السودان يشكّل جيشه من جديد.. كيف تُعيد قرارات أبريل هندسة القيادة العسكرية؟
سياسة
7 دقيقة قراءة
السودان يشكّل جيشه من جديد.. كيف تُعيد قرارات أبريل هندسة القيادة العسكرية؟تمرّ المؤسسة العسكرية السودانية بمرحلة تحوّل عميقة تُعدّ من أكثر المراحل تعقيداً منذ الاستقلال، في ظل تداخل الاعتبارات العملياتية الناتجة عن اتساع نطاق القتال، مع التحولات القانونية والدستورية التي أعقبت الحراك الشعبي في ديسمبر/أيلول 2019.
يمثل التحول من “هيئة الأركان المشتركة" إلى “هيئة الأركان العامة" نقطة مفصلية في بنية القوات المسلحة السودانية / AA
منذ 2 ساعات

وفي هذا السياق، لم يكن التغيير الذي جرى في أبريل 2026 مجرّد تعديل إداري أو حركة إحلال وتبديل، بل مثّل محطة مفصلية في مسار إعادة تنظيم بنية القيادة، وإعادة تعريف موقع المؤسسة العسكرية ضمن هيكل السلطة السيادية.

ففي 2 أبريل/نيسان 2026، أصدر الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قراراً بإعادة تشكيل هرم القيادة العليا للقوات المسلحة، بما في ذلك رئاسة هيئة الأركان، في خطوة عكست انتقالاً من نمط القيادة التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ"قيادة الحرب"، القادرة على التكيّف مع بيئة قتال ممتدة ومعقدة. هذا التغيير جاء استجابة لحاجة ميدانية متزايدة لإعادة ضبط الأداء العملياتي، وتعزيز فاعلية القيادة في مواجهة تحديات الحرب المفتوحة.

وشمل القرار تعيين الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن حسن العطا رئيساً لهيئة الأركان، خلفاً للفريق أول ركن محمد عثمان الحسين الذي أُحيل إلى التقاعد. 

ويعكس اختيار العطا توجّه القيادة نحو إسناد هذا الموقع لشخصية تمتلك خبرة ميدانية تراكمية، وارتباطاً مباشراً بساحات القتال، إلى جانب قدرته على إدارة التكوينات القتالية المختلفة، بما في ذلك القوات النظامية والتشكيلات المساندة.

 ويُفهم هذا التعيين كجزء من إعادة تموضع أوسع تهدف إلى تعزيز الكفاءة العملياتية، وتوحيد القرار العسكري تحت قيادة ذات طابع ميداني، بما يتماشى مع طبيعة الحرب الجارية ومتطلباتها المتغيرة.

تحول بدأ مبكراً

يرى اللواء المتقاعد أمين مجذوب في حديث مع TRT عربي أن التحول من “هيئة الأركان المشتركة" إلى “هيئة الأركان العامة" يمثّل نقطة مفصلية في بنية القوات المسلحة السودانية، إذ لم يقتصر الأمر على تغيير مسمى، بل عكس انتقالاً نحو فلسفة جديدة تقوم على مركزية القرار العسكري وإعادة تنظيم آليات إدارة العمليات. 

يُعد هذا التحول امتداداً لمسار بدأ فعليًا في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2019، حين أصدر الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قراراً بحل رئاسة الأركان المشتركة واعتماد نظام “هيئة الأركان العامة" بدلاً عنها، في إطار ترتيبات ما بعد نظام البشير، بهدف تبسيط الهيكل القيادي وتوحيد مركز اتخاذ القرار العسكري، إذ كان الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين أول من تولّى رئاسة هذا النظام الجديد.

ويشير مجذوب إلى أن أبرز الفروقات بين النظامين تتمثل في طبيعة العلاقة بين مستويات القيادة، ففي نموذج “الأركان المشتركة" السابق كانت العلاقة بين رؤساء أركان القوات (البرية والجوية والبحرية) ذات طابع تنسيقي، دون تبعية مباشرة لهيكل مركزي واحد، بينما يقوم النظام الحالي على تراتبية هرمية واضحة، يتصدرها رئيس هيئة الأركان، وتخضع له القوات المختلفة بصورة مباشرة، بما يعزز وحدة القرار وسرعة التنفيذ.

 كما يتضمن الهيكل الجديد نواباً متخصصين في قطاعات ثابتة تشمل الإدارة والعمليات والتدريب والإمداد، بما يتيح توزيعاً وظيفياً أكثر دقة لمسؤوليات القيادة.

ويضيف أن من أبرز ملامح هذا التحول أيضاً إخضاع القوات التخصصية—بما في ذلك القوات البرية والجوية والبحرية وقوات الدفاع الجوي—لإمرة مباشرة لرئيس هيئة الأركان، الأمر الذي يعزز من سرعة الاستجابة الميدانية ويوحّد العقيدة القتالية ضمن إطار عملياتي واحد.

كما شمل التعديل تثبيت منصب "المفتش العام للقوات المسلحة" كجزء أساسي من رئاسة هيئة الأركان، بما يضمن تعزيز آليات الرقابة الفنية والإدارية على مختلف الفروع، وترسيخ مبادئ الانضباط والحوكمة داخل المؤسسة العسكرية.

تعديلات أبريل

تعكس تعديلات أبريل/نيسان 2026 توجهاً واضحاً نحو تعزيز مركزية القرار العسكري تحت إشراف القائد العام عبد الفتاح البرهان، حيث أسهمت هذه القرارات في إعادة تموضع مراكز السلطة داخل المؤسسة العسكرية، عبر نقل الثقل العملياتي من مستوى "مساعدي القائد العام" إلى رئاسة هيئة الأركان. 

وقد جاء إلغاء منصبي المساعدين، اللذين كانا يشغلهما كل من شمس الدين كباشي وإبراهيم جابر، ليُعيد تشكيل مسار اتخاذ القرار العسكري، بحيث تصبح هيئة الأركان، بقيادة ياسر العطا، هي القناة المركزية والوحيدة نسبياً لإدارة العمليات والقرارات ذات الطابع الاستراتيجي، في سياق الحرب الجارية.

كما أسهمت هذه التعديلات في إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والقوات المساندة، حيث توسعت صلاحيات هيئة الأركان العامة لتشمل الإشراف المباشر على دمج التشكيلات المساندة، مثل القوة المشتركة، والمقاومة الشعبية، وكتائب المستنفرين، ضمن الإطار المؤسسي للقوات المسلحة. 

ويعني ذلك إخضاع هذه التشكيلات للقانون العسكري ولمنظومات القيادة والسيطرة التابعة للأركان، بما يهدف إلى توحيد سلاسل القيادة، وتقليل التعددية في مراكز القرار الميداني، وضبط إيقاع العمليات العسكرية ضمن هيكل واحد.

شملت التعديلات تعزيز البعد التخصصي داخل هيئة الأركان، من خلال تعيين نواب متخصصين للإشراف على قطاعات محددة، بما يتيح إدارة أكثر دقة وتعقيداً للعمليات العسكرية. 

ومن أبرز هذه التعيينات الفريق الركن معتصم عباس لشؤون العمليات، والفريق الركن خلف الله إدريس لشؤون الإمداد، وهو ما يعكس توجهاً نحو فصل الوظائف داخل القيادة العليا، مع الإبقاء على الترابط المؤسسي بينها لضمان انسيابية تدفق الدعم اللوجستي من مراكز القيادة إلى خطوط القتال.

هيكلة من أجل تحقيق انتصار  

حسب مصدر عسكري رفيع، تحدث لـTRT عربي جرى تصميم التشكيل الجديد لهيئة الأركان على أساس تعزيز التخصص الوظيفي ورفع مستوى الاستجابة لمتطلبات “حرب الكرامة”. 

وقد أُسندت مهام الإدارة إلى الفريق الركن عبد الخير عبد الله ناصر درجام، بما يشمل إدارة القوى البشرية ومعالجة ملفات الترقيات التي فرضتها ظروف الحرب.

 كما تولى الفريق الركن معتصم عباس التوم أحمد منصب نائب رئيس هيئة الأركان للعمليات، وهو موقع محوري للإشراف المباشر على مسارح القتال في الخرطوم ودارفور وكردفان.

وفي السياق ذاته، تولى الفريق الركن حيدر علي الطريفي علي مسؤولية التدريب، استجابةً لحاجة المؤسسة العسكرية إلى استيعاب وتأهيل أعداد متزايدة من المستنفرين، مع إدماجهم ضمن البنية النظامية. 

كما أُوكلت مهام الإمداد إلى الفريق الركن خلف الله عبد الله إدريس عبد الرحمن، بما يضمن تأمين خطوط الإمداد الحيوية الممتدة من بورتسودان إلى مختلف جبهات القتال، والحفاظ على استمرارية العمليات دون انقطاع.

على مستوى القيادة الاستخبارية، احتفظ الفريق الركن محمد علي أحمد صبير بمنصبه مديراً للاستخبارات العسكرية، وهو من أكثر القيادات استمرارية خلال المرحلة الانتقالية، إذ استمر في هذا الموقع منذ تعيينه الأول بقرار سيادي في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، مروراً بتثبيته في تعديلات أغسطس/آب 2025، وصولاً إلى إعادة تأكيد بقائه ضمن هيكلة أبريل 2026، بما يعكس استقرار هذا الموقع ضمن منظومة القيادة الأمنية.

ترافقت هذه التعيينات مع موجة إحالات واسعة إلى التقاعد طالت عدداً من القيادات العليا، من بينهم الفريق الركن عباس حسن عباس الداروتي، والفريق الركن عبد المحمود حماد حسين عجمي، والفريق طيار ركن الطاهر محمد العوض الأمين، إذ جرى منحهم رتبة الفريق أول في سياق تكريمي قبل إنهاء خدمتهم.

 يشير هذا النمط إلى محاولة إعادة تشكيل الهرم القيادي عبر تقليص نفوذ التشكيلات التقليدية، وإعادة ضبط بنية الولاءات داخل المؤسسة العسكرية بما يتسق مع التوجهات الجديدة للقيادة العملياتية.

 من خنادق أم درمان إلى رئاسة الأركان

يعد الفريق أول ركن ياسر العطا، البالغ من العمر 64 عاماً، من أبرز الشخصيات المؤثرة في مسار العمليات العسكرية الراهنة. ينحدر من أسرة عسكرية، إذ يرتبط نسبه بالفريق هاشم العطا، أحد أبرز القادة العسكريين في تاريخ السودان، والذي قاد محاولة انقلاب عام 1971.

 التحق العطا بالدفعة 33 بالكلية الحربية عام 1984، وتدرج في مساره المهني عبر تكوين أكاديمي وعسكري متقدم، شمل ماجستير العلوم العسكرية من العراق عام 2003، إضافة إلى دورة كلية الحرب العليا عام 2014 بمرتبة الشرف الأولى.

يتجاوز موقعه الإطار العسكري إلى موقعه في بنية السلطة السياسية، حيث شغل عضوية مجلس السيادة الانتقالي منذ أغسطس 2019، إلى جانب منصب مساعد القائد العام للقوات المسلحة قبل إلغاء المنصب مع الإبقاء على تأثيره داخل هرم القيادة. يرتبط اسمه بمسار العمليات الميدانية، خصوصاً في العاصمة الخرطوم.

وفق إفادات قيادات عسكرية سابقة، لـTRT عربي فقد شارك العطا  في قيادة محور أم درمان، ويُنسب إليه الإشراف على عمليات استعادة مواقع استراتيجية، من بينها مقر الإذاعة والتلفزيون ومنطقة سوق أم درمان، وهي عمليات ساهمت في تغيير موازين السيطرة داخل العاصمة.

يتبنى العطا، حسب حديث بعض المصادر العسكرية داخل مجلس السيادة تحدثت مع TRT عربي، موقفاً رافضاً لأي تسوية لا تؤدي إلى إنهاء الوجود العسكري لقوات الدعم السريع، ويصنف ضمن تيار يميل إلى الحسم العسكري الكامل. 

كما تشير عناصر في المقاومة الشعبية تحدثت لـTRT عربي إلى دوره في دعم تنظيم وتسليح المستنفرين، ضمن رؤية تقوم على توسيع قاعدة المشاركة في القتال لدعم القوات النظامية.

كما أنه يحظى بحضور واسع في الرأي العام، مدفوعاً بخطاب إعلامي مباشر يتسم بالحدة، مع مواقف سياسية وعسكرية صريحة تجاه أطراف إقليمية، الأمر الذي انعكس على التوترات الدبلوماسية مع بعض الدول، ومنها تشاد في إحدى الحالات.

يربط مصدر عسكري تعيينه رئيساً لهيئة الأركان بتحول استراتيجي في نهج الجيش، من وضعية دفاعية إلى تبني عمليات هجومية أوسع، مع الإشارة إلى فتح جبهات جديدة في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، ضمن مسار يهدف إلى توسيع نطاق السيطرة العسكرية على الأرض.





مصدر:TRT Arabi
اكتشف
رغم التصعيد.. إعلام عبري: مفاوضات إسرائيل ولبنان تنطلق الأسبوع المقبل في واشنطن
"سنتكوم" تعلن استهداف أكثر من 13 ألف موقع عسكري بإيران وتحذير أممي من تداعيات الحرب على طهران
تصعيد متبادل بين إسرائيل وحزب الله بعد مجازر الأربعاء والحكومة تتحرك لحصر السلاح في بيروت
سفينة الحفر التركية "تشاغري باي" تصل إلى الصومال للتنقيب عن الطاقة
دوران: تركيا تواصل تسخير الدبلوماسية لحلّ أزمات المنطقة وستظلّ وطناً للسلام
جيش الاحتلال يوسّع عدوانه البري جنوبي لبنان.. وحزب الله يعلن تنفيذ هجمات على مواقع إسرائيلية
"الدفاع" التركية: تمجيد "إيوكا" الإرهابي يقوّض الحل في قبرص.. ونرحّب بالهدنة مع إيران
صواريخ إسرائيل كادت تقتله.. وزير خارجية بلجيكا يطالب من بيروت بخفض التصعيد وضمّ لبنان للهدنة
إيران تحذر السفن في مضيق هرمز من ألغام محتملة وسط توتر رغم الهدنة
إعادة فتح المسجد الأقصى بعد 41 يوماً من الإغلاق بحجة الحرب
ترمب يؤكد الحفاظ على وجود عسكري داخل وحول إيران حتى تنفيذ الاتفاق
الكرة في ملعب واشنطن.. إيران تحذر: استمرار عدوان الاحتلال الإسرائيلي على لبنان يهدد بانهيار الهدنة
أنقرة: منع اختيار المفتي يعكس تجاهل اليونان لحقوق الأقلية التركية
"استهداف لجهود السلام".. تركيا تدين بأشد العبارات الهجمات الإسرائيلية المتصاعدة على لبنان
الرئيس أردوغان والأمير تميم يبحثان مستجدات اتفاق وقف إطلاق النار في إيران