من الهامش إلى الهيمنة.. كيف سيطر اليمين المتطرف على الإعلام في إسرائيل؟
الحرب على غزة
6 دقيقة قراءة
من الهامش إلى الهيمنة.. كيف سيطر اليمين المتطرف على الإعلام في إسرائيل؟يتناول التقرير صعود اليمين داخل الإعلام الإسرائيلي، وتحول القنوات والصحف إلى منصات تعبئة شعبوية تدعم خطاب الحرب والتطرف، مقابل تراجع الحضور اليساري وهيمنة التيار الديني القومي.
لم يكن تعاظم خطاب اليمين في الإعلام نتيجة التحولات السوقية فقط، بل أيضًا نتيجة توجه التيار الديني القومي إلى إعداد أتباعه مبكرًا لدخول المجال الإعلامي / Reuters

للوهلة الأولى، بدا حرص قناة "I24" الإسرائيلية على استقطاب معلق الشؤون العربية تسفي يحزكيلي، الذي كان يعمل في قناة "13"، ومنحه مزايا كبيرة، من بينها راتب شهري يبلغ 120 ألف شيكل (أكثر من 40 ألف دولار)، وتخصيص استوديو خاص في بيته لتمكينه من العمل من هناك، مبالغاً فيه.

فقد استغنت قناة "13" عن خدمات يحزكيلي بسبب خطه الدعائي الشعبوي، واعتماده في تعليقاته على الأخبار الكاذبة والتحليل السطحي، في أثناء محاولته تقديم نفسه بوصفه "الأكثر معرفة بالعرب"، لمجرد أنه سبق أن عمل في جهاز المخابرات الداخلية "الشاباك".

لكن قناة "I24"، التي قرر مالكها، رجل الأعمال اليهودي الفرنسي باتريك دراهي، مؤخراً، أن تتبنى خطًا تحريريًا يتفق مع توجهات اليمين، لم تجد أفضل من يحزكيلي ليعبر عن هذا التوجه، لأنه اشتهر، بعد تنفيذ عملية "طوفان الأقصى"، بدعوته، خلال تعليق على قناة "13"، إلى أن تقتل إسرائيل، في اليوم الأول من الحرب على غزة، 120 ألف فلسطيني، على اعتبار أن هذا "فقط يمكن أن يقصر أمد الحرب ويدفع حماس إلى الاستسلام".

وقد استند في ذلك إلى تعميمات أطلقها بعض غلاة المستشرقين اليهود، من ضمنهم مردخاي كيدار وغيره. وقد تحول يحزكيلي، بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، إلى أحد أكثر "الإعلاميين" الذين تتنافس المنتديات الثقافية الإسرائيلية على استضافتهم، حيث يواصل التعبير عن حماسه لما يوصف بالإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين.

قناة "14": بوق الشعبوية الأبرز

وإن كانت قناة "I24" قد أحدثت تحولاً واضحاً في خطها التحريري بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، فإن قناة "14" قد أُنشئت خصيصاً لخدمة الخطاب اليميني عبر تبني خطاب شعبوي فظ. 

فقد أطلق رجل الأعمال اليهودي الروسي ميخائيل ميريلشفيلي، المقرب من دوائر اليمين الحاكم، قناة "14" عام 2020 لتمثل توجهات اليمين بشقيه الديني والمحافظ. وقد عمدت القناة إلى استيعاب عدد من الإعلاميين المحسوبين على اليمين الديني واليمين المحافظ، مثل يوناتان ميتسفي، شمعون ريكلين، بوعاز جولان، وأريئيل سيغل. ويجاهر هؤلاء بأنهم متحررون من التزام ضوابط العمل الصحافي، بما في ذلك الحرص على عرض وجهات النظر الأخرى.

وقد كانت قناة "14" الأكثر وضوحاً في تعبئتها الجنود والجمهور نحو تبني خطاب متطرف خلال الحرب على غزة. فحسب ثلاث منظمات إسرائيلية تعمل في مجال مراقبة وسائل الإعلام، فقد دعت القناة منذ بداية الحرب على غزة 50 مرة إلى "الإبادة الجماعية"، و150 مرة إلى تنفيذ جرائم ضد الإنسانية.

وقد صرّح شمعون ريكلين في أثناء تقديمه أحد البرامج الحوارية بأن تدمير البنايات العالية في غزة على رؤوس قاطنيها هو ما يجعله قادراً على النوم ليلاً.

تراجع الحضور اليساري في سوق الإعلام

لا خلاف على أن مطلع تسعينيات القرن الماضي شهد التحولات الأساسية التي مهدت الطريق أمام هيمنة اليمين على خارطة الإعلام في إسرائيل. فقد بدأت هذه التحولات باختفاء عدد من وسائل الإعلام التي كانت تعبر بوضوح عن التوجهات اليسارية، مثل صحيفة "حدشوت" التي أُغلقت عام 1993، وصحيفة "دفار" عام 1996، إلى جانب إغلاق العديد من المطبوعات ذات التوجه اليساري، لا سيما مجلة "هعولام هزيه". 

وفي الوقت نفسه، دفعت حكومات اليمين نحو إغلاق "القناة الأولى" التي كانت تمولها الدولة، بدعوى أنها تمنح منصة لممثلي اليسار. ولم يعد يمثّل التوجهات اليسارية الصهيونية سوى صحيفة "هآرتس".

وأسهم بروز قنوات التلفزة التجارية عام 1993 في توفير بيئة حاضنة لخطاب اليمين. فبما أن منطق "التنافس" التجاري هو الذي يحكم سلوك هذه القنوات، فقد عمدت إلى مغازلة الجمهور الإسرائيلي بهدف تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، ما دفعها إلى منح مساحة أكبر للفئات الشعبية، وتحديداً الشرقيين والمتدينين الذين يمثلون الخزان الانتخابي لقوى اليمين.

وتحت وطأة الدوافع التجارية، بدأت القنوات التجارية، ولا سيما القناة الثانية والعاشرة (اللتين تُعرفان اليوم بالقناتين 12 و13)، باستضافة المزيد من ممثلي اليمين، ثم استقطاب مراسلين ومعلقين ومقدمي برامج من التيارات اليمينية الدينية والمحافظة.

ومن يتابع نشرات الأخبار والبرامج الحوارية في هذه القنوات يلاحظ الحضور المتزايد للصحافيين والمعلقين ذوي الخلفيات الدينية. وقد أسهم هذا التحول في كسر احتكار النخب الإعلامية القديمة المتهمة بالميول اليسارية، وكرّس بروز نخبة إعلامية جديدة، ينتمي معظمها إلى التيار الديني القومي.

ثورة أدلسون

ولا شك أن أحد أهم التحولات التي طرأت على سوق الإعلام، والتي أسهمت في تعزيز سيطرة اليمين، تمثل في دخول الملياردير اليهودي الأمريكي شيلدون أدلسون الذي توفي عام 2021 إلى هذا المجال بقوة. فقد أسس أدلسون صحيفة "يسرائيل هيوم" عام 2007، وقدمت نموذجاً جديداً يقوم على التوزيع المجاني الواسع، مع تبني خط تحريري يميني واضح.

وقد لم يسهم هذا النموذج في توسيع انتشار خطاب اليمين فحسب، بل أضر أيضاً بمكانة الصحف التجارية التقليدية مثل "يديعوت أحرونوت" و"معاريف"، إذ سرعان ما انتزعت "يسرائيل هيوم" مكانة الصحيفة الأكثر انتشاراً من "يديعوت أحرونوت".

كما اشترى أدلسون صحيفة "ميكور ريشون"، التي كانت ذات خط تحريري مستقل، وحوّلها إلى منبر يعبر عن التيار الديني القومي. ولم يكن من قبيل المصادفة أن أول رئيس تحرير عينه لإدارة الصحيفة كان حجاي سيغل، الذي ارتبط سابقاً بتنظيمات يهودية متطرفة.

وقد أسهمت هذه "الثورة الإعلامية" في توسيع انتشار خطاب اليمين وإعادة تشكيل الأجندة الإعلامية في إسرائيل.

"إصلاحات" كرعي

مثّل تشكيل الحكومة الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو أواخر عام 2022 نقطة تحول في تمكين اليمين من تعزيز حضوره الإعلامي. فقد أبدى وزير الاتصالات شلومو كرعي، المسؤول عن قطاع الإعلام، حماسة لاتخاذ إجراءات وتشريعات تعزز من قدرة اليمين على نشر رسائله عبر الإعلام.

ونقل موقع "واللا" عن كرعي قوله إنه يسعى إلى إلزام قناة "كان" التابعة لسلطة البث باستضافة ممثل عن الليكود وآخر عن التيار الحريدي في كل برنامج حواري.

كما سمحت الحكومة، بمبادرة من كرعي، لقناة "14" بالبث عبر منصة رقمية وإعفائها من بعض الالتزامات المالية، في الوقت الذي حُرمت فيه قناتا "12" و"13" من هذه الامتيازات. وقد أشار الصحافي شلومو يروشالمي إلى أن هذا القرار يتيح للقناة إضافة نحو 150 ألف مشاهد جديد.

وحاول كرعي تمرير قانون يمنح لجنة حكومية ذات طابع سياسي صلاحيات رقابية على القنوات التلفزيونية، إضافة إلى إغلاق سلطة البث الثانية. وعلى الرغم من فشل المشروع، إلا أن تأثيره انعكس في دفع وسائل الإعلام الأخرى إلى تبني خطاب أكثر قربًا من خطاب الحكومة.

وفي هذا السياق، كتب الناقد الإعلامي عيدو كوهن في صحيفة "هآرتس" أن القنوات التلفزيونية باتت تعمل "كنسخة كبيرة" من قناة "14"، خصوصاً في تغطية الحرب على غزة.

"الجيدون للإعلام"

لم يكن تعاظم خطاب اليمين في الإعلام نتيجة التحولات السوقية فقط، بل أيضاً نتيجة توجه التيار الديني القومي إلى إعداد أتباعه مبكراً لدخول المجال الإعلامي. وقد شكل مقال أوري أورباخ، أحد أبرز قيادات هذا التيار، في مجلة "نكوداه" بعنوان "الجيدون للإعلام"، نقطة انطلاق لهذا التوجه، إذ دعا فيه إلى اكتساب المؤهلات اللازمة للانخراط في الإعلام.

وقد دفع هذا المقال عديداً من أتباع التيار الديني القومي إلى الالتحاق بدورات تأهيل إعلامي، حتى بلغت نسبتهم نحو 50% من خريجي دورات إعداد مذيعين في إذاعة الجيش.

وفي المقابل، ترى بعض النخب الإسرائيلية أن هذه التحولات أضرت بالمصالح القومية. فقد حذّر الجنرال إسحاق بريك، القائد السابق للكليات العسكرية، من ما سماه "الإعلام المجند"، معتبراً أنه يضلل الجمهور ويضعف قدرته على الرقابة على السياسات الحكومية.

وكتب بريك في صحيفة "معاريف" أن هذا الإعلام "يرمي الرمال في عيون الناس ولا يقول الحقيقة"، ما أدى إلى انخفاض مستوى ضغط الجمهور على المستويين السياسي والعسكري لتغيير السياسات القائمة.

 


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
ترمب يقول إن الاتفاق مع طهران سيكون "جيداً".. وإعلام إيراني يشكك في سريان التفاهم مع واشنطن
عشية بدء مناسك الحج.. وصول أولى طلائع الحجاج إلى مشعر منى والسعودية تعلن جاهزيتها
قتلى بغارات على جنوب لبنان.. ومسيّرات حزب الله تطلق صفارات الإنذار في شمال إسرائيل
طهران تلمّح لاتفاق محتمل مع واشنطن يتضمن تعليق العقوبات النفطية.. وروبيو يتحدث عن تطورات خلال ساعات
تركيا و15 دولة إسلامية وعربية ترفض افتتاح الإقليم الانفصالي بالصومال سفارة لدى إسرائيل في القدس
روسيا تعلن استخدام صواريخ فرط صوتية في هجمات واسعة على أوكرانيا
باكستان.. قتلى في هجوم على قطار عسكري وقوات الأمن تقتل 25 مسلحاً في عملية غربي البلاد
إعلام أمريكي يتحدث عن قرب اتفاق أمريكي-إيراني يشمل النفط والنووي ومضيق هرمز
تعزيز السلامة وتيسير المناسك.. السعودية تستكمل الاستعدادات لخطط تفويج ضيوف الرحمن
محكمة فرنسية تؤيد حظر فعالية "اللقاء السنوي لمسلمي الغرب"
إطلاق نار قرب البيت الأبيض ينتهي بإصابة مشتبه به ونقله إلى المستشفى
ترمب يعلن قرب التوصل لاتفاق مع إيران بعد مفاوضات مكثفة
طائرات الدورية البحرية التركية تواصل مهامها في أجواء السنغال
قبض عليه في المطار.. محكمة في شمال قبرص التركية تأمر بحبس إسرائيلي متهم بتهريب أجنة بشرية
ترمب: فرص الاتفاق مع إيران أو مهاجمتها متساوية