ميناء إدلب الجاف.. هل يتحول الشمال السوري إلى عقدة تجارة إقليمية؟
سوريا الجديدة
6 دقيقة قراءة
ميناء إدلب الجاف.. هل يتحول الشمال السوري إلى عقدة تجارة إقليمية؟تسارع الحكومة السورية خطواتها نحو إطلاق مشروع الميناء الجاف والمنطقة الحرة في إدلب، في محاولة لإعادة تنشيط الاقتصاد السوري وفتح مسارات جديدة للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية.
يرى اقتصاديون أن المشروع يتجاوز فكرة إنشاء منطقة حرة أو ساحات تخزين للبضائع، ليعكس توجها نحو بناء نموذج اقتصادي جديد يعتمد على الموانئ الجافة / وسائل التواصل

ويأتي المشروع في مرحلة تشهد تحولات اقتصادية متسارعة داخل سوريا، مع توجه رسمي نحو تنويع مصادر الدخل وتحفيز الاستثمار وربط الداخل السوري بممرات التجارة الإقليمية، وخاصة في ظل تنامي الحديث عالمياً عن أهمية سلاسل الإمداد والمراكز اللوجستية البديلة بعد الأزمات التي أصابت حركة التجارة الدولية خلال السنوات الأخيرة. 

ويرى اقتصاديون أن المشروع يتجاوز فكرة إنشاء منطقة حرة أو ساحات تخزين للبضائع، ليعكس توجهاً نحو بناء نموذج اقتصادي جديد، يعتمد على المواني الجافة والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالتصدير وإعادة التصدير، مستفيداً من الموقع الجغرافي لإدلب قرب الحدود التركية وشبكات النقل الإقليمية.

عقدة لوجستية إقليمية

وقال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، إن المنطقة الحرة في إدلب “ليست مشروعاً تجارياً تقليدياً، بل هي مركز لوجستي متكامل صمم وفق ثلاثة محاور رئيسية”.

وأشار علوش في حديثه لـTRT عربي إلى أن الهيئة تعتمد نموذج “الميناء الجاف والمنطقة الحرة”، بحيث تجري داخل المنطقة عمليات التخليص الجمركي والتخزين والتجميع وإعادة التصدير، الأمر الذي يختصر زمن التخليص على الحدود ويخفض التكلفة اللوجستية على التجار والمستثمرين.

وأضاف أن المنطقة الحرة تشكل جزءاً من رؤية الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لربط المرافئ البحرية بالمناطق الحرة الداخلية عبر السكك الحديدية والطرق الدولية، مؤكداً أن الهدف يتمثل في “تحويل إدلب من مجرد معبر إلى مركز قيمة مضافة”، بحيث تدخل المواد الخام وتخرج منتجات مصنعة أو مجمعة تحمل علامة “صنع في سوريا”.

 وعن مخاوف الصناعيين والتجار السوريين من أن تتحول المنطقة الحرة إلى بوابة لإغراق السوق بالبضائع الأجنبية، قال علوش، إن “فلسفة المناطق الحرة ليست لإغراق السوق المحلي، بل لدعم الاقتصاد الوطني”، موضحاً أن البضائع التي تدخل السوق المحلية من المنطقة الحرة ستخضع “لكامل الرسوم الجمركية والضرائب وكأنها مستوردة مباشرة”. 

وأضاف أنه “لا يوجد أي إعفاء إلا للبضائع المعاد تصديرها أو المستخدمة كمدخل إنتاج للصناعة المحلية”، مشيراً إلى أن أي منشأة صناعية داخل المنطقة الحرة ترغب في بيع منتجاتها محلياً، مطالبة بتحقيق نسبة تصنيع محلي لا تقل عن 40٪، بهدف ضمان تشغيل العمالة السورية واستخدام مدخلات إنتاج محلية. 

وكشف علوش عن تشكيل لجنة دائمة تضم المؤسسة العامة للمناطق الحرة والجهة المشغلة لمراجعة قوائم البضائع وآليات العمل بشكل دوري، مؤكداً أن “أي ضرر مثبت على الصناعة الوطنية سيجري التعامل معه فوراً عبر أدوات الحماية التي يكفلها القانون”.

إدارة بلا احتكار 

وفيما يتعلق بالمخاوف من احتكار الاستثمار أو الخدمات داخل المنطقة الحرة، وخاصة مع منح شركة واحدة مسؤولية التنفيذ والتشغيل في المرحلة الأولى، أوضح علوش أن “دور الشركة يقتصر على الإدارة والتشغيل ونقل الخبرة وفق نظام BOT”، الذي بموجبه تبني الشركة المشروع وتطوره، ولاحقاً يجري نقل ملكيته إلى الدولةـ مشيراً إلى أن تفاصيل نظام الإدارة ستصدر لاحقاً ضمن الاتفاقية التفصيلية للمشروع. 

وأكد أن خدمات التخليص والنقل والتخزين والتأمين والخدمات المصرفية “ستكون مفتوحة أمام جميع الشركات المؤهلة”، وأن دور المشغل يقتصر على إدارة البنية التحتية وتنظيم العمل، وليس احتكار تقديم الخدمات.

 كما أشار المتحدث إلى أن المؤسسة العامة للمناطق الحرة التابعة للهيئة العامة للمنافذ والجمارك ستشرف بشكل مباشر على التعرفة وآليات العمل داخل المنطقة الحرة. 

من جهته، قال الخبير الاقتصادي فراس شعبو في حديث مع TRT عربي، إن الميناء الجاف يمثل “مركزاً لوجستياً برياً يؤدي وظائف الميناء البحري، لكنه يرتبط بالمعابر الحدودية والمواني عبر شبكات النقل والطرق السريعة والسكك الحديدية”.

وأشار شعبو إلى أن اختيار إدلب يرتبط بموقعها الجغرافي القريب من تركيا والممرات التجارية الإقليمية، مع وجود مشاريع لتطوير الطرق والبنية التحتية والتسهيلات الجمركية، مضيفاً أن المشروع “يمكن أن يتحول إلى مركز اقتصادي مؤثر، وليس مجرد ساحة تخزين للبضائع كما يروج البعض”. 

وأضاف أن المنطقة الحرة تمنح الشمال السوري “مكانة اقتصادية جديدة”، لافتاً إلى أن إدلب قد تتحول إلى “بوابة عبور رئيسية للبضائع” على غرار الدور الصناعي والتجاري الذي عرفت به حلب تاريخياً.

اختبار القيمة المضافة 

وحذر شعبو من أن كثيراً من المناطق الحرة حول العالم تحولت إلى مجرد مخازن للعبور وإعادة التصدير، من دون تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية، مؤكداً أن نجاح المشروع السوري يعتمد على قدرته في الانتقال “من اقتصاد المرور إلى اقتصاد القيمة المضافة”. 

وأوضح أن ذلك يتطلب إنشاء صناعات تحويلية وخدمات لوجستية ومراكز تجميع وتوضيب، إضافة إلى تشجيع الأنشطة المرتبطة بالنقل والتصدير وإعادة التصدير، مشيراً إلى أن تجربة “جبل علي” في الإمارات تعد نموذجاً متقدماً في هذا المجال. 

وقال شعبو، إن العالم بات يركز بصورة متزايدة على أمن سلاسل الإمداد والممرات التجارية، وخاصة بعد الأزمات الدولية والتوترات التي طالت حركة الملاحة العالمية، معتبراً أن سوريا تحاول تقديم نفسها كجزء من البدائل المطروحة ضمن شبكات التوريد العالمية. 

وأضاف: إن نجاح مشروع إدلب قد يدفع نحو تبني نموذج اقتصادي أوسع، يعتمد على المواني الجافة والمراكز اللوجستية وربطها بالمرافئ البحرية والمعابر الحدودية، بما يخلق “اقتصاد نقل” جديداً قائماً على تجارة الترانزيت والخدمات اللوجستية. 

ورأى المتحدث أن المشروع لا يمكن فصله عن خصوصية إدلب الجغرافية والحدودية، نظراً لقربها من تركيا، لكنه شدد على أن مستقبل المشروع “يعتمد على قدرة القائمين عليه في تحويل هذه الأفضلية الجغرافية إلى منتج اقتصادي مستدام”.

بدوره، قال مستشار التخطيط الاقتصادي والاستثماري خالد الحمدي في TRT عربي، إن إنشاء ميناء جاف ومنطقة حرة في إدلب “لا يعني فقط إقامة بنية تحتية جديدة، بل يعكس تحولاً تدريجياً في مركز الثقل التجاري واللوجستي داخل سوريا نحو الشمال، وخصوصاً مع الموقع الحدودي الحيوي لإدلب واتصالها المباشر بالمعابر والأسواق التركية والأوروبية”. 

وأوضح أن هذا التحول “قد يعيد رسم خريطة تدفق البضائع داخل البلاد، حيث تصبح إدلب نقطة تجميع وتخزين وإعادة توزيع رئيسية، بدلاً من الاعتماد التقليدي على مرفأ اللاذقية كمركز شبه وحيد للحركة التجارية”. 

المعركة الأهم 

وفيما يتعلق بالسؤال حول كيفية تحول المشروع إلى منصة إنتاج حقيقية وليس مجرد ممر للبضائع، قال الحمدي إن “هذا التحدي هو جوهر نجاح أو فشل أي منطقة حرة”، موضحاً أن “كثيراً من التجارب العالمية تحولت فعلاً إلى مراكز تخزين وإعادة تصدير من دون أثر تنموي عميق، لكن الحالة السورية تحتاج إلى نموذج مختلف يقوم على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد المحلي”.

وأضاف: “نجاح مشروع إدلب يتطلب ربط المنطقة الحرة بمنظومة صناعية متكاملة تشمل الصناعات التحويلية والتجميع والتعبئة والتغليف، والخدمات اللوجستية الذكية، إضافة إلى تشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالتصدير”. 

وأشار الحمدي إلى أن “وجود حوافز ضريبية وتمويلية، وتسهيلات جمركية، وبنية قانونية مستقرة، سيكون ضرورياً لجذب المستثمرين الحقيقيين، وليس فقط تجار العبور”. 

وشدّد الحمدي على أن “الأهم هو ربط المشروع بسلاسل الإنتاج الزراعي والصناعي في الشمال السوري، بحيث تتحول المنطقة الحرة إلى منصة تشغيل وإنتاج وتصدير، وليس مجرد نقطة عبور للبضائع المستوردة”.

ورأى المتحدث أن المشروع “يعكس اتجاهاً متنامياً نحو تبني نموذج اقتصادي يعتمد على المواني الجافة، والمناطق الحرة، والممرات اللوجستية العابرة للحدود”، مشيراً إلى أن هذا النموذج “أصبح أساسياً في الاقتصادات التي تسعى للتحول إلى عقد تجارية إقليمية”.

وأضاف أن سوريا “تمتلك موقعاً جغرافياً يؤهلها للعب دور ممر اقتصادي بين الخليج وتركيا وأوروبا وشرق المتوسط، لكن هذا الدور ظل معطلاً لسنوات بسبب الحرب وضعف البنية التحتية والعقوبات والعزلة الاقتصادية”. 

وختم الحمدي بالقول، إنه “إذا نجح مشروع إدلب، فقد يصبح نواة لسياسة اقتصادية أوسع تقوم على إنشاء شبكات نقل ومناطق لوجستية متخصصة في عدة محافظات، وربطها بالسكك الحديدية والطرق الدولية والمرافئ البحرية”، معتبراً أن الحديث “لا يدور فقط حول مشروع محلي مرتبط بخصوصية إدلب، بل ربما عن بداية إعادة تعريف للدور الاقتصادي السوري ضمن التجارة الإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب”.


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
الحجاج يبيتون بمزدلفة عشية رمي الجمرة الكبرى بعد أداء الركن الأعظم
واشنطن تؤكد إجبار 108 سفن على تغيير مسارها ضمن إجراءات حصار إيران
بزشكيان لأمير قطر: إيران مستعدة لاتفاق مشرّف لإنهاء الحرب والتوترات بالمنطقة
إيران تعلن إسقاط مسيّرة أمريكية فوق الخليج وتتوعد بالرد على “انتهاكات” واشنطن
عشية عيد الأضحى.. شهداء وجرحى بغارات إسرائيلية على غزة وحصيلة الإبادة في ارتفاع
أردوغان: تركيا واحة استقرار رغم أزمات المنطقة ونجني ثمار سياساتنا منذ 23 عاماً
خامنئي: شعوب المنطقة وأراضيها لن تبقى معاقل للقواعد الأمريكية بعد اليوم
ارتفاع عدد قتلى غارات مشغرة شرقي لبنان إلى 12 وسط تصعيد إسرائيلي متواصل
زلزال بقوة 6.9 درجة يضرب شمالي تشيلي بلا خسائر أو تحذيرات من تسونامي
وسط أجواء من الخشوع والسكينة.. الحجاج يتوافدون إلى صعيد عرفات لأداء ركن الحج الأعظم
تراجع سعر النفط الخام الأمريكي بأكثر من 5% بعد ضربات جديدة ضد مواقع إيرانية
إسرائيل توسّع هجماتها على لبنان وتفرض قيوداً في الجليل وسط تصعيد متبادل مع حزب الله
رغم الضربات الأمريكية.. روبيو: التوصل إلى اتفاق مع إيران لا يزال ممكناً وهرمز يجب أن يظل مفتوحاً
جدل متواصل حول وضعه الصحي.. نتنياهو يجري فحوصات طبية في مستشفى "هداسا"
إعلام إيراني يؤكد وقوع انفجارات في بندر عباس وواشنطن تتحدث عن قصف قوارب ومنصات صواريخ