بدأت الخطوات الأحدث على المسار اللبناني. ففي 25 أغسطس/آب، بحث وزير النقل السوري يعرب بدر ونظيره اللبناني فايز رسامني إعادة الربط بين البلدين، واتفقا على تشكيل فريق فني مشترك. وفي سبتمبر/أيلول، عاين وفد سوري ولبناني مسار الخط بين مرفأ طرابلس والحدود السورية، واتفق الجانبان على استكمال الدراسات الفنية والاقتصادية لربط المرفأ بمحطة العكاري، ومنها إلى حمص.
يقول مدير مرفأ طرابلس أحمد تامر، في حديثه لـTRT عربي، إن إعادة تشغيل الربط السككي قد تفتح للمرفأ مجالاً لاستقطاب حركة شحن إضافية من سوريا وإليها، وخصوصاً البضائع الكبيرة، ومنها الفوسفات السوري. كما يتيح الخط، إذا اكتمل الربط الإقليمي، استخدام المرفأ مستقبلاً للترانزيت باتجاه العراق والأردن والسعودية ودول الخليج.
لكن تقدير حجم هذه البضائع بالأرقام، وفق تامر، يحتاج إلى استكمال الدراسات الفنية والاقتصادية المشتركة. ويرى أن ميزة مرفأ طرابلس تكمن في موقعه على شرق المتوسط وقربه من الداخل السوري، بما يسمح بالجمع بين النقل البحري والسككي ضمن ممر يخدم لبنان وسوريا والأسواق الإقليمية.
ويقابل هذه الفرصة تحدٍّ داخل لبنان؛ فالخط بين مرفأ طرابلس والحدود السورية متوقف منذ سنوات طويلة، ويحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة. ويعدد تامر بين المتطلبات معالجة وضع حرم السكة والتعديات القائمة عليه، وتحديد تكلفة المشروع ومصادر تمويله. ويقول إن الجانبين انتقلا من مرحلة طرح الفكرة إلى العمل الفني والميداني، لمعاينة الخطوط ودراسة نقاط الربط والخيارات الفنية ووضع تصور مشترك للخطوات المطلوبة.
وقد أُنجزت زيارة الوفد الفني السوري إلى لبنان التي تحدث عنها تامر، وشملت معاينة مسار الخط من مرفأ طرابلس باتجاه العبودية والحدود السورية. ويبلغ طول الجزء الواقع داخل لبنان نحو 35 كيلومتراً، بحسب وكالة الأنباء السورية.
وعلى الطرف الآخر من الحدود، يقدر المدير العام للمؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية أسامة حداد، في حديثه لتليفزيون TRT عربي، طول محور العكاري السوري المقترح للربط مع مرفأ طرابلس بنحو 5.4 كيلومتر، وتكلفته بستة ملايين دولار. ويقول إن مسار هذا الخط خضع لكشف مشترك مع الجانب اللبناني.
غير أن وصل السكة عند الحدود لا يكفي وحده لإطلاق حركة الشحن. فالقطار الذي يصل إلى حمص سيحتاج إلى شبكة داخلية قادرة على نقله نحو المرافئ السورية أو المعابر الأخرى.
الشبكة الداخلية أولاً
يوضح حداد أن المؤسسة توازن في خطتها بين خدمة النقل داخل سوريا وحركة الترانزيت الإقليمية، لأن المسارات الداخلية هي نفسها التي ستستخدمها القطارات العابرة للحدود. ويضرب مثالاً بمحور طرطوس–اللاذقية–حلب، الذي يصل المرافئ بالداخل السوري ويمكن أن يخدم الشحن الدولي في الوقت نفسه. ووفق أرقام أعلنها وزير النقل السوري، تمتد الشبكة الحديدية في البلاد إلى 2552 كيلومتراً، يعمل منها 1052 كيلومتراً.
وفي اتجاه العراق والخليج، يحدد حداد أربعة خيارات للربط، تتفاوت بين خطوط تحتاج إلى إعادة تأهيل ومحاور جديدة لم تنفذ بعد. يمتد أولها، الشرقية–البوكمال، لمسافة 250 كيلومتراً بتكلفة تقديرية تبلغ 320 مليون دولار.
وتراه المؤسسة مناسباً للاتصال المباشر بالشبكة العراقية وصولاً إلى ميناء الفاو على الخليج، لكنه محور جديد مقترح يحتاج إلى دراسات أولية وتنفيذية.
أما محور الشرقية–التنف فيبلغ طوله 85 كيلومتراً وتكلفته التقديرية 100 مليون دولار، ويستهدف الربط بالمرفأ الجاف في التنف. ويحتاج هذا المقترح أيضاً إلى دراسات أولية وتنفيذية، فضلاً عن استكمال نحو 100 كيلومتر داخل شبكة الخطوط الحديدية العراقية حتى يؤدي وظيفة الربط المقصودة.
وفي الشمال الشرقي، يبلغ طول محور القامشلي–اليعربية 85 كيلومتراً، بتكلفة تقديرية تبلغ 100 مليون دولار. ويقول حداد إن تحركات رسمية سورية-عراقية بدأت في منتصف عام 2026 لإعادة تقييمه وتشغيله بعد توقف استمر 14 عاماً، وربطه بطريق التنمية العراقي وميناء الفاو. وتتوافر الاستملاكات الخاصة بهذا المسار، لكنه يحتاج إلى دراسات لتحديد متطلبات تأهيله وفق مواصفات حديثة تستوعب أحجام النقل المتوقعة مستقبلاً.
ويختلف وضع محور دير الزور–البوكمال/القائم؛ إذ يبلغ طوله 148 كيلومتراً، وتقدر تكلفة تأهيله بنحو 150 مليون دولار، وهو مستملك بالكامل وتتوافر له دراسة فنية. لكن تشغيله والاستفادة منه، بحسب حداد، يعتمدان على إعادة تأهيل خط حلب–الرقة–دير الزور الداخلي، البالغ طوله 316 كيلومتراً. وهذا الخط متضرر، وتعمل لجان فنية على الكشف الميداني لتحديد متطلبات إصلاحه بصورة أولية.
وتشمل الحاجة إلى الإصلاح محور حلب–اللاذقية غير الفعال حالياً. ويقول حداد إن كوادر المؤسسة عاينت أضراره مبدئياً، وتقدر تكلفة تأهيله بنحو 200 مليون دولار. كما تعمل المؤسسة على إدراج صيانة محور دير الزور–القامشلي في خططها، ليصل المرافئ السورية بالمحافظات الشرقية، ويكمل مسار اليعربية نحو العراق. وتتوافر الاستملاكات لهذين المحورين، لكنهما يحتاجان إلى الدراسات اللازمة لتحديثهما وفق حجم النقل المحلي والدولي المتوقع.
خطوط نحو تركيا والأردن
في اتجاه تركيا، يطرح حداد محور المسلمية–ميدان أكبس بطول 104 كيلومترات وتكلفة تقديرية تبلغ 200 مليون دولار، ومحور المسلمية–الراعي بطول 49 كيلومتراً وتكلفة تقدر بنحو 50 مليون دولار. ويصف المسار الثاني بأنه الأقصر والأسهل حالياً للاتصال بشبكة الخطوط الحديدية التركية. وقد جرى الكشف الميداني على الخطين، بمشاركة شركات تركية متخصصة، بهدف إعداد الدراسات الأولية لإعادة تأهيلهما.
أما محور دمشق–الأردن فيبلغ طوله 108 كيلومترات، وتقدر تكلفته بنحو 250 مليون دولار. ويقول حداد إن المؤسسة تملك دراسات إيطالية لهذا الخط، لكنها تحتاج إلى تحديث بما يوافق المعطيات الحالية. كما يطرح دراسة تنفيذ خط بعرضين مختلفين مع الخط الحديدي الحجازي الضيق، بوصفه خياراً لمعالجة تحدي الاستملاكات اللازمة للربط.
ويؤكد حداد أن ترتيب تنفيذ هذه المحاور لم يحسم بعد. فالقرار مرتبط بتوافر التمويل، ومدى اهتمام الشبكات المجاورة بتفعيل الاتصال مع سوريا، فضلاً عن أحجام النقل المستقبلية المتوقعة بالقطارات. وهذه الأحجام، بحسب قوله، هي التي ستقود دراسات الجدوى وتحدد مدى اهتمام المستثمرين بكل خط.
تمويل المشروع مع بقاء ملكية السكك للدولة
تقول المؤسسة العامة للخطوط الحديدية، وفق حداد، إن خيارات الاستثمار والتمويل مفتوحة للنقاش بحسب حجم كل مشروع وطبيعته، بما يشمل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وعقود البناء والتشغيل ونقل الملكية BOT، وصيغة البناء والتملك والتشغيل ونقل الملكية BOOT، وغيرها من ترتيبات الشراكة التي تحقق مصلحة المستثمر والدولة.
ويشرح حداد أن الإطار الذي تبحثه المؤسسة يفصل بين ملكية الشبكة وتشغيل الخدمات عليها: فالأرض وحرم السكة والبنية الأساسية تبقى، وفق هذا التصور، مملوكة للدولة بنسبة 100%، بينما يمكن للشركات الاستثمارية تشغيل أساطيل القاطرات والعربات ومعدات النقل، وإدارة المواني الجافة والمرافق اللوجستية. وفي المقابل، تحصل الدولة على عائدات ورسوم ثابتة ومستدامة من عبور قطارات الترانزيت واستثمار تلك المرافق.
ويرى المحلل الاقتصادي عامر علاء الدين الكاطع، في حديثه مع TRT عربي، أن محدودية سيولة الخزينة وانكماش الموارد العامة يجعلان التمويل الحكومي المباشر لمشاريع البنية التحتية الكبيرة خياراً غير واقعي. ويقترح لذلك تمويلاً يجمع بين المال العام ورؤوس الأموال الخاصة، مع الحد من اللجوء إلى الاقتراض السيادي.
وفي أحد الخيارات التي يطرحها، تُمنح ائتلافات استثمارية إقليمية ودولية امتيازات طويلة الأجل لتأهيل مقاطع استراتيجية وتشغيلها، ومنها الخطوط العابرة للحدود والخطوط المتصلة بالمواني الجافة. ويسترد المستثمرون رأس المال والأرباح من رسوم الترانزيت والخدمات اللوجستية. لكن الكاطع يدعو إلى وضع ضوابط تمنع المبالغة في التعرفات أو نشوء احتكار يرفع تكلفة استخدام الممر، ويضعف قدرته على المنافسة.
يقول الخبير الاقتصادي عبد العظيم المغربل، في حديثه لتليفزيون TRT عربي، إن العائد الحقيقي للربط السككي لا يقتصر على رسوم عبور القطارات. فهو يشمل تشغيل المرافئ والمستودعات، والصيانة والخدمات اللوجستية، وتنشيط حركة التجارة. ويرى أن رسوم الترانزيت وحدها غالباً لا تبرر استثمارات ضخمة، لكن الجدوى تكبر حين تصبح سوريا حلقة وصل بين تركيا والعراق والأردن والخليج والمرافئ السورية، وهو ما تستهدفه الخطط المطروحة.
وتمنح السكك، بحسب المغربل، ميزة خاصة لنقل المواد الثقيلة والكميات الكبيرة، مثل الفوسفات والحبوب ومواد البناء؛ إذ قد تخفض تكلفتها على المسافات الطويلة وتجعل وصولها أكثر انتظاماً مقارنة بالاعتماد الكامل على الشاحنات. وقد يساعد ذلك المنتج السوري على المنافسة في أسواق العراق وتركيا والخليج، شرط تقليص زمن العبور والتخليص الجمركي وربط المصانع والمرافئ بالشبكة مباشرة.






















