استشهاد الشيخ أحمد ياسين
في 14 مارس/آذار 2004، نفّذ شابان من غزة ينتميان لكتائب القسام عملية ميناء أسدود التي أسفرت عن مقتل 10 إسرائيليين وإصابة 20 آخرين، هذه العملية مثلت بداية العد التنازلي لتنفيذ عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين، وقد حمّلت إسرائيل الشيخ نفسه مسؤولية تنفيذ هذه العملية ووصفتها بأنها "ضربة استراتيجية" وعملية نوعية.
بعد عملية ميناء أسدود، قرر وزير الأمن الإسرائيلي شاؤول موفاز، في اليوم التالي إلغاء الفروق في استهدافاتهم بين القيادة العسكرية والقيادة الروحية لحماس.
في 16 مارس/آذار 2004، اجتمع المجلس الوزاري المصغر لاتخاذ قرار بتنفيذ عملية دراماتيكية، وتبين لاحقاً أن هذه العملية كانت اغتيال الشيخ أحمد ياسين. بين 17 و21 مارس/آذار نفَّذ الجيش الإسرائيلي حملات عسكرية في مدن رفح وخان يونس وغزة أسفرت عن مقتل أكثر من 15 فلسطينياً.
في 22 مارس 2004، استشهد الشيخ أحمد ياسين إثر قيام مروحيات الأباتشي الإسرائيلية بإطلاق 3 صواريخ عليه وهو جالس على كرسيه المتحرك خارج مسجد المجمّع الإسلامي في حي الصبرة بقطاع غزة، وفي هذه العملية استشهد 7 من مرافقي الشيخ وأُصيب اثنان من أبنائه.
نُفِّذ الاغتيال بإشراف قائد هيئة أركان الجيش الإسرائيلي موشيه يعلون، ووزير الأمن شاؤول موفاز، وقد أُعطوا الضوء الأخضر لهذه العملية من رئيس الوزراء أريئيل شارون، وذلك من خلال إطلاق عدة صواريخ نحو السيارة التي كانت تُقلّ الشيخ.