قدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين خطاباً تاريخياً شاملاً، جمع بين تمثيل تركيا بوصفها صوتاً للمظلومين في العالم، وبين الصراحة والوضوح في تشخيص اختلالات بنية النظام الدولي وسبل إصلاحه، واستعراض دور تركيا وإسهاماتها في الاستقرار والتنمية الإقليمية. كما وجد الرئيس أردوغان الفرصة للتذكير بشعاره الشهير "العالم أكبر من خمسة"، في سياق المطالبة بهيكل دولي لعالم أكثر عدلاً، والمطالبة بزيادة عدد الدول المساهمة في اتخاذ القرارات المتعلقة بقضايا العالم الجوهرية، في سياق انتقاد احتكار الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن لقرارات السلم والأمن.
وبالتالي، لم يكن خطاب أردوغان مداخلة دبلوماسية فحسب، بل إعلاناً عن تموضع تركي يجمع بين الشرعية الأخلاقية التي تدافع عن المظلومين، وبين الشرعية السياسية التي تطالب بإصلاح النظام، والشرعية العملية التي تبرز قدرات تركيا في إنتاج الحلول، خاصة على المستوى الإقليمي.
فلسطين حاضرة رغم الغياب
حول الرئيس أردوغان الغياب الفيزيائي للتمثيل الفلسطيني إلى حضور سياسي، إذ بدأ الرئيس أردوغان خطابه من انتقاد التغييب القسري للتمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة من خلال منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من المشاركة، بالرغم من اعتراف غالبية الدول الأعضاء بدولة فلسطين. وفي سياق التغييب لكلمة فلسطين للعام التالي على التوالي، قال أردوغان إنه سيواصل إيصال صوت دولة فلسطين الحرة ذات السيادة من على منبر الأمم المتحدة، وسيواصل إيصال صوت الشعب الفلسطيني، مطالباً الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين بأن تعيد النظر في قراراتها.
كان من الواضح حرص أردوغان على دعم خطوة المقاومة الفلسطينية التي وافقت على وقف إطلاق النار، إذ توقف أردوغان أيضاً عند قبول فصائل المقاومة الفلسطينية للانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام ووقف إطلاق النار، مبيناً أن الحكومة الإسرائيلية هي من تعطل ذلك. ولم يقتصر خطاب أردوغان على غزة، ففي الوقت نفسه أشار أردوغان إلى أن الضفة الغربية تشهد أشد فترات الإرهاب الاستيطاني، وأن الاحتلال يمنع المسلمين والمسيحيين من الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس، وأن المبادرة المشتركة للدول الموجودة والمتمثلة في وكالة الأونروا مستهدفة بالتدمير.
وقد جعل أردوغان فلسطين محور خطابه، إذ كانت غزة والضفة الغربية والقدس حاضرة في معظم أجزاء خطاب أردوغان، الذي مثّل صوت أطفال غزة الذين تعرضوا للقتل وبتر الأطراف والتهجير والتجويع. ومن خلال نقل مأساتهم، انتقد أردوغان النظام العالمي الذي يتم فيه قتل الأطفال، ووصف أردوغان في هذا السياق غزة بأنها باتت أكبر مقبرة للأطفال الشهداء في العالم، كما أن فيها أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف، وأن الأطفال الأبرياء الذين فقدوا أطرافهم في الاعتداءات الإسرائيلية يحاولون الذهاب إلى المدارس بأطراف صناعية مصنوعة من الخشب.
وحاول أردوغان مخاطبة الضمير الإنساني من منصة تشهد كل عام سجالاً جيوسياسياً وفكرياً، وتحمل رؤى متنوعة تجاه العالم. وفي هذا السياق، قال أردوغان إنه لا يمكن لأي شخص لديه ضمير في هذا العالم أن يغض الطرف عما يجري في غزة.
وقد هاجم الرئيس أردوغان من فوق منصة الأمم المتحدة عقلية الإبادة الجماعية، ناقلاً بالأرقام أعداد الشهداء، ومشيراً إلى استمرار سكان غزة في التعرض للقتل، وأن إسرائيل قتلت 1500 شهيد بعد وقف إطلاق النار فقط، واستمرارهم في البحث عن أحبائهم تحت الأنقاض. وأشار أردوغان إلى أن 70% من مولدات الكهرباء في مستشفيات غزة لا تعمل بسبب نقص الوقود.
وفي سياق مطالب غزة، أكد أردوغان الحاجة إلى البدء في إعادة إعمار غزة دون تأخير، ودعا في هذا الصدد إلى ممارسة المزيد من الضغط على إسرائيل، كما أكد أن محاولات قمع الدولة الفلسطينية ستفشل، وسيشهد العالم تلك الأيام الجميلة التي تقوم فيها دولة فلسطينية مستقلة ومتكاملة الأراضي، عاصمتها القدس الشرقية، وضمن حدود عام 1967، على حد وصفه.
الصدمة الواجبة والسياق الإقليمي
حاول أردوغان تحويل غزة من مجرد ملف تفاوضي إلى أزمة ضمير عالمي، ولذلك دعا أردوغان، بشيء من التحذير، أولئك الذين لا يلقون بالاً لتعطيل دور مؤسسات الأمم المتحدة الإغاثية والإنسانية، إلى أن هناك مواجهة لوضع شديد الخطورة، وأن هناك عقلية إبادة جماعية لا تشبع من القتل، وأن هذا المشهد يجب أن يصدم الجميع، خاصة عندما يتم جعل المؤسسات التي أسست لحماية السلم والأمن عاجزة عن أداء مهامها، وأنه سيضطر الجميع في يوم سيأتي إلى اللجوء إلى الضمير الإنساني المشترك.
وأمام العجز على المستوى العالمي، حاول أردوغان عرض عدد من المبادئ الأساسية للتعامل مع الواقع الحالي، وهي: "أولاً، يجب تغيير الفهم السائد بأن القانون الدولي يُطبّق بشكل مختلف على الأقوياء والضعفاء. لا ننسى أن النظام الدولي الذي يفلت فيه الجناة من العقاب، والذي يصبح فيه الإفلات من العقاب أمراً شائعاً، محكوم عليه بالانهيار. ثانياً، في كل مرحلة تُعرقل فيها الإرادة الدولية عن حل الأزمات، يجب علينا استخدام الملكية الإقليمية لفتح مسار جديد. لقد عملنا في تركيا وفقاً لهذا المبدأ وحققنا نتائج في كل قضية، مثل ممر الحبوب في البحر الأسود؛ حيث ساهمنا في الأمن الإقليمي والعالمي. ثالثاً، يجب علينا إعادة ترسيخ فهم يضع التعاون والدبلوماسية المفتوحة في صميم العلاقات بين الدول. لقد أظهر لنا التاريخ مراراً وتكراراً، من خلال تجارب مريرة، أنه لا رابح في تفاهم سياسي مبني على انعدام الثقة. رابعاً، يجب علينا معاً بناء نموذج جديد يُقدّم حلولاً لتفاقم عدم المساواة في الدخل على مستوى العالم."
ومما سبق يمكننا أن نستنتج أن أردوغان يحاول القول بأن العجز على المستوى العالمي يمكن أن يعوض من خلال العمل على الحلول على المستوى الإقليمي، على الأقل، وقد أضاف أن الطريق إلى ذلك يكمن في التنمية المشتركة والتضامن والترابط، وإيجاد مجتمعات متصلة بالطرق والتجارة وخطوط الطاقة، وسيؤدي الإنتاج المشترك في نهاية المطاف إلى تحقيق السلام، وسيساهم أيضاً في تحقيق الاستقرار.
وضرب أردوغان المثل بتحالف تركيا مع باكستان والمملكة العربية السعودية، والذي يكمن هدفه في إيجاد حلول للمشاكل الإقليمية من داخل المنطقة، وأن هذا التشكيل يواصل جهوده مع الجهات الفاعلة المعنية لإنهاء الصراع والحرب اللذين اندلعا في الخليج، وفي غزة، ويتابع تنفيذ الاتفاقية التي وُقعت في شرم الشيخ قبل عام.الاستقرار وسيادة الدول المجاورة
لم تغب القضايا الإقليمية، خاصة للدول المجاورة لتركيا، ولكن من منطلق دور تركيا كدولة مركزية، إذ أكد أردوغان الوقوف مع سوريا في عملية بناء الدولة رغم كل الاستفزازات الداخلية والخارجية. كما أكد على العراق، الجار الآخر، وضرورة دعمه بشكل كامل لتعزيز سلطة الدولة وترسيخ الاستقرار، فضلاً عن التعاون مع العراق في مشاريع النقل والطاقة الاستراتيجية التي ستزيد من ازدهار منطقتنا، وعلى رأسها مشروع طريق التنمية.
كما دعا أردوغان لعقد مؤتمر شرق المتوسط، رغبةً في حل القضايا القائمة في بحر إيجة وشرق المتوسط على أساس علاقات حسن الجوار ووفقاً للقانون الدولي. وفي هذا السياق، دعا أردوغان إلى الاعتراف بالمساواة في السيادة والوضع الدولي المتكافئ للشعب القبرصي التركي، وإنهاء العزلة اللاإنسانية التي يتعرض لها، قائلاً: "أدعو المجتمع الدولي إلى الاعتراف بجمهورية شمال قبرص التركية وإقامة علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية معها."
وأكد أردوغان أن تركيا لا تزال واحة استقرار وسط الصراعات بفضل صناعتها الدفاعية المتطورة واقتصادها المرن، قائلاً: "إن بلدنا، كجزء لا يتجزأ من أوروبا، يلعب أدواراً مهمة في ضمان ازدهار القارة وأمنها". وبهذا الأمر، ومن خلال استعراض سياسات تركيا تجاه دول الجوار وتنظيمها لقمة الناتو الأخيرة، أكد أردوغان أن رؤية تركيا لا تقصر الاستقرار على حدودها، بل تسعى إلى تأمين استقرار كثير من الجغرافيات القريبة والبعيدة. وقد ذكر أردوغان دور تركيا في السلام بين أذربيجان وأرمينيا، وسعيها لتمديد اتفاقية الحبوب بين روسيا وأوكرانيا، وحرص تركيا على مناطق البلقان والقوقاز، وعلاقات تركيا مع رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، وكذلك أفريقيا.
فعاليات جديدة
وفيما يخص أفريقيا، أعلن أردوغان أن قمة الشراكة التركية الأفريقية الرابعة، التي ستعقد في ليبيا في ديسمبر، هي رمز للشراكات المؤسسية التي طوروها على مدى أكثر من 20 عاماً، كما دعا أردوغان قادة العالم للمشاركة في قمة قادة مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31)، مؤكداً حرص تركيا على أولوية العدالة المناخية بشكل خاص. كما ربط أردوغان خطورة تغير المناخ بخطورة انتشار ثقافة الإسراف التي يغذيها الاستهلاك المفرط.
ولفت أردوغان الانتباه إلى حقيقة أن 5.8 تريليون طبق طعام يتم التخلص منها كل عام في جميع أنحاء العالم، وأن أكثر من ملياري طن من الطعام يتم إهدارها. وبذلك يكون أردوغان قد تناول العدالة الاقتصادية والعدالة البيئية، وأيضاً الفجوات في الوصول إلى الغذاء والموارد.
واختتم أردوغان خطابه بتأكيد شخصي وأخلاقي برسالة الاستمرار في هذا الطريق، إذ قال: "بصفتي طيب أردوغان، رئيس أمة عظيمة ذات ضمير وتاريخ ورحمة، وبإذن الله، ما دمت حياً، سأواصل من هذا المنبر الدفاع عن حقوق المظلومين والمظلومين والمستضعفين، لأكون صوتهم، وأتحدث باسمهم، وأناضل من أجلهم. سنتحمل المشقة إن لزم الأمر، وسندفع الثمن إن لزم، لكننا لن نصمت أمام الظلم، ولن نتغاضى عن القمع أبداً. بالنظر إلى مسار العالم، نرى أمامنا طريقين: إما أن نزيد من حالة عدم اليقين بالخوف والصراع والعزلة، أو أن نبني المستقبل معاً بالعدل والتضامن والإرادة المشتركة. لا شك أن دحر الظلام أمر سهل، لكن الصعوبة تكمن في إشعال شمعة لتنير ذلك الظلام. لقد اختارت تركيا الطريق الثاني."
وبذلك، فإن أردوغان دافع عن القضايا الأخلاقية، وفي مقدمتها قضية فلسطين، وسعى لإبراز مكانة تركيا وقدراتها في تأمين الاستقرار الإقليمي والدولي. وقد كان واضحاً أن قضية فلسطين كانت الناظم الأساس لإعادة تعريف الدور التركي، فتركيا تبرز من خلالها كصوت للمظلومين، وكوسيط يسعى لإيقاف الحروب وتحقيق الاستقرار، وكقوة تسلط الضوء على الخلل وتطالب بإصلاح قواعد النظام الدولي.





















