ويأتي ذلك في ظل استمرار وجود مئات المخيمات التي تؤوي مئات آلاف النازحين، بالتزامن مع تحركات حكومية سورية ودعم أممي متنامٍ لإطلاق مشاريع تستهدف إعادة تأهيل البنية التحتية وتشجيع العودة الطوعية إلى مناطق الأصل.
وكانت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في سوريا، ناتالي فوستيه، قد تحدثت مؤخراً عن استعداد الأمم المتحدة لدعم رؤية “سوريا بلا مخيمات”، في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى وضع خطة تدريجية لإغلاق المخيمات، عبر مشاريع إعادة تأهيل واسعة تشمل الخدمات الأساسية وسبل العيش.
وفي هذا السياق، تبرز تحديات مرتبطة بحجم التمويل المطلوب، وآليات استدامته، إضافة إلى المعايير التي ستُعتمد لتحديد أولويات الإغلاق، ومستقبل المساكن الجديدة، وطبيعة الأثر الاقتصادي طويل الأمد الذي قد يتركه المشروع على الشمال السوري وبقية المناطق السورية.
وفي حديث خاص لـTRT عربي، قال معاون وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السورية أحمد قزيز، إنّ التمويل الدولي الحالي “غير كافٍ” لتغطية حجم الاحتياجات التي تتطلبها مشاريع رؤية “سوريا بلا مخيمات”، موضحاً أنّ التمويل المتوفر حالياً يشكل “نسبة صغيرة” مقارنة بحجم المشاريع المطروحة.
وأشار قزيز إلى أنّ الحكومة لا تمتلك حتى الآن أرقاماً نهائية لحجم الاحتياجات، غير أنّ المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية، وترميم المنازل، وتأمين سبل العيش التي تضمن عودة “طوعية وكريمة” للنازحين، تحتاج إلى “مبالغ كبيرة جداً”.
ولفت إلى أنّ الضمانات الحالية لاستمرار التمويل ترتبط بما وصفه بـ”الرغبة المجتمعية والدولية الكبيرة” لدعم هذه الرؤية، مضيفاً أنّ الاهتمام الذي يوليه الرئيس السوري للمشروع، واعتباره إحدى الركائز الأساسية لخطة التعافي في سوريا، أسهما في رفع مستوى الاهتمام الدولي بالخطة.
وأضاف أنّ إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية تعمل على “حشد الموارد والمناصرة” لتأمين التمويل اللازم، موضحاً أنّ استمرارية الدعم ترتبط بقدرة الحكومة على الحفاظ على أولوية هذا الملف ضمن خطط التعافي الوطنية.
وعن المعايير التي ستُعتمد لتحديد أولوية المخيمات المستهدفة بالإغلاق، أوضح قزيز أنّ الحكومة اعتمدت معايير “ذات أبعاد مختلفة”، تشمل البعد السكاني، من خلال إعطاء الأولوية للمناطق التي تضم أعداداً كبيرة من النازحين في مناطق الأصل، بما يشجع على العودة.
وأشار إلى وجود بعد جغرافي أيضاً، يتعلق بوجود المخيمات في مناطق “هشة وضعيفة” ومعرضة للكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والعوامل المناخية المختلفة.
كما لفت إلى أنّ الخطة تأخذ في الاعتبار أوضاع الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأرامل وذوي الإعاقة والأطفال غير المصحوبين، إلى جانب البعد الاقتصادي المرتبط بقدرة مناطق العودة على خلق فرص عمل واستعادة النشاط الزراعي أو السياحي أو الحيواني.
وقال قزيز، إنّ الحكومة تنظر أيضاً إلى “كفاءة المشاريع المنجزة”، عبر مقارنة حجم التمويل بعدد النازحين الذين سيعودون إلى مناطقهم، بهدف تحقيق “أفضل استخدام ممكن” للموارد المالية المتاحة.
وأكد أنّ الهدف الأساسي يتمثل في تحقيق “عودة أكبر وأسرع للنازحين”، بالتوازي مع الاستخدام الأمثل للموارد المتوافرة.
وفي ما يتعلق بملف الإسكان، أوضح قزيز أنّ المرسوم 59 يركز بشكل أساسي على إعادة تأهيل البنية التحتية التي تشكل “العصب الأساسي” لعودة النازحين، وتشمل شبكات المياه والصرف الصحي والمدارس والمشافي والمخابز ومخافر الشرطة.
وأضاف أنّ الخطة تعطي أولوية أيضاً لإزالة الأنقاض ومخلفات الحرب، وتأهيل الأراضي الزراعية التي تحتوي على ذخائر غير منفجرة، بما يسمح بإعادة النشاط الاقتصادي وتشجيع السكان على العودة.
وأشار إلى أنّ الخطة الحالية لا تتضمن حتى الآن مشروعاً واضحاً لتوزيع مساكن جديدة أو إنشاء وحدات سكنية دائمة، موضحاً أنّ هذا الخيار “ليس مستبعداً”، لكنه لم يُحسم بعد ضمن الرؤية الحالية.
وتابع قزيز أنّ بعض الجهات الداعمة أو المبادرات قد تتجه لاحقاً إلى إنشاء وحدات سكنية، غير أنّ الحكومة لم تنهِ بعد حصر الجهات الراغبة في المشاركة بهذا الملف.
وأكد أنّ أي مرحلة لاحقة تتعلق بالإسكان الدائم ستحتاج إلى أطر قانونية تنظم الملكية وحقوق الانتفاع بالمباني، موضحاً أنّ الأولوية الحالية تبقى موجهة نحو البنية التحتية وترميم المنازل القائمة.
من الإغاثة إلى التنمية
بدوره يرى الخبير الاقتصادي السوري عامر الكاطع أنّ نجاح مشروع “صفر خيام” يتطلب الانتقال من “منطق الإغاثة” إلى “منطق التنمية”، عبر تحويل المجمعات السكنية إلى “عناقيد اقتصادية” متكاملة قادرة على خلق بيئة إنتاجية مستقرة.
وأوضح الكاطع في حديثه لـTRT عربي، إنّ الاستقرار لا يتحقق بالسكن وحده، بل بدمج المناطق الحرفية والصناعية الصغيرة ضمن المخططات العمرانية للمشروع، بما يوفر فرص عمل مباشرة في قطاعات مثل الصناعات الغذائية والنسيجية.
ويشير إلى أنّ الاعتماد على الأيدي العاملة المحلية في عمليات البناء والتشغيل، وربط المشروع ببرامج تدريب مهني، يمكن أن يخلق دورة اقتصادية داخلية تقلل تدريجياً من الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وبحسب تقديره، فإنّ المشروع قد يسهم في إعادة صياغة “الجغرافيا الاقتصادية” للشمال السوري، عبر خلق مراكز حضرية جديدة تستقطب الاستثمارات والسكان، وتخفف الضغط عن المدن الكبرى المكتظة.
كما يرى أنّ تطوير البنية التحتية، من طرق وطاقة وخدمات، قد يشكل محركاً طويل الأمد للتنمية، ويؤسس لنموذج يمكن البناء عليه مستقبلاً ضمن خطط إعادة الإعمار السورية.
وفي ما يتعلق بإدارة التمويل الخارجي، يشدد الكاطع على ضرورة اعتماد نظام حوكمة “صارم وشفاف”، يفصل بين الجهات المانحة والقرار التنفيذي المحلي، بما يحفظ “السيادة الاقتصادية” للمشروع.
ويضيف أنّ التدفقات المالية يجب أن تُدار عبر صناديق تنموية تخضع لتدقيق مالي دولي وتقارير دورية معلنة، مع اعتماد أنظمة توثيق ورقمنة عقارية تمنع أي تلاعب أو مضاربات قد تهدد استقرار السكان.
تكلفة مرتفعة
من جانبه يعتقد الخبير الاقتصادي السوري عبد الغفور النزاع أنّ المشروع يتطلب تمويلاً ضخماً يتجاوز الإمكانات الحالية للدولة السورية، وخصوصاً في ظل التراجع الكبير في الناتج المحلي خلال السنوات الماضية.
وأشار النزاع إلى أنّ عدد المخيمات في شمال سوريا يقدّر بنحو 840 مخيماً، بينما يتجاوز عدد النازحين في إدلب وحدها 719 ألف شخص، أي ما يقارب 120 ألف عائلة.
وأضاف أنّ تكلفة تأمين وحدات سكنية أساسية لهذه العائلات قد تصل إلى نحو 2.4 مليار دولار، من دون احتساب تكاليف البنية التحتية والخدمات المرافقة.
وبحسب تقديراته، فإنّ التكلفة الإجمالية للمشروع قد تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار خلال فترة تمتد بين 3 و5 سنوات، وهو ما يفوق قدرة الموازنة السورية الحالية.
ويرى النزاع أنّ المشروع غير قابل للتمويل من الخزينة السورية وحدها، ما يفرض الاعتماد على منح دولية وصناديق تنموية وشراكات استثمارية مع القطاع الخاص.
كما يشير إلى أنّ تنفيذ المشروع قد ينعكس على سوق العمل في الشمال السوري، من خلال خلق عشرات آلاف فرص العمل المرتبطة بالبناء وإزالة الأنقاض والخدمات والنقل والأنشطة الاقتصادية المرافقة.
ويعتقد أنّ نجاح المشروع قد يسهم في إنهاء “اقتصاد المخيمات”، وإعادة دمج السكان في العملية الإنتاجية، بما يعزز الاستقرار الديموغرافي والاقتصادي في المنطقة.
وفي ظل التحديات التمويلية والاقتصادية القائمة، يبقى مشروع “صفر خيام” مرتبطاً بقدرة الحكومة السورية وشركائها الدوليين على تحويل ملف النزوح من أزمة إنسانية مزمنة إلى مسار تنموي طويل الأمد، يعيد تشكيل المشهد الاقتصادي والاجتماعي في شمال سوريا.



















